10 سنوات مرت على انطلاق ثورات "الربيع العربي"
10 سنوات مرت على انطلاق ثورات "الربيع العربي"

مع انتهاء هذا العام، يكون قد انقضى عقد كامل على ما بات يعرف بانطلاق "ثورات الربيع العربي". خلال هذا العقد لم نشهد فقط ثورات وحروبا أهلية وانقسامات، وإنما شهدنا أيضا تبدلات وتحالفات سياسية جديدة، غيرت أو تكاد من المشهد العام في المنطقة بأسرها. ولا ريب أن السؤال الأهم هو هل أصبحت المنطقة اليوم أفضل أم أسوء نتيجة لما حدث؟ 

هذا السؤال رغم مباشرته، ستكون الإجابة عليه بالنفي أو الإيجاب مجحفة، لأنها سوف تسقط الكثير من التفاصيل التي وإن تفاوتت أهميتها من بلد عربي إلى آخر، إلا أنها تظل مهمة بالنسبة لمن يعنيه أمرها. كما أنها تشكل جزءا من المشهد العربي العام، الذي لا يكتمل من دون هذه الأجزاء. لذلك فإني لن أحاول هنا الإجابة على السؤال أعلاه، وبدلا من ذلك سوف أوجه دفة الحديث نحو محاولة فهم ما حدث وما هو مغزاه.

هل كانت ثورات الربيع العربي من أجل الديمقراطية؟

حين ينظر أي مراقب من الخارج لما جرى عام 2011 وما تلاه، بما في ذلك الشعارات التي رفعها المتظاهرون في أكثر من بلد عربي وطبيعة القوى الناشطة على الأرض، ربما يخرج بانطباع وهمي بأن المحرك خلف ذلك لا بد أن يكون هو السعي نحو تحقيق قدر أكبر من المشاركة السياسية وضمان إجراء انتخابات نزيهة وأكثر تمثيلا وإطلاق الحريات العامة وإقامة أنظمة حكم غير مستبدة.. الخ. 

لكن نفس المراقب سوف يفاجأ لدى الاقتراب، بأن هذه الثورات لم تكن بالضرورة تعبيرا عن غياب الديمقراطية وأن شعار "إسقاط النظام" قد لا يعني أن الهدف هو استبدال ذاك النظام بآخر من نوعية مختلفة. يمكن القول بإنصاف أنه في الكثير من الأحيان لم يكن واضحا شكل أو طبيعة النظام الذي يتطلع إليه المتظاهرون.  

ومع الاقتراب أكثر، سوف نلاحظ أن تلك الثورات لم تكن في حقيقتها أكثر من هبات عفوية غاضبة، أشعلتها عوامل بعضها آني، وبعضها تراكم عبر الزمن، اقتصادي وسياسي واجتماعي ونفسي.. الخ، وأن الجميع قد تفاجأ من حجم الحراك في الشارع.

هل كانت هذه الثورات من أجل التغيير فقط؟

المرحلة العفوية استمرت بعض الوقت، لكن سرعان ما دخلنا في المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي جرى فيها تسييس وتوجيه "ثورات الربيع العربي". فما أن بدا أن هذه الثورات قد اكتسبت بعض الزخم وأظهرت قابلية للاستمرار والتوسع، حتى سيطرت عليها تدريجيا القوى المختلفة وخاصة جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين. 

ومع الوقت تحولت إلى تصفية حسابات مع النظام القديم، سواء كانت حسابات سياسية أو أيديولوجية أو طائفية أو قبلية أو قومية أو ما شابه. 

في هذه المرحلة خرجت أو أخرجت الحزازيات القديمة والمسائل التي لم تحسم عبر الزمن (من طائفية وقبلية ودينية وتوزيع اقتصادي.. الخ) من اللاوعي إلى أرض الواقع، وباتت هي الشعار الذي يحفز المشاركين في الثورات على الاستمرار، ويقدم لهم المبرر النظري والأخلاقي للمضي قدما.  

لكن كان واضحا بصورة جلية أن هذه الثورات في غالبيتها، على الأقل، لم تكن تهدف إلى إقامة أنظمة حكم ديمقراطية أو ما شابه. بل سيكون من التعسف أن ينظر لها على هذا النحو.   

هل كانت مدفوعة من الخارج أم صناعة محلية؟

حاولت الأطراف المتضررة ووسائل إعلامها، أن تربط بين تلك الثورات وبين جهات خارجية معينة، سواء كانت الولايات المتحدة والغرب عموما أو دول معادية. لكن الواقع أن هذه الثورات لم تفاجئ فقط الحكومات المحلية، وإنما فاجأت أيضا الغرب نفسه. والدليل على ذلك أن ردود فعله عليها، اتسمت في البداية ما بين التردد والتخبط. ولم تكن هناك سياسة موحدة تجاهها. 

أما الاتهامات الموجهة للخارج فهي ليست أمرا جديدا في البيئة السياسية العربية، بل يمكن القول إنها السلاح الأكثر تجريبا، والأسهل تناولا والأكثر تأثيرا، للرد على ما يحدث محليا.  

وما يمكن قوله اليوم بعد مرور عشر سنوات، أن "ثورات الربيع العربي" كانت بمثابة صرخة مجتمعية، ناجمة عن التململ وانسداد الأفق أمام أجيال عربية فقدت الأمل في التغيير. وهي وإن لم تقض على النظام السياسي العربي فقد أثخنت فيه الجراح، والأهم أنها بعثت بإشارة مهمة بضرورة التغيير. وإذا لم تنجح الحكومات والقوى المجتمعية المختلفة في التقاط الإشارة والعمل على تهيئة المناخات للتغيير الإيجابي المتوافق مع روح العصر والدولة المدنية الحديثة، فثمة قوى أخرى لن تتورع عن جر هذه البلدان إلى المزيد من الفوضى وإعادتها إلى العصور المظلمة.  

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.