الدستور العراقي
"الدستور العراقي راهناً يمارس نفس الوظيفة التي كان يقوم بها الجيش العراق في الأمس"

في ظلال التجاذبات التي جرت بين إقليم كردستان والسلطة المركزية في العراق طوال الشهور الماضية، حضر الدستور العراقي بمستويين اثنين، متباينين تماماً، حتى يخال المرء بأن ما يتم تداوله ليس نصاً دستورياً واحداً في نفس البلد.

فمن جهة، حددت الحكومة والقوى السياسية المركزية الحاكمة، السُنية والشيعية على حدٍ سواء، رزمة ضخمة من الفروض الأمنية والمالية والسياسية والرمزية التي قالت إنه على إقليم كردستان أن يلتزم بها، باعتبارها "حقوقا دستورية" للسلطة المركزية، والتي على الإقليم أن يلتزم بها تماماً وحرفياً، ودون أي تأخر.

في كامل تفاصيل تلك الرزمة، استندت الحكومة والقوى السياسية المركزية إلى تفسيرها لمواد الدستور.

فالدستور في المحصلة هو مجموعة من البنود، المتخمة بالتعابير والاستعارات اللغوية الفضفاضة، بالإضافة إلى المواد التي تحتاج إلى قوانين وتشريعات تنفيذية. الأمر الذي يعني بأن أي قوة سياسية، تملك أغلبية برلمانية وهيمنة على المؤسسة القضائية، تستطيع أن تفسر هذا الدستور حسب مشيئتها، أن تجرها لصالحها قدر ما ترغب، حتى أن تخرجه من بداهاته العادية، وهو ما فعلته وتفعله السلطة والقوى السياسية المركزية العراقية تماماً، طوال الشهور الماضية.

على مستوى نقيض، اللجنة البرلمانية المُشكلة لتقديم مقترحات لتعديل الدستور العراقي، التي خلت من أعضائها الأكراد، كانت تطالب بإجماع أعضائها إلغاء المادة 140 من الدستور العراقي الحالي. حيث أن المادة 140 من الدستور العراقي الحالي كانت الوحيدة التي أعتبرها الأكراد مكسباً سياسياً في العهد الجديد؛ لأنها تخص وتحدد الآليات الدستورية السلمية لتحديد مصير المتنازع عليه، بين سلطتي المركز والإقليم، بما في ذلك مصير محافظة كركوك. وحيث أنه ولأول مرة بعد قرن كامل من الصراع الدموي، اعتقد الأكراد بأنه ثمة حل ما دستوري وسلمي لأكبر معضلاتهم مع السلطة المركزية في البلاد.

لغير صدفة، فإن تلك المادة الدستورية كانت الوحيدة التي لم تنفذ كل من الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ العام ،2005 أيا من بنودها، واجتمعت كل القوى السياسية المركزية على كبحها وتغييبها عن أي نقاش جدي في البلاد، وصارت تطالب راهناً حتى بإلغائها من الدستور.

حسب هذه الوقائع، فإن ما يتم تداوله ليس "دستوراً"، بما يعني من قانون أعلى يحكم ويحدد العلاقة والسلطات والحقوق والواجبات بين مختلف "أبناء أمة المواطنين"، حسب مناطقهم ومواقعهم وتشكيلاتهم التنظيمية داخل البلاد، بل فقط "استخدام للدستور". 

إذ صار هذا "الدستور" أقرب وأشبه ما يكون لأداة سلطوية عليا، تملكه وتستخدمه أغلبية أهلية، قومية وطائفية. تفسر وتستخدم وتختار هذه الأغلبية الأهلية من النصوص الدستورية ما يناسب نزعاتها ومصالحها، وما قد يكون منها ضد تكوين أهلي وقومي آخر. تستفيد هذه الأغلبية من تحويل أغلبيتها الأهلية إلى أغلبية سياسية غير مقيدة، وتستغل وضع جماعة أخرى هي أقلية أهلية قومية، ويُستحال حسب ظروف البلاد الراهنة أن تتحول إلى أغلبية سياسية، أو حتى جزء منها، وتالياً هي محرومة تماماً من كل حقوقها في تفسير وتنفيذ هذا الدستور، برلمانياً وقضائياً وتنفيذياً، حيث تتحكم "الجماعة الغالبة" بذلك تماماً. 

بهذا المعنى، وحينما لا يكون الدستور شاغلاً لموقعه الطبيعي ولا يقوم بأدواره الموضوعية،  يغدو العراق كياناً دون دولة، الدولة باعتبارها مجموعة ضخمة من المعايير والمؤسسات المجردة من الهويات والنزعات الأهلية بين أمة المواطنين. وتالياً، الكيان العراقي هذا محكوم من سلطة ما "عارية" من أي قيد دستوري. فالدستور هنا هو مجرد أداة تملكها جماعة أهلية بذاتها، تُخضع به الجماعات الأهلية الأخرى.

احتاجت العلاقة بين أكراد العراق وكيانه المركزي إلى خمسة عشر عاماً فحسب، لتصل إلى هذه النتيجة القاسية من المكاسرة المحضة. 

فحينما أُقر الدستور العراقي عام 2005، عقب إسقاط النظام الديكتاتوري العراقي السابق، كان الأكراد العراقيون يُمنون النفس بأن عصر الصراعات المريرة مع الدولة المركزية والجماعات الأهلية المالكة قد انتهى، وأن الدستور العراقي الجديد، الذي بُني على كتلة من الحقوق والسلطات المعقولة لأبناء القومية الكردية، إنما سيكون كفيلاً وحكماً مناسباً لعلاقتهم وموقعهم في الكيان الجديد. 

في ذلك الوقت، كان المجتمع والقوى السياسية الكردية تستحوذ من القوة الذاتية والحضور السياسي ما يدفعهم للإيمان والركون إلى ذلك، في نفس الوقت الذي كان السلطة المركزية مفككة، دون مؤسسات مهنية وأحزاب قوية وأجهزة أمنية وأدوات اقتصادية. 

لكن، ما أن تغيرت موازين القوة تلك بين الطرفين، وأعادت السلطة المركزية تشييد مؤسساتها وأجهزة حُكمها، حتى صارت تجر الكيان العراقي ليكون خلاء من أي قيّم أو مؤسسات تتمثل لروح الدولة عبر الدستور، الذي قيل قبل سنوات قليلة بأنه كُتب بعدالة ما بين مجموع العراقيين.  

قبل نصف قرنٍ تماماً، في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم، وبعد سلسلة من الانقلاب المتتالية التي نفذها الضباط القوميون على بعضهم طوال عقد الستينيات، والتي أدت عملياً لتفكك الجيش العراقي من داخله، وتالياً فشله في قمع الانتفاضة الكردية التي كانت قد اندلعت في أوائل الستينيات، مالت السلطة البعثية الحاكمة وقتئذ للتوقيع على إعلان للحُكم الذاتي مع الحركة القومية الكردية، في شهر آذار من العام 1974. 

وضعت الحركة التحررية الكردية السلاح جانباً وقتئذ، ونزل مقاتلوها من الجبال، وصار الكُرد كجماعة قومية في العراق تحس بنوع من المساواة مع نظرائهم من العراقيين الآخرين، في العالم الرمزي ومؤسسات الدولة. 

لم تمضِ إلا سنوات قليلة، حتى تمكن الحُكام البعثيون من إعادة تنظيم الجيش العراقي وتسليحه، الذي كان خالياً تماماً من العناصر الكردية، وما أن فعلوا ذلك، وخلقوا تحالفات دولية وتوافقات إقليمية، حتى أعادوا توجيه المدافع نحو المناطق الكردية، وتخلوا عن كل شيء كانوا قد وافقوا عليه من قبل، فانهارت الثورة الكردية عام 1975، وتشرد مئات الآلاف من المواطنين الأكراد. 

اليوم، وبالضبط مثلما لم يكن الجيش العراقي وقتئذ قوة فوق الصراعات الأهلية/السياسية في البلاد، بل سلاحاً عارياً بيد جماعة أهلية ونزعة سياسية ما ضد أخرى، فإن الدستور العراقي راهناً يمارس نفس الوظيفة التي كان يقوم بها الجيش العراق في الأمس.

ما أتعس البلدان التي يشبه حاضرها أمسها.  

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.