الأردن سيكون ثاني دولة عربية بعد الإمارات تفتح قنصلية بالعيون
القنصلية الإماراتية في منطقة العيون في الصحراء الغربية

عندما أعلنت دولة الإمارات عزمها إقامة قنصلية لها بمدينة العيون، كتأكيد لاعترافها بمغربية الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ سنة 1975، انبرى إبراهيم الضعيف، وهو أحد نواب فريق حزب العدالة والتنمية (ذي التوجه الإسلامي)، الذي يقود الحكومة حاليا منذ 2012، ليكتب على صفحته بالفيس بوك تدوينة تحذر من هذا القرار الدبلوماسي. واعتبر النائب الإسلامي أن الحدث لا يبشر بالخير، إذ كتب: "الإمارات تدخل العيون، الله يخرج العاقبة على خير".  قبل أن يعود النائب نفسه إلى التخفيف من حدة تدوينته، إثر ما ووجهت به من بعض ردود فعل وتعليقات مستنكرة. فأقدم على تعديل عبارة: "الله يخرج العاقبة على خير"، بجملة ملتبسة: "عقبى لبقية الدول العربية".

في هذا الوقت، أشاد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بمبادرة الإمارات، ووصفها بكونها "ذات دلالات سياسية وقانونية ودبلوماسية"، تؤكد على حق المغرب في سيادته على الصحراء. 

انفراج مفاجئ!

كان الأمر سيبدو جد طبيعي بين دولتين عربيتين في سعيهما إلى "ترجمة لعلاقات إماراتية مغربية تاريخية راسخة ولشراكة استراتيجية تقوم على أعلى المستويات"، في إطار العمل على "تعزيز علاقاتها الثنائية مع الدول الشقيقة والصديقة وبناء جسور التواصل والتعاون معها"، وفق كلمات الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي. إلا أن القرار جاء بعد أزمة ظلت قائمة وتتفاعل في صمت، بل بلغت درجة تخفيض المستوى الدبلوماسي وسحب السفيرين من أبوظبي والرباط، من دون بيان أو توضيح من أي الطرفين، بالرغم من إصرار المسؤولين في المغرب والإمارات على إخفاء الأزمة والقول بأن العلاقات طبيعية بين الدولتين الشقيقتين. 

إن الخلافات التي نشأت بين المغرب والإمارات هي نفسها التي طفت على السطح في علاقة المغرب مع المملكة السعودية لكن بشكل أقل وضوحا. 

حسب مراقبين، عرفت العلاقة بين أبوظبي والرباط تصادما قويا وتعارضا في الرؤى الإستراتيجية. جعل توجهات المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة على طرفي نقيض. وأعادوا التذكير ببداية هذا الخلاف، مشيرين إلى موقف الرباط من المقاطعة التي فرضتها كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر سنة 2017. ثم زاد الخلاف حول الصراع في ليبيا، من حدة توتير العلاقة بين الرباط وأبوظبي، إذ انضمت الإمارات إلى جهود الحرب بجانب قوات الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، فيما التزم المغرب بموقف الأمم المتحدة التي تعترف بحكومة "الوفاق" بقيادة فايز السراج. كما عملت الرباط على احتضان لقاءات الفرقاء الليبيين في بلدة الصخيرات ومدينة طنجة، بهدف التوصل إلى حل سلمي يجنب المنطقة المغاربية فتنة الاضطراب بإيقاف الحرب. إلا أن بعض التقارير الدولية زعمت أن الإمارات لعبت دورا كبيرا في إفشال وعرقلة الجهود الدبلوماسية المغربية.

طموحات إماراتية بالهيمنة 

إضافة إلى هذا يأتي تباين الموقف بين الإمارات والمغرب من تقييم مرحلة ما بعد الربيع العربي، فأبوظبي تزعمت الحرب ضد الإسلاميين في المنطقة، بينما عمل المغرب على فتح المجال للإسلاميين، وصار حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) يقود الحكومة منذ ولايتين متتاليتين.

وأرجعت تقارير صحفية الحملة الشرسة على بعض المنابر الإعلامية المغربية وشبكات التواصل الاجتماعي ضد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني وحزبه العدالة والتنمية، إلى جهات إماراتية.

هذه الإشكالية طرحت مسألة احترام استقلالية القرار بين الدولتين، ومراعاة المصالح الأساسية في المنطقة، على أساس من التوازن ونبذ طموحات الهيمنة وعدم ممارسة الوصاية بإملاء القرارات والمواقف.

إن الخلافات التي نشأت بين المغرب والإمارات هي نفسها التي طفت على السطح في علاقة المغرب مع المملكة السعودية لكن بشكل أقل وضوحا. 

في مستهل السنة الماضية عرفت العلاقات المغربية السعودية أزمة بسبب الموقف من قضية الصحراء الغربية. واضطرت الرباط إلى استدعاء سفيرها في الرياض من أجل التشاور. حدث ذلك إثر إقدام قناة "العربية"، على بث تقرير مصور يشكك في مغربية الصحراء. وهو ما يخالف الموقف السعودي ومعه باقي دول الخليج المؤيدة للمغرب.

والجدير ذكره أنه قبل أزمة المقاطعة الخليجية لقطر، انسحب المغرب من "التحالف العربي" في اليمن، ملتزما بدعم مبادرة الحل السياسي التي طرحتها الأمم المتحدة.

تدخل مرفوض في شأن داخلي 

بعدما أعلنت حالة الطوارئ وما استتبعها من حجر صحي في المغرب، عرفت الأزمة الإماراتية – المغربية تصاعدا متطورا بسبب بضعة سياح شباب من إسرائيل علقوا في  المغرب، ولم يجدوا طائرة للعودة إلى إسرائيل بعد توقف حركة الطيران العالمية. وعندما رفض المغرب هبوط طائرة تحمل شعار شركة "العال" الإسرائيلية على أرض مطاراته تدخلت أبو ظبي لإعادتهم على متن طائراتها في رحلة مباشرة بين المغرب وإسرائيل، إلا أن رد السلطات المغربية كان الرفض، وبأن الإمارات تتدخل في شأن لا يعنيها يتصل بيهود إسرائيليين يتحدرون من المغرب، لم تسقط عنهم الجنسية، ويمكن حل المشكلة بالتفاوض مع سفارات الدول الأوروبية أو الأميركية التي يحمل بعضهم جنسيتها، لا مع الإمارات. وقد خلف هذا التعامل غضبا كبيرا لدى سلطات أبو ظبي، ومما قيل وقتها إن الإمارات حاولت دفع إسرائيل لممارسة ضغوط على المغرب في هذا الصدد، إلا أن الدولة العبرية تراجعت بسبب تعقد الأزمة السياسية بين البلدين العربيين.

دور إماراتي أم سعودي؟

بعد أقل من ثلاثة أشهر على توقيع الإمارات والبحرين والسودان اتفاق تطبيع مع "إسرائيل"، وشهر ونيف على افتتاح أبوظبي قنصلية لها في مدينة العيون، أكبر مدن الصحراء الغربية، وصل دور المغرب. وذكرت مصادر إماراتية أن جهودا من طرف ولي العهد محمد بن زايد لعبت دورا حاسما في التحاق المغرب بقطار التطبيع، وإقناع المغرب بأن الطريق إلى السيطرة على الصحراء الغربية لن يمر إلا عبر إسرائيل. وقد وجد هذا الطرح صداه بنسب متفاوتة لدى فئات مختلفة في المغرب، ممن أصبحت مستعدة للتطبيع مع إسرائيل، انطلاقا من تغليب المصالح الوطنية على قضايا الأمة الأساسية وعلى راسها القضية الفلسطينية.

بعد التحاق المغرب بقطار التطبيع بات الباب مفتوحا أمامه للانضمام إلى التحالف الإماراتي السعودي المصري، لكن من المستبعد تغيير الرباط لموقفها من الصراع في ليبيا

نفس الكلام الذي تردد عن دور مفترض للإمارات في التسريع بقرار الرباط في التطبيع مع إسرائيل، قيل بشأن المملكة السعودية، وذكرت تقارير إخبارية إسرائيلية "أن الرياض كان لها دور في الدفع نحو اتفاق بين إسرائيل والمغرب". وأن محمد بن سلمان ولي العهد السعودي كان طرفا أساسيا في المفاوضات مع العاهل المغربي محمد السادس بشأن استئناف العلاقات مع "إسرائيل.

قصارى القول، هل الإمارات أم السعودية من كان لأحدهما دور في تطبيع المغرب مع إسرائيل، فإنه حسب متتبعين لن يعدو أن يكون دورا يمثل "القطرة الأخيرة لملء المسبح"، فالمغرب كانت له دوما علاقاته السياسية والاقتصادية وامتداداته الإنسانية مع إسرائيل، وما كان ينقص هو الظرفية المواتية، وقد آن أوانها.

***

بعد التحاق المغرب بقطار التطبيع بات الباب مفتوحا أمامه للانضمام إلى التحالف الإماراتي السعودي المصري، لكن من المستبعد تغيير الرباط لموقفها من الصراع في ليبيا، إذ تقف الرباط ضد الجنرال حفتر الذي يمثل بالنسبة لها عودة نظام العقيد معمر القدافي، أكبر من قام بتمويل وتسليح البوليساريو في بداية النزاع على الصحراء.

أما الحكومة الإسلامية بقيادة العدالة والتنمية، فإعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي تحتم نهايتها وسيعاقبها الناخبون ويحولون دون تكرارها في الانتخابات المقررة العام المقبل. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.