تركي يرتدي زيا عثمانيا تقليديا خارج آيا صوفيا.
تركي يرتدي زيا عثمانيا تقليديا خارج آيا صوفيا.

يسعى حزب العدالة والتنمية التركي مثل جميع أحزاب الإسلام السياسي إلى تطبيق الشريعة، ولكن الإرث العلماني والبيئة المنفتحة التي اعتادت عليها تركيا خلال العقود الماضية جعل مهمة هذا الحزب أكثر صعوبة، مما دفعه إلى تبنّي تكتيكات جديدة مثل عدم القول صراحة أنه يريد تطبيق الشريعة، واعتماد أسلوب الخطوات التدريجية للوصول إلى هدفه، وأحد أهم مظاهر تطبيق الشريعة حسب رؤية هذه الأحزاب هي منع بيع وتعاطي الخمور والمشروبات الروحية. 

ففي عام 2005، أي بعد فترة بسيطة من وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة أصدر قراراته الأولى بمنع بيع المشروبات الروحية في المطاعم والمقاهي التي تملكها الحكومة، وفي العاصمة أنقرة قرر رؤساء البلديات التابعين لحزب العدالة والتنمية منع تناول الخمر في المقاهي والمطاعم الواقعة في نطاق بلدياتهم وأضافوا شروطا بيروقراطية لإعاقة الذين يودون تمديد رخص تقديم الكحول التي يملكونها، وادّعوا وقتها أن السبب في ذلك هو "للحفاظ على القيم العائلية"، ودافع إردوغان عن قرار رؤساء البلديات بأن من واجب الحكومة حماية الشباب من عواقب شرب الكحول. 

وفي عام 2013، تم تطبيق قرارات أخرى تمنع بيع أو تقديم الكحول قرب المدارس والمساجد، وفرضت وضع ملصقات على الزجاجات تحذّر من مخاطر الكحول كما منعت الدعاية لهذه المشروبات في وسائل الإعلام والجامعات، وحظرت ظهور كل ما يشير إلى الخمور في الأعمال الفنيّة مثل وجود كؤوس أو زجاجات لمشروبات روحية في الأفلام والمسلسلات، وقيل وقتها أن الهدف من ذلك حماية صحة الأتراك، وقال إردوغان أن العيران وهو لبن "زبادي" ممدّد بالماء هو المشروب الوطني التركي وليس الراكي "العرق" المشروب الكحولي الوطني في بلاد الشام وتركيا واليونان. 

كما قامت الحكومة التركية بزيادة الضرائب على الخمور على عدة مراحل، حتى وصلت نسبتها في بعض الأصناف إلى أكثر من 400 في المائة، مما جعل كلفة كأس النبيذ أو البيرة في تركيا أعلى من نظيراتها في أغلب دول العالم، وقد أدى ذلك إلى تنشيط تهريب المشروبات الروحية إلى داخل تركيا من الخارج، وظهور صناعة محلية لخمور مغشوشة نتج عنها في كثير من الأحيان حوادث تسمم أدّت لعشرات الوفيات كما كان يحدث في دول خليجية وإيران حاليا، وبما يدل على أن الإجراءات القسرية لا تقدّم حلولا لهذه القضايا. 

وقبل أيام، أقر البرلمان التركي قوانين جديدة تضمّنت فرض غرامات بمئات آلاف الليرات "عشرات آلاف الدولارات" على من يبيع الخمور لمن هم دون الثامنة عشرة، وغرامات أقل لمن لا يلتزم بحظر بيع المشروبات الروحية بين الساعة العاشرة مساء والسادسة صباحا، وعلى من يبيع هذه المشروبات عبر الإنترنت أو البريد الإلكتروني أو وسائل الإعلام أو الماكينات، كذاك تم فرض غرامات على بيع مادة الكحول الإيثيلي أو أي مادة أخرى يمكن استخدامها في تصنيع الكحول في المنازل، بما يوضّح مخططهم في الوصول إلى منع الخمر مثل بقية الدول والميليشيات التي تقول أنها تطبّق الشريعة. 

وحتى يستطيع حزب العدالة والتنمية تسويق قرارات المنع هذه كان عليه الترويج إلى أن تناول المشروبات الروحية في تركيا ليس سوى ظاهرة طارئة حديثة العهد من آثار العلمانية التي فرضها حكم أتاتورك، بما يعني أنه لم يكن شائعا قبل ذلك أي في أيام الدولة العثمانية، ولكن المصادر التاريخية تقدّم أغلب السلاطين العثمانيين كأشخاص دنيويّين يعيشون حياة مترفة وماجنة بين الخمر والجواري، فقد كان بايزيد الأول مولعا بالخمر حتى أن زوج ابنته "أمير سيّد" عندما سألوه عن مدى إعجابه بمسجد بيازيد الجديد في بورصة، أجاب: لدى هذا المسجد عيب واحد وهو أنه يجب أن يحتوي على ركن للشراب في كل زاوية حتى يأتي السلطان بأصحابه للاستمتاع فيه. 

وحتى السلطان محمد الفاتح وهو أحد أهم السلاطين العثمانيين فقد قضى حياته محاطا بالفنانين والمثقفين من مختلف الأعراق والأديان وكان مولعا بتأليف الشعر باللغتين التركية والفارسية واحتوى شعره كلاما كثيرا عن الخمر والساقي والنساء ومن الطبيعي فهم ذلك كانعكاس عن حياته الواقعية التي عاشها، ولكن الإسلاميين جعلوا معاني هذه الأشعار مجازية رمزية واخترعوا له تاريخا تقيّا وورعا، ومما يؤكد على عدم صحة ما يقوله الإسلاميون أن أحد أحفاده السلطان مراد الثالث قد أمر بعد قتل أشقائه واستلامه العرش بمنع شرب الخمر والقهوة فثار عليه الإنكشارية وأجبروه على التراجع عن هذا القرار. 

فلو كان الخمر ممنوعا لما كانت هناك حاجة لإصدار هذا القرار من الأساس ولو كانت هذه القرارات مألوفة لما اعترض عليها الإنكشارية، كما أن هذا السلطان كان يقضي أوقاته بين المحظيات ولم يكن يخرج من قصره حتى لصلاة الجمعة بحيث أنجب مئة ولد بقي منهم من الذكور عند وفاته عشرين، فقام ابنه وخليفته محمد الثالث بإعدام إخوته التسعة عشر بمجرد استلامه العرش كما جرت العادة عند هؤلاء السلاطين "الصالحين"، أما السلطان سليم الثاني فقد كان مولعا بالحفلات والموسيقى والنبيذ وعندما نصحه أحد أصدقاؤه بتخفيف ذلك أجاب بأنه يعيش اليوم ولا يفكر بالغد. 

هذه عيّنة من القصص المتواترة عن السلاطين العثمانيين، وتتحدث بعض المصادر التاريخية أنه في نهاية القرن السادس عشر كان الكحول يقدم في السجون باستشارة الطبيب عند انتشار أمراض معينة، أي لا يكفي أن هذه المشروبات كانت شائعة بل كان هناك انطباع بأنها مفيدة في بعض الأحيان، كما قال زوار غربيون أنه في القرن التاسع عشر كان تقديم الكحول عند الطبقة الوسطى للضيوف الأجانب مألوفا، لأن عادة تناول الخمور في شرق المتوسط شائعة ومستمرة منذ بدايات التاريخ ولم تنقطع أبدا بين المسلمين وغير المسلمين الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان هذه المناطق، وقصص الخمر طوال حكم العثمانيين ومن سبقهم من الأيوبيين والفاطميين والعباسيين والأمويين لا يمكن إنكارها حتى في قصور الخلفاء. 

ولكن أحزاب الإسلام السياسي والكثير من المراكز الإسلامية والمؤسسات الإعلامية التابعة لحكومة حزب العدالة والتنمية مثل وكالة الأناضول تعمل الآن على محو هذا التاريخ من الذاكرة الجمعية للشعوب الإسلامية بإتباع أساليب مختلفة، أولها تهديد من يذكر التاريخ المعروف لهؤلاء السلاطين، ففي إحدى المسلسلات التركية عام 2011 تم تصوير السلطان سليمان القانوني وهو يشرب الخمر فقام محتجون أتراك بمهاجمة مقر القناة التي عرضته رافقها تقديم 75 ألف شكوى ضد المسلسل في حركة تبدو غير عفوية من غير المستبعد أن يكون وراءها تنظيمات الإسلام السياسي. 

ثم كتابة تاريخ جديد لهؤلاء السلاطين بحيث يجعلون منهم حكاما بمنتهى التقى والورع في النواحي الدينية والشجاعة في القتال والعدل في الأحكام مثل كبار الصحابة، رغم أن كتّاب هذا التاريخ المزوّر كانوا يضطرون أحيانا وعند من أجمعت كافة المصادر بما فيها العثمانية على تناوله الخمر من السلاطين على الاعتراف بأن ذلك قد حدث في فترة بسيطة من شبابه وسرعان ما أقلع عنه، أو أن إحدى محظيّاته القادمة من دول الغرب قد دفعته للخمر قصدا قبل أن يكتشف خدعتها ويتوب.  

ولكن من الصعب أن يكتب لمساعي الإسلاميين النجاح نتيجة توفر وسائل كثيرة للمعرفة في العصر الحالي خصوصا حول التاريخ العثماني الذي يعتبر حديثا نسبيا، بعكس السهولة التي تمكن فيها أسلافهم من كتابة تاريخ مقدس للدول الإسلامية الأقدم، ولأن الادعاء بأن كل ما ذكرته المراجع التاريخية عن هؤلاء السلاطين ليس سوى حملة مقصودة من الغرب لتشويه سمعة قادة هذه الدولة الإسلامية من الصعب أن تقنع الباحثين الجادين.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.