انتقادات للغرب بسبب تعاملهم مع الربيع العربي
.

راهناً، وفي كل تفصيل وزاوية مما تعرضه الأجهزة الإعلامية والدعائية التي تمولها أنظمة حُكم بلدان منطقتنا، ثمة حضور كثيف لـ"خطاب الإصلاح". لا يُعرض هذا الخطاب على اعتباره مسألة إدارية أو شأناً بيروقراطياً اختصاصياً، بل بكونه نزعة وإيديولوجية سياسية عُليا، تتبناها أنظمة وسلطات حاكمة، تعتبرها مشروعها السياسي، وتريد من خلالها الاستحواذ على قدرٍ كبير من القبول والشرعية. شيء شبيه بما كانت تحتله الخطابات الوطنية والقومية والإسلامية والممانعة طوال عقود ماضية. 

صعد هذا الخطاب الإصلاحي وصارت تتبناه الأجهزة السلطوية في بلداننا نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل وديناميكيات داخلية عامة. حضرت هذه العوامل وتلاقت، فحرضت هذه الأنظمة على تبني "خطاب الإصلاح" واستخدامه بأوسع مروحة وأكثف فاعلية ممكنة.   

فأولاً لأن المجريات العامة قد تجاوزت مرحلة "الربيع العربي"، بمعنى أنه لم يعد ممكناً أن تتكرر الموجات التغيرية الكبرى، تلك النوعية التي تقلب أنظمة الحُكم وتطيح باستقرار الطبقات وتمزق علاقات القوى الفاعلة. فالأنظمة الجمهورية التي شهدت تلك الموجة صارت تعيش حروبها الداخلية التصفوية، ومن غير المتوقع أن تتجاوز تلك الحروب طوال العقد القادم. كذلك فأن الأنظمة الملكية أظهرت حصانة كافية أمام ذلك الربيع العربي.

تبني خطاب الإصلاح من قِبل الأنظمة السلطوية في هذا المقام يسعى لأن يقول للعامة مقولة بسيطة: ليس ثمة أملٌ بعد في الانتفاضات الشعبية الانقلابية، وأيضاً ليس من أمل فيها، وها أنتم تشاهدون ذلك بأعينكم، لذا دعونا نصلح الأحوال بروية وتمهل تام؛ لذا والونا وامنحونا الشرعية. 

في نفس هذا الوقت، فإن الأحوال العامة في هذه البلدان، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، تظهر تفسخاً حقيقياً، يعانيه ويعيشه الناس بشكل يومي كثيف. هذا التفسخ الذي هو نوع من الخراب العام الذي لا يمكن ستره أو تجازوه، أو حتى عدم الاعتراف به من قِبل أنظمة الحُكم. 

هذا الوضوح في الخراب العام، لا يمكن لأي نظام حاكم أن يواجهه دون خطاب مضاد، يوحي بأن السلطة الحاكمة أنما تقوم بشيء ما، للتعامل مع هذا الخراب، والخطاب الإصلاحي يوفر مثل تلك الوسيلة. 

وفوق الأمرين، فأن الإيديولوجيات الخلاصية كلها تشهد تلاشياً ذاتياً، ولم تعد مقنعة قط، اليسارية والإسلامية والقومية والممانعة منها، وحتى الثورية نفسها. لم تعد السلطويات بقادرة على مناغشة ومكاذبة القواعد الاجتماعية بها، حتى أقل تلك القواعد تعليماً وهامشية في عموم البلدان، صارت أكبر من أن ينطلي عليها شيء من تلك النزعات التي كان.     

في هذا المقام، فإن خطاب الإصلاح هو تجسير لهوة الفراغ الخطابي التي تأسس بين القطاعات الحاكمة ونظيرتها المحكومة، الناتج عن تلاشي الإيديولوجيات الخلاصية، التي كانت عبرها تحول سلطات أدواتها المادية، من أجهزة أمنية وجيوش ومؤسسات، إلى غمامة من الهيمنة اللفظية والخطابية والنفسية في حيوات المحكومين، شيء من مثل ما كانت تفعله مهرجانات عبد الناصر الخطابية القومية وأشرطة شيوخ الإسلام السياسي التحريضية. يفعل الخطاب الإصلاحي راهناً على ملء تلك الهوة. 

لكن، ومع توافر كل تلك العوامل، وفي ظلال كل هذا الاستخدام الكثيف للخطاب الإصلاحي، إلا أنه في المحصلة بقي مجرد خطاب، دون أي إصلاح موضوعي قط.

فطوال السنوات الخمسة الماضية، وفي جميع النماذج التي تجاوزت مرحلة الربيع العربي، وبالرغم من التفسخ الذي يصيب كل تفصيل من حياة الناس العمومية، ومع أن الخطاب الإصلاحي وحيد لا منافس له، إلا أنه ليس من نموذج أو تجربة واحدة، تمكن فيها هذا الخطاب الإصلاحي من تحقيق أي من تطلعاته ووعوده. فجميع المؤشرات العالمية، على مستويات التنمية البشرية والحريات العامة والتعليم ونوعية الخدمات ونمط السلطة، تظهر تدهوراً عاماً ومتقادماً في كل البلدان والأنظمة التي تبنت خطاب الإصلاح. 

بهذا المعنى، فإنه ثمة عطب جذري في المسألة، يثبت استحالة تمكن الخطاب الإصلاحي من تحقيق أي من مراميه، في ظلال المشهد الراهن، بالذات من حيث الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، وتوازن القوة الهش بين الحاكمين والمحكومين، المائل بالمطلق لصالح الأوليين، وذلك لأربعة أسباب رئيسية. 

فرعاة الخطاب الإصلاحي ليسوا إصلاحيين، لا يؤمنون في أعماقهم برؤية تاريخية تقول إن الأحوال الراهنة في بلدانهم ستؤدي إلى الانهيار التام والحروب الأهلي. رعاة الإصلاح هم أناس غير متأتين من خلفيات طبقية وتعليمية وثقافية تؤمن بأن التحديث ضرورة جوهرية لاستمرار المجتمعات والحفاظ على سلامها الاجتماعي. على العكس تماماً، فإن هؤلاء الرعاة متمركزون تماماً حول ذواتهم، مصالحهم وشبكة أعمال الحلقة الأكثر ضيقاً من المحيطين العائلي والسياسي السلطوي بهم، دون أي أفق فسيح وذو مضمون.   

كذلك لأن خطاب الإصلاح هذا هو دون أي مضمون سياسي، بل مجرد محاولة بائسة لإحداث تغيرات ما في البنى والأجهزة الإدارية والاقتصادية، تلك البنى التي لا تستطيع أن تحمي نفسها واستقلالها دون فضاء عمومي من الحياة السياسية والسلطة المقيدة في بلد ما، بل وغالباً من تُحدث فيها تلك التغيرات مزيداً من التفسخ.

فالإصلاح ليس سؤالاً في شكل مؤسسة ما هامشية الدور والموقع في الهرم السلطوي وسرعة أدائها لمهامها، بل هو محاولة لتقوية المهنية والاستقلالية التي يجب أن تتمتع بها المؤسسات الأعلى، الأكثر تمثيلاً للقواعد الاجتماعية والأشد ندية للسلطة الحاكمة. بالذات منها تلك المؤسسات التي من المفترض أن تكون مستقلة جوهرياً عن السلطة السياسية التنفيذية الحاكمة، ومضاداً نوعياً لها، مثل البرلمانات والمؤسسات القضائية والجيوش والدساتير والنقابات المهنية والمؤسسات الإعلامية، تلك التي تبدو محظورة من النقاش تماماً في أي تناول إصلاحي. 

فوق الأمرين، فأن الموجة الإصلاحية هذه تُظهر أبوية قهرية. فالذين أوصلوا أحوال هذه البلدان لما هي عليه، من أحزاب وتيارات وشخصيات سياسية، يريدون أن يكونوا هُم "زعماء الإصلاح"، أن تمنحهم المجتمعات وقتاً مفتوحاً لتشييد ما قاموا هُم أساساً بتخريبه، ودون أية شراكة أو ملاحظة من أحد!. شيء يفتقد لأي جذر منطقي، بل ويزيد من مركزية الفاعلين/المخربين. 

أخيراً، لم يتحقق شيء، لأنه مطلوب من الإصلاح أن ينجز مراميه وحيداً، دون أي سند أو مؤازرة شعبية جماهرية أو إعلامية أو مدنية أو سياسية، أن يبقى مترفاً وأسيراً في أروقة وأجندات الحاكمين، ليطبقوا منها ما يرونه مناسباً لمصالحهم واستقرار سلطاتهم، دون أي إلحاح أو أية ضغوط، شيء يناسب المهرجانات الشعرية أكثر مما قد يناسب وقائع معقدة ومركبة من مثل العلاقة بين المجتمعات والسلطات الحاكمة، حيث لا تنفرز الوقائع الجديدة والأكثر توازناً فيما بينها دون تصارع واضح وتوازنٍ معقول في القوة بينهما. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.