ملفا تركيا وإيران سيحضران مبكرا في رئاسة بايدن نظرا لعمق الأزمة اليوم بين واشنطن
ملفا تركيا وإيران سيحضران مبكرا في رئاسة بايدن نظرا لعمق الأزمة اليوم بين واشنطن

 الشرق الأوسط سيكون ثالث أو حتى رابع الأولويات الخارجية للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، بعد الحد من نفوذ الصين، رص التحالف الأوروبي والتعاطي مع روسيا، إلا أن أفق المفاوضات مع كل من تركيا وإيران يلوح على أجندة البيت الأبيض في ملفات المنطقة.

ملفا تركيا وإيران سيحضران مبكرا في رئاسة بايدن نظرا لعمق الأزمة اليوم بين واشنطن وكل من أنقرة وطهران. فلا الملف النووي الإيراني يحتمل دفع الكرة والمماطلة لعام آخر، قد تتمكن خلاله طهران من تطوير السلاح النووي، ولا التراجع الحاصل في العلاقة التركية-الأميركية يحتمل الانهيار بشكل سيرتد عكسيا على مصالح البلدين.

الأرجح أن بايدن سيبدأ مخاضه الإقليمي بمفاوضات إيران

في الملف الإيراني الاحتمال الأسهل أمام بايدن هو العودة إلى اتفاق 2015 في حال التزمت طهران ورفعت واشنطن عقوبات عنها. إنما هذه التركيبة تعترضها اليوم متغيرات إقليمية، وموقف الكونغرس، وحتى موقف دول أوروبية مثل ألمانيا التي تريد ملف الصواريخ الباليستية على طاولة المفاوضات. 

هناك حديث أيضا عن مشاركة دول عربية في هذه المفاوضات مع إيران مثل السعودية والإمارات، واستشارة بايدن للكونغرس لتفادي تكرار سيناريو 2018 حينما انسحب رئيس أميركي من اتفاق وقعه سلفه.

الأرجح أن بايدن سيبدأ مخاضه الإقليمي بمفاوضات إيران، بعدما حشد شخصيات قادت المفاوضات السرية مع إيران في إدارته مثل مستشار الأمن القومي الجديد جايك سليفان ووزير الخارجية أنتوني بلينكن. 

سليفان شارك في القناة السرية مع إيران في سلطنة عمان في 2011، وبلينكن خاض مع وزير الخارجية السابق جون كيري غمار المفاوضات النووية. 

تباعد أميركي - تركي غير مسبوق سيكون على بايدن إعادة ترتيبه لتفادي انفجار في العلاقة

السؤال اليوم هو إذا ما كانت ستقبل إيران بمناقشة الصواريخ الباليستية، وهو ما كانت رفضته في 2015. إلا أن واقعها الجيوسياسي والاقتصادي، وحتى علاقتها مع الأوروبيين في تردي اليوم بشكل يقلص خياراتها. 

طبعا بإمكان إيران تطوير سلاح نووي، إنما هذا لن يحسن موقعها الاقتصادي وعزلتها الإقليمية. التفاوض بشأن السلاح النووي، وليس امتلاكه، هو ورقة رابحة لدى النظام الإيراني، وهو قادر من خلالها على جذب انتباه الغرب.

بالنظر إلى تركيا، فالعقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة بداية الأسبوع هي آخر مؤشرات الأزمة المشتعلة بين الجانبين. فلا صداقة دونالد ترامب ورجب طيب إردوغان أوقفت العقوبات، ولا التضارب الحاصل في شعبة ملفات إقليمية له حل قريب. 

فمن نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 إلى نفط شرق المتوسط إلى الشمال السوري وإقليم ناغورنو قره باغ، هناك تباعد أميركي - تركي غير مسبوق، سيكون على بايدن إعادة ترتيبه لتفادي انفجار في العلاقة.

على عكس ترامب الذي تلقى اتصال إردوغان بعد يوم من فوزه في انتخابات 9 نوفمبر 2016، فإن الرئيس التركي لم يتحدث لبايدن، حتى بعد مرور شهر ونصف على الفوز. 

هذا يضع أنقره أمام واقع وأسلوب أميركي جديد، لن تنفع فيه كلمات إردوغان المتملقة ولهجته التي تتبدل مع تبدل اسم سيد البيت الأبيض من جورج بوش إلى باراك أوباما إلى ترامب إلى بايدن. 

فمع بوش تبنى إردوغان الديمقراطية، ومع أوباما أضحى رجل الربيع العربي والتغيير، ومع ترامب تحول لتاجر في بازار سياسي، ومع بايدن يحاول أن يبدو بصورة الإصلاحي.

النبرة التركية المتبدلة لن تنفع هذه المرة، وسيكون على إردوغان تقديم تنازل جدي لبايدن في ملفات حاسمة، أهمها منظومة الدفاع الروسية وأمن حلف الشمال الأطلسي، قبل أي حديث عن رفع العقوبات عنها. 

من دون ذلك، سيكبل الكونغرس أيدي بايدن، بينما تتزايد خصوم أنقرة في واشنطن من اللوبي الأرمني إلى اليوناني إلى الإسرائيلي والعربي أمام توسع إردوغان.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.