جمال عبد الناصر في الصف الثاني يصلي بصحبة أعضاء في الإخوان المسلمين في الخمسينيات
عبد الناصر يصلي بصحبة أعضاء في الإخوان المسلمين في الخمسينيات قبل اندلاع الخلاف بين الطرفين.

أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في الحادي عشر من الشهر الماضي بيانا اعتبرت فيه جماعة الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية لا تمثل نهج الإسلام" ووصفتها بالجماعة المنحرفة، التي "تخرج على الحكام وتثير الفتن وتتستر بالدين وتمارس العنف والإرهاب" من أجل خدمة "أهدافها الحزبية المخالفة لتعاليم الدين".

فور صدور بيان هيئة العلماء قام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بإصدار بيان ينفي تهمة الإرهاب عن جماعة الإخوان المسلمين ويصفها بأنها "زور ومنكر"، ويتهم هيئة العلماء بأنها باتت خادم مطيع للحكام، مخاطبا أعضاء الهيئة بالقول: "أعطيتم صورة سيئة لعلماء السلاطين على مر التاريخ.. قد سننتم سنة سيئة غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي، وهي سنة الطاعة العمياء المطلقة للحاكم، وبصورة جماعية من كبار العلماء".

قبل الخوض في مناقشة القضية من مختلف جوانبها يجدر بنا الإشارة إلى أن النظرة الدينية قد تسيدت المشهد الحضاري الإسلامي منذ مئات السنين وتوحدت مع السلطة لأن من مصلحة الأخيرة دائما تغييب عقل القاعدة الجماهيرية العريضة حتى يسهل عليها تسيسها، واستمر تحالفها مع السلطة السياسية لأنه لا بد لكل سلطة من مشروعية، وفي المنطقة العربية والإسلامية ترجع المشروعية للدين.

ولعلنا حاليا نرى أن السلطات السياسية في العالم العربي توحد بينها وبين المؤسسات الدينية الرسمية علاقة تبادل منافع، فالسلطة السياسية تغدق على المؤسسات الدينية العطايا والمناصب وتعطيها بعض النفوذ وبالمقابل يمنح أعضاء المؤسسة الدينية الرسمية الشرعية لتلك السلطات السياسية.

ولا يقتصر أمر ممالأة الحكام على المؤسسة الرسمية بل يشمل الجماعات الدينية والأذرع التي تخدمها مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهو مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقد قام بتأسيسه الشيخ يوسف القرضاوي عام 2004 وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالمغربي أحمد الريسوني.

في بيانه الموجه لهيئة العلماء، قال الاتحاد العالمي: يعلم الجميع أن هجمتكم الأخيرة ضد جماعة الإخوان المسلمين، هي قرار سياسي محض، أُملي عليكم أو على أحد منكم، وأنه لا علاقة له بدين ولا خلق ولا مبدأ". وهذه حقيقة لا تخفى على كل متابع للعلاقة بين السعودية والإخوان، حيث بدأت العلاقة بين الطرفين بالود والاحتضان والتناغم كشأن أي ارتباط بين حكومة ومؤسسة دينية تخدم مصالحها ولكنها ساءت بعد أن تحولت لتنافس محتدم من أجل النفوذ.   

الخلاف بين الطرفين لا علاقة له بالدين، ولكنه مرتبط بالتنافس على زعامة المنطقة، حيث بدأ مع تفجر ثورات الربيع العربي التي أنذرت بإمكانية وصول الإخوان لسدة الحكم في عدد من الدول، وهو الأمر الذي يشكل تهديدا جديا للنظام الحاكم في المملكة السعودية، وإذا كان هذا الأمر مفهوما إلا أنه من غير المفهوم أن يتباكى الاتحاد العالمي على القرارات السياسية المتدثرة بعباءة الدين بينما ينسى أو يتناسى تاريخ الإخوان في هذا الخصوص!

استنكر الاتحاد العالمي وصف هيئة العلماء للإخوان بأنهم "جماعة منحرفة وإرهابية متطرفة عاثت في البلاد والعباد فسادا، وأنها لا تمثل منهج الإسلام"، وقال إن ذلك الوصف يؤكد "على منهج التكفير والتبديع، الذي هو منهج الخوارج والدواعش".

المفارقة الحقيقية تكمن في أنه أبان "شهر العسل" بين الإخوان والمملكة صدرت فتوى بتكفير الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أبرزتها صحيفة "عكاظ" السعودية في عددها رقم 102 الصادر بتاريخ 18 ذو الحجة 1381 (23 أيار/مايو 1962)، بمانشيت عريض يعلن أن "جمال عبد الناصر كافر بإجماع الأمة"، وأردفت بالقول: "علماء مصر يفتون بكفر عبد الناصر.. جمال عبد الناصر كافر بنص القرآن والسنة واجماع الفقهاء والأئمة"، واعتبرت أن قتال عبد الناصر "فرض على كل مسلم ومسلمة"!

من الجلي أن الفتوى أعلاه والتي شارك في إصدارها قيادات من الإخوان المسلمين تحت مسمى "علماء مصر"، صدرت لخدمة المصالح السياسية للمملكة السعودية وليس لخدمة الدين، ومع ذلك لم يخرج الإخوان ليقولوا إن "منهج التكفير هو منهج الخوارج" كما قال الاتحاد العالمي في رده على هيئة العلماء، وهو الأمر الذي يعكس ازدواجية المعايير التي تستخدمها جماعة الإخوان وأذرعها الدينية!

في ذلك الوقت كانت الحرب الباردة تسود العلاقات الدولية، وقد وقفت مصر والمملكة السعودية على طرفي نقيض، الأولى تبنت النهج الاشتراكي واستنصرت بالاتحاد السوفيتي بينما اختارت الثانية النهج الرأسمالي ووقفت إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب، ومن ثم بدأ صراع النفوذ للسيطرة على العالم العربي واستخدم كل طرف أدواته للتوسل لشعوب المنطقة وكالعادة تم إلباس الخلاف السياسي ونزاع المصالح لبوس الدين من أجل كسب الشرعية، وقد كان الإخوان الداعمين الرئيسيين للمملكة في هذه المعركة.

ومع وضوح الطبيعة السياسية للصراع الذي دخلت فيه الجماعة ضد جمال عبد الناصر، إلا أن الإخوان كانوا هم الطرف الذي سعى لتزييف حقيقة ذلك الخلاف وتصويره وكأنه نزاع بين معسكري "الكفر والإيمان"، ولم يتورعوا عن رمي عبد الناصر بمعاداة الدين وكراهية الأحكام الإسلامية حتى وهو بين يدي الله، وهو الأمر الذي صرح به المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين، محمود غزلان، عام 2013، عندما قال: "أزمة عبدالناصر مع الجماعة تتلخص في أنه كان يكره الدين وكل من يطالب بحكم الشريعة"!

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.