رويترز ذكرت أن اللقاح سيعرض على ترامب وبنس يوم الاثنين
ترامب خسر معركة الفوز بولاية ثانية.

للولايات المتحدة مواقف ثابتة إزاء مختلف دول العالم في دعوتها إلى بناء الدول على أساس الحرية والمسؤولية، واحترام إرادة الناخبين، والتداول السلمي للسلطة، والالتزام بحكم الدستور والقانون، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الخاصة لمن هم في موقع المسؤولية السياسية.

رغم التشويش، لا تزال الولايات المتحدة في موقعها الراسخ إزاء هذه المسائل.

بل للولايات المتحدة، بالإضافة إلى هذه المبادئ، إلزامات ذاتية أولها الموازنة العملية بين أجهزة الحكم، على مستويات الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات والإدارات المحلية، وبين المواطن كفرد وكمجموعات منتظمة أو مرتجلة، انطلاقاً من الأصل الثابت أن المواطن هو مصدر السلطة وأن أجهزة الحكم مفوّضة من جانبه لتطبيقها، وبالتالي، فإن القاعدة الراسخة هي أن ما لم يجرِ تفويضه صراحة في النص، يبقى حقاً متحققاً للمواطن. وإذا كانت هذه القاعدة توازي المبدأ الفقهي القائل "الأصل الإباحة"، فإنها تختلف عنه بأن الفقه يفترض "مبيح" هو الشارع، فيما الحق هنا هو طبيعي ذاتي وتلقائي، وإن أعيد في الوثائق التأسيسية إلى "الخالق"، بالمفهوم الربوبي الكوني.

يؤسس هذا الإلزام الأول لصيغة توازن أخرى تعتز الصورة الذاتية للولايات المتحدة بأنها قد تجسّدت بالممارسة، بين الثقة القائمة على ميثاق الشرف، انطلاقاً من افتراض حسن النية لدى كل مواطن ومسؤول، وبين اعتبارات تبديد الريبة المشروعة من خلال تسهيل المساءلة وتقرير دوريتها وتعميم الشفافية.

طبعاً، لا المبادئ العليا ولا الصورة الذاتية الناصعة مطابقة للواقع. فالحالة الإنسانية هي أن الكمال ليس سمة قابلة للتحقق، ولكن المنطق المعتمد في عمق الوعي الاجتماعي والفكري في الولايات المتحدة هو أن هذه المبادئ وهذه الصورة هي غايات عليا يسعى المواطن الفرد والوطن المجتمع إلى بلوغها، فإن لم يبلغها بالتمام، ولن يفعل، يزداد اقتراباً منها. ما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه.

إلى أمس قريب، كان بالإمكان القول بأنه ليس بوسع أي مقدار من الطعن أو التشكيك أو التهكم، من داخل البلاد ربما، وبالتأكيد من خارجها، أن يزعزع اطمئنان غالبية المواطنين في الولايات المتحدة إلى أن هذه الإلزامات هي واقع متحقق فيها، فيما هو غائبة أو منقوصة خارجها. ومن هنا الكلام عن "استثنائية" أميركية.

ثم كانت رئاسة دونالد ترامب. هو لم يجترح الشقاق الذي تعاني منه الولايات المتحدة، ولم يتجاوز الأطر التي رسمها الدستور. ولكنه تحدّى الولايات المتحدة كفكرة وكحقيقة، عمداً أو اتفاقاً.

بعد الأزمة المالية الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم عام 2008، والتي أودت بعدد من المؤسسات المصرفية وكادت أن تفتك بالقطاع بأكمله، ارتفع الاهتمام في قطاعات عدّة لإجراء "اختبار أقصى ضغط Stress Test". المعتاد أنه لكل مؤسسة عامة وخاصة في الولايات المتحدة إجراءات مرتقبة لحالات الطوارئ. ما العمل في حال وقوع كارثة طبيعية؟ ما العمل في حال التعرض لعملية إرهابية؟ ما العمل إزاء التبدل المناخي أو اهتراء البنى التحتية؟ ما العمل في حال بروز منافس غير متوقع؟

بعض هذه الإجراءات معدّة شكلياً وحسب، لإدراجها ضمن وثائق المؤسسة استيفاء لمطالب شركات التأمين أو المستثمرين أو الجهات الرسمية، فيما البعض الآخر يؤخذ على قدر أعلى من الجدية. ما استدعته الظروف بعد الأزمة المالية الكبرى هو الشروع باختبار فعلي لهذه الإجراءات، لا كل على حدة، ولكن على افتراض أن الأحوال السيئة قد تجتمع وتتضافر. المطلوب كان بالتالي التأكد من أن المؤسسة المعنية قادرة على البقاء والعمل حتى في الحالات القصوى عند تراكم النوازل الطارئة، والعمل على تشخيص مواطن الضعف وتصحيحها، تجنباً للانهيار.

يمكن وصف شخص دونالد ترامب وعهدته الرئاسية بصفات ونعوت مختلفة تتراوح وفق من يقدم عليها من الثناء والإطراء، بالإفراط المدهش أحياناً، إلى الذم والقدح بأداء الرجل وشخصيته، بحميمية تكاد أن تكون مقزّزة. غير أنه قد يكون من المفيد اعتبار مرحلة دونالد ترامب "اختبار ضغط أقصى" للولايات المتحدة برمّتها، دستوراً ونظاماً سياسياً وانتخابياً، ومجتمعاً وفكراً وسمعة.

فكما في اختبارات الضغط الأقصى، وخلافاً لما قد يجري في الأحوال الاعتيادية، فإن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة مع ترامب تتجاوز الراجح لتشمل حدود الممكن. أي أن الراجح قد يكون مثلاً أن يقدم سياسي ما على تجاوز ما في مرحلة ما. أما مع ترامب، فالتجاوزات تلامس حد كل ما يخطر على بال، وفي كل الأحوال. والمعتاد أنه قد يصدر عن سياسي ما كلام ما يجانب الصدق أو الدقة أو التعقل. أما مع ترامب، فهو السيل الجارف.

إذا كان ثمة رغبة لاجتراح "اختبار ضغط أقصى" للولايات المتحدة، فإنه قد لا يزيد عن هذا التصور:

ماذا لو فاز بالرئاسة رجل كذّاب شتّام، يفتقد الاطلاع والاتزان والأخلاق، يتبجح بأنه عبقري غني عن رأي أي خبير، بل يذّم الخبراء ويستهزئ بهم، وفاز حزبه بمجلسي الشيوخ والنواب، وقدّر له أن يعّين من شاء من القضاة وأن يبدّل تركيبة المحكمة العليا، ثم كان على قدر من الجاذبية تضمن أن يسلك المجاذيب له ما يطلبه منهم، وإن خالف مصلحتهم، وإن فرّط بحياتهم، ثمّ أن عيّن من شاء من أقربائه وأصدقائه حيثما شاء وكيفما شاء، وعفا عن جرائم من شاء، واستعدى الخصوم السياسيين وشيطنهم، وطعن بالحلفاء والأصدقاء إذا استطاب له الأمر، وتقرّب من الطغاة ساعة حلا له المذاق، وكان له من المطبّلين من يضربوا الطبول إلى ما يقارب خرقها كلما التفت إليهم، أو حتى دون أن يلتفت. وماذا لو أصاب البلاد في عهده من الكوارث ما لم يكن بالحسبان، وباء، أزمة اقتصادية، أزمة عرقية؟ ثم ماذا لو أراد هذا الرئيس أن يبقى في الحكم شاء من شاء وأبى من أبى. هل للولايات المتحدة حياة بعد هكذا تصور خيالي؟

الصلاحيات المتاحة للرئيس وفق دستور الولايات المتحدة واسعة عريضة عميقة، الهدف منها ألا يكون الرئيس مكبلاً في أداء واجبه. النظام السياسي قائم على استقلالية السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والتوازن بينها، ولكنه يمنح السلطة التنفيذية قدراً من الأرجحية منعاً للجمود. كل هذا يفترض الكفاءة والعدالة والفضيلة في شخص الرئيس، والحكم على هذه الصفات هو بيد المواطن الناخب. مواثيق شرف، بين الرئيس والمواطن، الدولة والمواطن، بين المواطن والدولة، بين المواطن والمواطن.

اختبار الضغط الأقصى والذي شهدته الولايات المتحدة لم يكن لأن المواطن الناخب قد أساء الاختيار يوم فاز دونالد ترامب، إذ أن أكثرية الناخبين، بما يتجاوز ثلاثة ملايين، قد رغبوا عنه. بل اختبار الضغط كان بأن هذه البنية السياسية المتشكلة على مدى ربع الألفية من الأعوام، وعلى أساس السوابق والأعراف المكملة للنص الدستوري، تشتمل على العديد من الفجوات، ومنها مثلاً إمكانية وصول من لم يحقق الأكثرية الشعبية إلى سدة الرئاسة. حصل الأمر المرّة السابقة عام 2000 مع جورج دبليو بوش، وشاءت الظروف أن تكون مرحلة حكمه حرجة جداً، نتيجة الاعتداء الإرهابي وما تلاه من حروب. إلا أن بوش قد تمكن من إرضاء الجمهور الناخب، ففاز بالأكثرية الشعبية عام 2004 وجدد عهدته.

تكرر الأمر، فوز الحاصل على أقلية في مجموع الأصوات، مع دونالد ترامب عام 2016. ومن هذا المدخل، وبتصيّد مستمر للفجوات في النظام السياسي، كانت رئاسة ترامب على ما فيها من الاستهتار والفوضى والطعون، بما يبطل ما قد يسجّل للرجل وطاقمه من إداء اعتيادي مقبول في أمور عدّة، وإن جرى نفخه وتعظيمه بما لا يتناسب مع حجم فضله فيه.

اختبار الضغط الأقصى هو أن دونالد ترامب تصرّف كمن يريد مطلق الاستثمار لموقعه، وكامل الإخضاع للمؤسسات لرغبته. هذا ما يفيده الاستقراء. هل كان للرجل نوايا طيبة خلف هذا المسعى؟ لا فارق ولا اعتبار، ولا جدوى من الاعتذار، فالعبرة بالتنفيذ، لا بالزعم. هل المؤسسات العامة والبنى السياسية "تستحق" الإطاحة، والرجل الخلوق يسعى وحسب لتحقيق هذه الرؤية المنتجة؟ ربما، والأرجح لا، ولكن كذلك لا فارق. دونالد ترامب، لأغراض تبدو أنانية ضيقة وأن زعم من زعم لها العلوية والرقي خلاف ذلك، على هشاشة هذا الزعم. دونالد ترامب، من حيث لا يشاء، وضع الولايات المتحدة أمام اختبار الضغط الأقصى.

والولايات المتحدة قد نجحت في هذا الاختبار يوم جرّدت حزب دونالد ترامب من مجلس النواب قبل عامين، ويوم أذّنت بطرد دونالد ترامب من البيت الأبيض قبل أسابيع.

هذا هو "الدرس" الذي لا بد لمن يشمت ويتهكم ويتشفى من خارج هذا المجتمع أن يفهمه. الولايات المتحدة تبقى حيث كانت في موقع مطالبة العالم بأن يسعى إلى تجسيد الحرية وتحقيق الإخاء والعدالة، من موقع من اختبر، ونجح في الاختبار.

لم ينتهِ دونالد ترامب، ولم تنتهِ الاختبارات، وبعد الاختبار الذي أكّد غلبة وجهة النظر الرافضة لما يتلاقى في تجربة ترامب، المتوقع أن تأتي اختبارات ومحن أخرى. ودونالد ترامب ومن تمكن من تعبئته لن يكون بعيداً عنها.

بل بعض التحديات الآنية قد تظهر في الأسابيع القليلة المتبقية من رئاسته. هل يلجأ دونالد ترامب إلى استغلال ثغرات في النصوص وتفسيرات مرجوحة من أجل إقحام مؤسسات أخرى في مسعاه المستميت للتشبث بكرسي الرئاسة؟ الكتلة الجمهورية في مجلس النواب؟ القوات المسلحة؟ ربما قد يفعل. ولكن حظوظه هنا، كما كان أداؤه فيما سبق، لن تأتي بما يرضيه.

هذا مجتمع حي، بنظام لا يصل إلى حد الكمال، كما كل الأنظمة على وجه الأرض مهما ادعت من أصول غيبية، وهو قادر على استيعاب ظاهرة دونالد ترامب وما تكشف هذه الظاهرة عنه من أزمات اجتماعية وسياسية وفكرية. ترامب وجمهوره منها وفيها، ولكنه لا يختزلها، وإن ساءه ذلك، وإن ساء الشامتين ذلك. والأزمة محرك الحضارة.
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.