ترامب يدرك ويحترم هذا الدستور والقوانين أولاً وآخراً حتى وإن ناور أو جرب أن ينجح هنا أو هناك
ترامب يدرك ويحترم هذا الدستور والقوانين أولاً وآخراً حتى وإن ناور أو جرب أن ينجح هنا أو هناك

"إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل، فضع السلطة في يديه ثم انظر كيف يتصرف".

أتذكر هذه المقولة للفيلسوف الفرنسي "مونتيسكيو"، صاحب أهم النظريات التي أثرت مبادئها في دستور الولايات المتحدة وعدد من دساتير العالم الديمقراطي وإعلان حقوق الإنسان، وأنا أستمع لأحد الأصدقاء يشرح لي بقهر كبير قصة ابتكاره لأحد المشاريع ورئاسته لإدارة فريقه، ومن ثم  اضطراره للتخلي عن منصبه لأسباب قاهرة، وما أصابه من انكسار معنوي جراء تبدل التعامل معه لاحقاً، والنظر إليه باستخفاف كمدير سابق من قبل فريق شكّل هيكليته بنفسه.

لم يُدفع هذ السيد لتسليم سلطته قسراً لتقصير منه أو عدم كفاءته، بل أقدم على خطوته هذه طواعية وبكامل إرادته، وبدافع أخلاقي رفيع من أجل الخير العام واستمرار المشروع، ورغم بساطته كمثال يتكرر بتمظهرات مختلفة للسلطات في الحياة اليومية، إلا أنه يعيد تأكيد المؤكد حول مفهوم السلطة، وما تعنيه لصاحبها، ولماذا تتشبث بها الأغلبية بكل ما أوتيت من قوة وجبروت، وترفض التنازل عنها حتى لو خربت المعمورة.

باختصار، لأن فقدان السلطة يعني فقدان المهابة العامة والشخصية، وهو ثمنٌ مريرٌ للغاية، يدرك من يواجه تحديات أو اختباراً في استحقاق سلطته، أنه سيدفعه حتماً، وسيدفع ثمن تبعاته النفسية والمعنوية إلى أجل غير محدد.

ويمكن هنا الإسقاط على ما تشهده الولايات المتحدة منذ ما يقارب شهرين من الزمن، من أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية عامة غير مستقرة تماماً، جراء رفض الرئيس دونالد ترامب تقبل حقيقة خسارته في الانتخابات لصالح الرئيس جوزيف بايدن.

السلوك الذي اتبعه الرئيس ترامب منذ بدء الحملتين الانتخابيتين وماسبقهما، وتغريداته التي لا تتوقف حول ادّعاء تزوير الانتخابات، والدعاوى القانونية المتتالية في المحاكم الأميركية في السياق، واستعراض العضلات عبر إنزال أتباعه ومؤيديه إلى الشوارع مدججين بصوره والأسلحة المرخصة لتأكيد مهابته، لن تغير في الحقيقة أن الرئيس بايدن قد فاز وانتهى الأمر.  

لكن الرئيس ترامب لن يتقبل هذه الحقيقة الجارحة ببساطة أو يقر بالهزيمة بهدوء، حيث ترتبط هذه السلوكيات ارتباطاً وثيقاً بطبيعة شخصيته القوية والسلطوية أساساً، وهي شخصية تعاند وتحارب حتى آخر نفس،  حال أي اهتزاز لسلطاتها.

وسلطة الرئيس ترامب ليست أية سلطة عادية، إنه رئيس أعظم دولة في العالم، وخسارته لهذا المنصب السامي، تعني خسارة هيبته الكونية العظمى، وهي هيبة تزيغ البصر وتخطف الفؤاد حقاً، سيجرب الاحتفاظ بشيء منها بتمظهر آخر، بصفته مليارديراً وصاحب سطوة وسلطة اقتصادية سابقة ولاحقة، لكنه يدرك في قرارة نفسه أنها سلطة ناقصة، وأن كل ثروته الخيالية لا تعوض امتياز الهيبة السياسية الأعظم، وبصفته  تذوق لأربع سنوات طعم ومزايا عظمة الرجل الأول، أو الرقم واحد، الذي يقرر مصير بلاده والعالم .

في الجانب المقابل، يمكن تلمس فقدان هذه المهابة العالمية عبر متابعة محتوى نشرات الأخبار، وخاصة تلك المتعلقة بتصريحات بعض ساسة العالم، الذين لوحظ بدء تراجع خجول لخطابهم المؤيد سابقاُ للرئيس ترامب، وتغلغل بعض الغزل المخفي بين السطور للرئيس الجديد بايدن، فضلا عن تراجع  الاكتراث العالمي بتغريدات الرئيس ترامب الحالية، والتي كانت خلال قوة سلطته تثير العالم، وتقيمه ولا تقعده.

كل صاحب سلطة كبرت أو صغرت قد يمارس سلوكيات مشابهة، لكن الفارق في فهم جوهر ما يحدث أميركياً، هو أن خسارة الرئيس ترامب، إنما تعني فوز الديمقراطية ونجاح قوة الدستور والقوانين، والرئيس ترامب يدرك ويحترم هذا الدستور والقوانين أولاً وآخراً، حتى وإن ناور أو جرب أن ينجح هنا أو هناك لإثبات أحقيته، إنما هو يتحرك ضمن مسارات القانون وما يتيحه له من هامش ديمقراطي واسع للدفاع عن حقوقه بالطرق المدنية والسلمية. 

في معرض المزاح الذي ساد مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي فيما يخص الانتخابات الأميركية، استفاض العديد في إجراء المقارنات في هذا السياق، ورسم كثر سيناريوهات خفيفة الظل تتخيل معظمها أن الرئيس ترامب يحمل جنسية أخرى ووجد نفسه رئيساً لدولة لاتحترم الشرعية ولا الدستور ولا القوانين، وكيف سيفكر بالاحتفاظ بسلطته بشكل مغاير.

ووضعوا أمامه معطيات واقعية تشبه كثيراً مايحدث في العديد من دول العالم من تشبث ساستها بمناصبهم، ولجوئهم إلى الأزلام والسلاح والقمع، فضلا عن تسخير الدستور والقوانين وتكييفها لأجل الاحتفاظ  بالسلطة، لكن الجميع أنهى هذه السيناريوهات بالشكر والحمد لأن الرئيس ترامب  مواطن أميركي، ولايمكن لعاقل أن يتخلى عن هذه الجنسية الأميركية التي  تخوله أن يحكم بقوتها بلاده والعالم معاً. 

وبعيداً عن المزاح والخيال، يمكن الاستشهاد هنا بما يفعله ساسة لبنان حقيقة، وهم الأبرز في سلطويتهم في هذه المرحلة الأصعب من الانسداد السياسي وانهيار الدولة، حيث يدرك هؤلاء الساسة في قرارة أنفسهم أن الحلول المطروحة قابلة للتنفيذ وإنقاذ الدولة، لكنهم يرفضونها أو يناورون حولها، لأنهم على يقين أن موافقاتهم، حتى لو كانت تتعلق بخير الصالح العام،  إلا أنها ستفتح أبواب الريح لمساءلتهم ومحاسبتهم ومقاضاتهم، وبالتالي فقدان حصاناتهم وقوتهم وشهرتهم ومكاسبهم وجاههم، وجميع امتيازاتهم التي تجلبها عليهم مهابة السلطة. 

لا ينكرن أحدٌ أن السلطة، أية سلطة، امتياز شديد الإغواء، واختبار أخلاقي عظيم، النجاح فيه أو الرسوب، يحددان لاحقاُ تاريخية الفرد، والتاريخ وإن ضم في صفحاته العظماء أو الطغاة والقتلة، إلا أنه قادر أن يمنح عظاته المستمرة المتعلقة بالفارق بين أداء الاثنين. ومن يقدم في بعض الظروف الخاصة على التنازل عن سلطته ويسلمها طواعية، هو بالتأكيد أخلاقي ونبيل وصاحب ضمير يضع المصلحة العامة قبل مصلحته الشخصية، كما فعل صديقي كمثال بسيط، وكما فعل المشير السوداني عبد الرحمن سوار الذهب  1986 كمثال سياسي شهير وكبير يتعلق بمصير أمة. 

ولأجل تحاشي القرارات الفردية في هذا الصدد، وضعت الدساتير  والقوانين التي تحمي الدول من تقلبات أمزجة ساستها أو تأثرهم بعظمة الكرسي الذي يجلسون فوقه، وهي الكفيلة فقط بلجم تغولهم عند استحقاق السلطة وموعد تسليمها، مهما صالوا أو جالوا للحفاظ على  هيبتهم، إذ أن مهابة الدولة هي الأولوية والأهم، والمهابة الحقيقية للفرد هي اختبار أدائه واحترامه لذاته، قبل وخلال وبعد السلطة، معاً. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.