الدراسة هي الأولى من نوعها التي تبحث بتأثير فيروس كورونا على العين تحديدا.
.

الاحتفاء باليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف في العاشر من ديسمبر من كل عام كان مختلفاً هذه السنة، فالتذكير بالطغاة والدكتاتوريات التي تستبيح حقوق الناس على امتداد الكرة الأرضية انحسر، وتمجيد المنافحين عن حقوق الإنسان والحريات العامة تراجع خطوة للوراء، ففي هذا العام فإن الكارثة أعم وطالت كل الحقوق بسبب جائحة كورونا.

عنوان اليوم العالمي لحقوق الإنسان "إعادة البناء بشكل أفضل - قوموا ودافعوا عن حقوق الإنسان" جاء معبرا ومنسجما مع واقع الحال الذي اكتوت به دول العالم كافة، ديمقراطية كانت أم دكتاتورية.

بيان المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة ميشيل باشيليت يضيء على الواقع ويشي بحجم المأساة التي تعرضت وما زالت تعيشها المجتمعات، وهي تختزل الأزمة بقولها "سيبقى العام 2020 محفورا بذاكرتنا إلى الأبد فهو عام مروع ورهيب ترك ندوبا عميقة في نفوس الكثير منا".

وتكشف بكلماتها عن الواقع الصعب "لم يُلقِ 2020 بظلاله الوخيمة على جميع المناطق وجميع البلدان تقريباً، بل أيضا المجموعة الكاملة لحقوق الإنسان التي نتمتع بها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، أم ثقافية ومدنية وسياسية، فاستغل كوفيد-19 انقسامات مجتمعاتنا وهشاشتها، وفضح فشلنا في الاستثمار ببناء مجتمعات عادلة ومُنصفة".

باشيليت تتحدث عن منظومة الخراب التي أظهرتها جائحة كورونا حين تعلق أن اللقاحات الطبية ستنقذ الناس من الموت، ولكنها لن تمنع الخراب الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك فإن العالم لا يملك لقاح ضد الجوع والفقر وعدم المساواة.

الوصفة والعلاج حسب المسؤولة الأممية في لقاح اسمه حقوق الإنسان قام المجتمع الإنساني بتطويره عقب الأزمات والحروب. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لا يُذيع سرا حين يختصر الحل بالقول "جميعنا بالمركب نفسه وعلينا أن نخوض المعركة معا".

منذ بدء جائحة كورونا في الصين أواخر العام المنصرم، فإن الأزمات تتناسل وعنوانها الرئيسي حماية الصحة والسلامة العامة، وتباينت المعالجات الدولية لأزمة هذا الوباء الذي أصاب أكثر من 72 مليون إنسان، وأودى بحياة ما يزيد عن المليون و600 ألف شخص حتى الآن، والأرقام قابلة للتزايد حتى تنتصر البشرية؛ فيخضع الناس للتحصين عبر لقاحات بدأت الدول تتسابق على حيازتها والحصول عليها لتطعيم سكانها، ودرء الخطر الذي يهددها.

وباء كورونا لم يُهدد الصحة العامة فحسب، وإنما عصف وأهدر الكثير من الحقوق والحريات الشخصية المصانة حتى في أعتى الديمقراطيات، واستخدم واستغل في الكثير من الدول لفرض قيود متزايدة، وانتهاك حقوق كانت محمية ومُصانة.

كثير من البديهيات التي لم تكن تخضع للجدال أصبحت قابلة للبحث، فحرية التنقل قُيدت، وإجراءات الإغلاق وحظر التنقل أصبحت سائدة حتى دون تبرير، والحدود أغلقت في وجه المسافرين، والتطبيقات الإلكترونية لتعقب المصابين وكشفهم صارت إلزامية دون التفات لمخاطر خرق خصوصية الناس، والحق في التعليم بات موضع سؤال بعد أن ساد التعليم عن بعد في ظل فجوة بين الأغنياء والفقراء.

إذن كان فيروس كورونا القشة التي قصمت الكثير من الحقوق الإنسانية، وزاد الطين بلة استخدامه من قبل أنظمة ديكتاتورية للانتقام من المعارضين السياسيين، وخنق حرية التعبير والتجمع السلمي، واعتبرته أجهزة الأمن والمخابرات تفويضا لاستخدام القوة المُفرطة والقاتلة ليس لتصفية الناشطين الحقوقيين فقط، بل لفرض أوامر العزل وحظر التجول.

تعالت صراخات المنظمات الحقوقية للتذكير أن حقوق الإنسان ليست قابلة للتفريط لمواجهة الوباء، وأن فرض تدابير استثنائية وأحكام الطوارئ في الدول يتطلب معايير لا يمكن القفز عنها أو تجاهلها، أهمها أن تتسم الإجراءات المُتخذة بسياق قانوني وشرعي، وأن تستند إلى أدلة علمية تثبت ضرورتها، وأن تكون متناسبة ولا تميزية، ومحددة في إطار زمني، وقابلة للمراجعة، وأن تحترم الكرامة الإنسانية.

لم تلتفت الكثير من الدول لهذه المعايير الحقوقية واتخذت إجراءات موجعة عصفت بحقوق إنسانية لصيقة؛ فالانتهاكات التي رُصدت يصعب توثيقها، وتصيب بمقتل حقوقا لم يُقترب منها من قبل؛ فتقرير الأمم المتحدة للمهاجرين واللاجئين والنازحين أشار إلى أن 131 دولة أغلقت حدودها، وأن 30 دولة لم تسمح بإعفاءات لطالبي اللجوء، وهذا غيض من فيض.

في التعليم، فإن تقارير الأمم المتحدة تكشف عن تضرر 1.6 بليون من طالبي العلم في 190 دولة، وأن 94 بالمئة من الطلاب والطالبات تأثروا بإغلاق المدارس.

وتُقدم الأرقام صورة مُفجعة فالمؤشرات تقول إن نحو 24 مليون طفل وشاب قد لا يتمكنون من الالتحاق بالمدارس بسبب التداعيات الاقتصادية، وتزايد معدلات الفقر، وتسربهم لسوق العمل؛ ولهذا تداعت اليونيسكو لحث دول العالم إلى تشكيل التحالف العالمي من أجل التعليم.

أكثر ما يُشير إلى قتامة الصورة وغياب العدالة أن 86 بالمئة من الأطفال في البلدان ذات المستويات المتدنية في التنمية البشرية كانوا خارج المدارس، في حين تقل هذه النسبة لتصل إلى 20 بالمئة في البلدان ذات المستويات العالية جدا في التنمية البشرية.

الفئات الأكثر هشاشة وعرضة للخطر كانوا أكثر الضحايا، فمعدلات العنف الأسري تزايدت بشكل غير مسبوق، ففي ذكرى اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة والذي يصادف في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر نشرت تقارير عن أن الحجر المنزلي زاد من شكاوى العنف الأسري، وأعلن تقرير لمنظمة الصحة العالمية تحت عنوان "كوفيد-19 والعنف ضد المرأة في إقليم شرق المتوسط" أنه أحتل المرتبة الثانية بالعنف ضد النساء بـ 37 بالمئة، وأن حالات العنف ضد المرأة تزايدت بين 50 بالمئة إلى 60 بالمئة بناء على مكالمات الاستغاثة على الخطوط الساخنة لمنظمات المرأة.

وقع فيروس كورونا على النساء أكثر إيلاماً، فهن في الواقع العربي - مثالاً- اضطررن للانسحاب من سوق العمل إما للبقاء مع أطفالهن في البيوت بعد توقف المدارس، أو للاستغناء عنهن بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الأعمال.

المؤكد أن الجائحة كرست الواقع الصعب الذي تعيش وتتعرض له الفئات المهمشة، فالأرقام الدولية تتوقع أن مليار شخص من ذوي الإعاقة في العالم سيجدون صعوبة في الوصول للتعليم، والصحة، وسبل العيش الكريم، والبنك الدولي يُبشرنا بانكماش النمو الاقتصادي نحو 5 إلى 8 بالمئة جراء الجائحة، وإلى ارتفاع معدلات الفقر لأول مرة منذ 20 عاماً.

تعرضت حقوق الإنسان بمفهومها العام لانتكاسة وضربة قاسية عام 2020، ولم تعد الأنظار شاخصة لإنقاذ حياة أشخاص يواجهون عقوبة الإعدام هنا أو هناك، أو مناضلين يدافعون عن الديمقراطية يقبعون خلف جدران السجون، بل عمت الانتهاكات لتضرب وتد حقوق أساسية كالحق في الحياة، والصحة، والتعليم، وأصبح الأمل بالنجاة معلق على نجاح اللقاحات في حماية أرواح الناس.

منظمة الصحة العالمية أطلقت في مسعى لتحقيق العدالة "برنامج كوفاكس" لإتاحة اللقاح لجميع البلدان، وتوزيع الجرعات بشكل عادل بدءا من الفئات الأكثر عرضة للخطر، ولكن المخاوف حاضرة، فشركة فايزر باعت 80 بالمئة من اللقاحات التي يمكن توفيرها حتى نهاية هذا العام لحكومات دول تمثل 14 بالمئة من سكان العالم.

تقول الأمم المتحدة في أدبياتها الاحتفائية "لقد ذكرتنا الجائحة بحقيقة بسيطة، وهي أن العالم الذي يحترم حقوق الإنسان بشكل كامل، هو عالم أكثر استعداداً لمواجهة الأزمات والتعافي منها".

حقيقة مرة جدا، فيروس لا يُرى بالعين المجردة، وليست جيوشا أو أسلحة نووية فتاكة نشر الفوضى والخراب في العالم، وقوّض حقوق الإنسان عامة، فاستذكرنا بغصة أغنية أم كلثوم "كان صرحا من خيالا فهوى".

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.