كما هو الحال في طغيان المد الصوفي على "الحالة الدينية" لتتجاوز ـ شمولا واحتكارا ـ رسومَ الحد العقلاني في التشريع العملي
كما هو الحال في طغيان المد الصوفي على "الحالة الدينية" لتتجاوز ـ شمولا واحتكارا ـ رسومَ الحد العقلاني في التشريع العملي

يندرج خطاب المفكر الإستشراقي / وائل حلاّق في مسار ما بات يعرف بـ"نقد الاستشراق" في السياق الخاص. وفي السياق الأعم، يندرج في مسار ما يعرف بـ"نقد الحداثة"، أو خطاب "ما بعد الحداثة"؛ التي يجنح حلاق ـ بجل اهتمامه ـ إلى محورين من محاور سياقاتها: نقد التمركز الغربي من جهة، ونقد المنظومة الأخلاقية للحداثة ـ من حيث هي صيرورة تاريخية ملازمة للتاريخ الغربي ـ من جهة أخرى. ويجمع بين المحورين أنهما ـ في كل أحوالهما؛ متلازمين أو مفترقين ـ يصدران عن نَفَسٍ ضِدّي عِنَادي في التعاطي مع الغرب على وجه الخصوص.

لكن، وفي النهاية، يفارق خطاب حلاّق هذين المسارين ـ بدرجة ما ـ في كونه مشدودا إلى غاية إيديولوجية صارخة، لا تتعدى ـ في كل مراوغاتها البارعة ـ محاولة الانتصار للعرب/ المسلمين؛ في صورة الانتصار لثقافتهم/ حضارتهم؛ من هيمنة/ ظلم الصورة النمطية السائدة في الغرب عنهم. 

هذه الصورة التي هي ـ في أصل تكوّنها؛ كما يؤكد حلاق، ومن قبله إدوارد سعيد ـ  من اختراع الاستشراق، هذا الاستشراق الذي إن لم يكن كبار الفاعلين فيه يمارسون ـ عن عَمْدٍ ـ تبخيس التاريخ والثقافة والحضارة العربية في الماضي، والتأسيس لكل ما من شأنه أن يُعِيقها في الحاضر والمستقبل؛ فإن المنظومة المفاهيمية التي يتكئ عليها هؤلاء المستشرقون، والتي هي جزء لا يتجزأ من منظومة المفاهيم المعرفية الغربية، لا بد أن تؤدي ـ من دون تعمّدٍ في الغالب ـ إلى هذا التبخيس، وإلى هذا التصوّر الذي يتضمن إبطال الفاعلية/ القدرة على أي استئناف حضاري واعد يحلم به العرب/ المسلمون.

لا يساورني شك في أن الدافع الأصيل لهذه الفكرة الجوهرية التي تقف خلف مشروع حلاق هو "الجرح النرجسي" الذي تشعر به الذات العربية / الإسلامية في سياق التفاعل مع حضارة الخصم/ المنافس التاريخي الذي جاوز مسار التنافس بمسافة قرون (غير قابلة للقطع: تلاشي أمل التقارب؛ فضلا عن التنافس)؛ ليتحوّل إلى حضارة كونية ضاغطة بكل مفاعيلها؛ التي تصل بها درجة من الاضطرار المعيشي ـ فضلا عن الاضطرار الحضوري ـ بحيث تجد الذات أنها لا تستطيع تحقيق ذاتها إلا من خلال تمثّل هذا الآخر/ الخصم/ العدو تمثّلا يحمل في طياته مضامين الاعتراف بالاندحار الحضاري.

عن هذه العلاقة الشائكة/ المتأزّمة بالغرب/ بالتغريب، يقول أمين معلوف: "حيثما نحيا على هذا الكوكب نجد أن كل حادثة هي عملية تغريب"، ثم يُتْبع هذه الظاهرة العولمية بما يكشف سِرَّ/ سَببَ تأزّم العلاقة بين الغرب والآخرين؛ فيقول: "لبقية الشعوب تضمنت الحداثة على الدوام التخلّي عن جزء من الذات. وحتى عندما تستثير الحداثة مشاعر الحماسة أحيانا، فقد كان يتخللها دائما بعض المرارة، وشعور بالمهانة والتنكر للذات، وتساؤل مؤلم عن مخاطر تمثّلها، وأزمة هوية عميقة" (الهويات القاتلة، أمين معلوف، ص64،65).

يمكن اعتبار مشروع وائل حلاق، وخاصة في كتبه المتأخرة، محاولة يائسة للخروج من الأزمة النفسية، الخاصة والعامة، التي كشف معلوف عن أهم ملامحها. هجاء الحداثة الغربية وتبخيسها، ونبذها ـ في أعلى درجات النبذ؛ الصريح والمضمر ـ كخِيَار، في مقابل تبجيل مجانبي ذي نَفَسٍ طوباوي لتاريخ العرب والمسلمين، ليس أكثر من ردة فعل عُصَابيّة على ضرورات الواقع، الواقع الذي جعل الذات تستسلم ـ حضاريا ـ للآخر؛ في سلسلة طويلة من التنازلات (التي وصفها معلوف بـ"التخلي عن جزء من الذات"). وهي التنازلات التي استطاعت الأمم غير الغربية تقديمها ـ بلا عُقَد/ بلا تأزّم مُعِيق ـ كثمن للخروج من حالة العطالة التاريخية؛ لتصبح ـ جرّاء هذه المرونة النفسية/ الشجاعة الحضارية ـ قادرة على الحضور الفاعل في التاريخ؛ بينما يكاد أولئك "المتأزمون/ المعقدون" أن يخرجوا من التاريخ تماما.

إن حلاق لا يكتفي بنقد الحداثة/ الحضارة الغربية؛ كما يفعل كثيرون، ولا يكتفي أيضا بنقد الاستشراق إلى الحد/ المستوى الذي وصل به إدوارد سعيد (مع الحضور الدائم لمستوى من الإيديولوجيا المناكفة في هذا النقد!)، بل هو يتجاوز كل ذلك ـ في مسار مُتتاليات الانغلاق المؤدية لمحدودية آفاق التصور الحضاري؛ والناتجة عنها في آنٍ ـ ليقف مع الأصولية الإسلاموية في أشدّ مواقفها رفضا وانفصالا وعنادا ينتهي بانغلاق، وأشد مواقفها توهّما وتهويما واضطرابا بإخفاق.

هل مات سيد قطب؟ هل مات محمد قطب؟ هل مات المودودي؟...إلخ كبار منظري الحراك الأصولي في العالم العربي والإسلامي؟ لا؛ لا زالوا أحياء ـ بكامل حيويتهم ـ في جُبّة "مفكّر ما بعد حداثي" يمتهن التدريس في أرقى جامعات الغرب. يقول وائل حلاق في كتابه الذي اجترح به شهرة واسعة في العالم العربي عامة، وفي أوساط الإسلاموية الحكرية خاصة، أقصد كتاب: "الدولة المستحيلة": "كان ميل الشريعة الأخلاقي شوكة في جنب الاستعمار في العالم الإسلامي"، ثم يقول: "لم تستطع الحداثة ودولتها أن تقبلا، ولا يمكن لهما أن تقبلا، الشريعة بمعاييرها، لأن هذه المعايير أخلاقية، وذات نزعة مساواتية بصورة عميقة"(الدولة المستحيلة، وائل حلاق، ص293).

هذه هي الفكرة المركزية في الخطاب القطبي، التي إذْ لم تستطع تبخيس الحضارة الغربية في حضورها المادي المبهر (لأنه هذا الحضور وقائع ملموسة لا يمكن إنكارها إلا في حالة جنون كامل)، فقد عمدت إلى التشغيب على الحضور الفكري/ النظري الروحي؛ وذلك بالزعم (الذي يتكرر كثيرا في الخطاب القطبي حَدّ الملل) أن حضارة الغرب حضارة مادة؛ لا حضارة روح ولا حضارة أخلاق، وأن الروح والأخلاق ـ من حيث هما حقيقة التحضر(وفق الشعارات القطبية طبعا) ـ من نصيب العرب والمسلمين، الذين بهما يصبحون أكثر وأعمق تحضرا من الغرب ، وأحق بصفة "المتقدمين"!!!

هكذا ـ وبالخداع الذاتي الساذج ـ تُداوي الذات الجريحة تَسَلّخات جروحها النرجسية النازفة. تمارس الأصولية القطبية المأزومة سياسة: الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع. وهذا عين ما يمارسه وائل حلاق على امتداد كتبه ومقالاته. حلاق يقول للمسلمين ـ وبإلحاح متكرر، تتغير أساليبه ويتوحّد معناه ـ: تُراثكم أعظم تراث، في مادته، وفي طاقاته/ إمكانيات فعله، وفي مضمونه الأخلاقي؛ فلا تحاولوا إصلاحه/ تطويره ليتوافق مع الحداثة الغربية/ الكونية؛ لأن هذه الحداثة اللاّأخلاقية (وفق توصيف حلاق طبعا!) لا تستحق أن يُقَدِّم لها هذا التراثُ الأخلاقيُّ العظيمُ، هذا التراثُ الذي عاشت به أمة الإسلام أفضل حياة...إلخ صور التبجيل التراثي، أيَّ تنازلات؛ لأنه ـ حينئذٍ ـ سيكون بمثابة تنازلِ "الأخلاقي" الأجدر بالسيادة والهيمنة لصالح "اللاّأخلاقي" الأجدر بالسقوط والاندحار. 

بل إذا كانت أبرز صور الانغلاق الأصولي/ القطبي تتمثّل في ابتداع ما يُسمونه "منهج الفن الإسلامي"، وأحيانا "منهج الأدب الإسلامي"، فإن حلاّق بدوره يُؤكد هذا المنحى الانغلاقي، ويرى أن التحدي الحقيقي يكون هنا تحديدا. يقول حلاق: "على الحكم الإسلامي أن يكون له موقف من الفنون الأدائية والمرئية، ومن عادات الطبخ والحمية، ومن الصور الجنسية المستغلة تجاريا"، إلى أن يقول: "يجب أن يُعاد تقويم كل تجربة من تجارب الرسم والنحت وإعداد الطعام على أساس قواعد وقيم مختلفة، وطرح أسئلة عن الجمال كما عن العقل والجسد البشريين وأغراضهما في الدنيا. ولا بد أن يُطرح بعيدا كل ما يمكن أن يُعتبر غير ملائم للمشهد للحكم الإسلامي، وهنا يكمن التحدي" (الدولة المستحيلة، وائل حلاق، ص271).

هذا التصور الشمولي هو تفريع على تصوّر الأصولية القطبية لعمومية الشرعية/ شمولية التصور الإسلامي. وهو ما سبق أن أكّده حلاق بقوله ـ في لغة مُفْعَمة بالنَّفَس الأصولي، بل وناطقة برؤية "الحاكمية" القطبية صراحة ـ: "فباعتبارها ممثلة لإرادة الله السيادية، تُنظّم الشريعة مجال النظام الإنساني بأكمله، إما بصورة مباشرة أو من خلال تفويض محدد جيدا ومحدود" (الدولة المستحيلة، ص111). وهذه الشريعة الشاملة الحاكمة يحرص حلاّق على طرحها ـ في سياق التبخيس للغربي والتبجيل للعربي/ الإسلامي ـ كمقابل/ تتقابل ضدي بين الأخلاقي واللاّأخلاقي. يقول: "القانون الحديث النموذجي هو قانون وضعي، وقد حكم أسطورة الإرادة السيادية. أما الشريعة الإسلامية فليست وضعية، بل هي قواعد موضوعية قائمة على مبادئ دقيقة تعددية بطبيعتها، ومتجذرة في نهاية الأمر في ضرورة مطلقة أخلاقية كونية. وإذا أراد المسلمون اليوم تبني قانون الدولة الوضعي وسيادتها فإن ذلك يعني بلا شك قبولا بقانون نابع من إرادة سياسية، أي قانون وضعه أناس يغيرون معاييرهم الأخلاقية بحسب ما تتطلب الظروف الحديثة" (الدولة المستحيلة، ص174).

إذن، حلاّق يوصي المسلمين ـ ضمنيا ـ برفض نموذج الدولة الحديثة التي تتضمن ـ بالضرورة عنده ـ نزولا على شروط تستلزم التنازل عن الشريعة التي صنعت ـ عبر التاريخ ـ نموذج الحكم الإسلامي، الذي هو ـ وفق رؤية حلاّق ـ نموذج أخلاقي، في مقابل أن الدولة الحديثة ـ كإفراز للتاريخ الغربي/ الحداثة الغربية ـ غير أخلاقية. وإذ يستحيل تمثّل الدولة للحكم الإسلامي (لمثاليّة هذا الحكم !)، فإن التماسك الحضاري يتطلب من المسلمين الصمود وراء تراثهم العريق، ومحاولة صنع الشروط الحضارية الممكنة لتمكين هذا التراث العريق والأخلاقي من الحكم/ من استئناف الحضور الفاعل في العالم.

إنها رؤية طوباوية باذخة الإغراء؛ بقدر ما هي مغرقة ـ حَدّ التبتّل ـ في الوهم الإيديولوجي. وهذا الوهم الإيديولوجي لا يقع في أسره مُفكّر حاذق إلا إذا كان الهَمُّ الإيديولوجي يُسيطر عليه سيطرة تامة؛ بحيث يصبح التمكّن من الأدوات المعرفية ليس أكثر من وسيلة ـ مُبتذلة في نهاية الأمر ـ  لتحقيق هدف غير معرفي (وهذا ما يتهم به الاستشراق، في حين يمارسه هو في الاتجاه المضاد).

إن الهدف الإيديولوجي المهيمن على مشروع حلاّق ليس سِرا، فإذا كان القارئ لأعماله يراه ماثلا في السطور، وفيما بين السطور، بل وفيما خلف السطور، فإن حلاق ذاته لا يستنكف أن يكشفه وأن يؤكد عليه صراحة. ففي مقدمته للترجمة العربية لكتابه (نشأة الفقه الإسلامي وتطوره) يؤكد ـ فيما يشبه وثيقة اعتراف ـ على هذا الهدف الذي ينتظم مجمل كتاباته. يقول عن هذا الكتاب: "كما هو الحال في الكتابين الآخرين الذين وضعتهما [يقصد كتابيه: "تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام" و"السلطة المذهبية، التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي"] فإن هذا الكتاب يهدف إلى زعزعة الخطاب الاستشراقي المؤرخ للحقبة التاريخية التي تشكلت فيها الشريعة الإسلامية وتكاملت"، ثم يقول عن الخطاب الاستشراقي وعن المنظومة المعرفية الغربية التي تقف وراءه: "ولا يُنكِر مجادل أن جمعا غفيرا من الأمة الإسلامية قد وقع فعلا ـ وللأسف ـ في شبك هذه المنظومة المعرفية، وهذا برهان كافٍ على نجاح المخطط الاستشراقي وعلى الحاجة الماسة لنقضه وإبطاله إبطالا شاملا. وإن كان لهذا الكتاب من هدف فهو هذا الإبطال ولا غير" (نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ص10و15).

تضيق المساحة المتاحة هنا عن كثير مما يجب قوله. لكن، وعلى أي حال، وفي هذا القليل مما تقدّم، تتكشف الأطروحة الحلاّقية عن أصولية إسلامية فاقعة الألوان. هكذا تبدو المسألة وكأنها تتجاوز نقد الاستشراق من حيث هو خطاب معرفي، إلى نقد الاستشراق لهدف تأسيس وتجذير أهم مفاهيم الأصولية الإسلامية، وتدعيم مهادها النظري الذي تنطلق منه في تأكيد مقولاتها المغرقة في الانغلاق، وشرعنة شعاراتها المفعمة برفض الآخر. لهذا ليس غريبا أن يصبح المفكر الإسلامي ذي الميول الصوفية/ طه عبد الرحمن هو المفكر العربي الذي حظي بتبجيل حلاق (يصف حلاّق مؤلفات طه في كتابه: الدولة المستحيلة بـ"العمل الفكري الهائل للفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن" هامش ص47)، هذا كإشارة عابرة قبل ثماني سنوات تقريبا، ثم نجده أخيرا يخُصّص لتبجيل: طه عبدالرحمن آخر كتبه "إصلاح الحداثة"؛ ما يدّل على تشابه ـ إن لم أقل تماثل ـ في المنطلقات والأهداف؛ بما يتجاوز الإعجاب الظرفي إلى وحدة المشروع المُناصِر للأصولية الإسلاموية في أفقها القطبي.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.