مساعدو ترامب يقرون بخسارة الانتخابات ويخططون لحياتهم الجديدة
مساعدو ترامب يقرون بخسارة الانتخابات ويخططون لحياتهم الجديدة

شهدت الولايات المتحدة في الأيام الماضية تطورات سياسية وصحية مقلقة في نهاية سنة مظلمة، أنهكت الأميركيين وعمقت الاستقطابات الأيدولوجية والثقافية بينهم، وأضرت بسمعتها الدولية، وطرحت الأسئلة حول صلابة النظام الديموقراطي الأميركي، وقدرة مؤسساته على مواجهة أخطر جائحة تجتاح البلاد في أكثر من قرن، وأسوأ أزمة اقتصادية منذ ثلاثينات القرن الماضي، وأكثر انتخابات رئاسية أثارت الجدل منذ الحرب الاهلية.

وفي أسبوع واحد وصل عدد الإصابات بفيروس كورونا إلى 17.6 مليون إصابة، وهو الرقم الأعلى في العالم، ووصل عدد الإصابات، الجمعة الماضي، إلى رقم قياسي: 250,000 إصابة، بينما وصل عدد الوفيات إلى أكثر من 317 ألف إصابة، من بينهم 3,611 يوم الأربعاء، وهو أعلى رقم لضحايا الفيروس في يوم واحد. الرئيس ترامب الذي غرّد أكثر من 100 مرة عبر شبكة تويتر خلال الأسبوع الماضي منددا بنتائج الانتخابات، لم يخصص ولو تغريدة واحدة لضحايا الفيروس أو لعائلاتهم.

ولا تزال السلطات السياسية والاستخباراتية في البلاد تترنح جراء الهجوم الإلكتروني الضخم الذي تعرضت له الوزارات والأجهزة الحكومية، وأكبر الشركات الأميركية والذي شنته الاستخبارات الروسية في مطلع السنة، وكان يمكن أن يستمر لو لم تكتشفه شركة خاصة قبل أسابيع وأبلغت أجهزة الاستخبارات به. وفي الأيام الماضية، وبعد أن أكد وزير الخارجية، مايك بومبيو، ما كان يقوله أو يوحي به العديد من المسؤولين الأميركيين في الإيجازات الخلفية حول مسؤولية روسيا عن الهجوم، سارع الرئيس ترامب إلى نقض اتهام بومبيو لموسكو، من خلال التساؤل العلني، في تغريداته، حول مسؤولية الصين عن الهجوم. وكما هي عادته لم يقدم الرئيس أي دليل يدعم اتهامه للصين.

وإذا لم يكن الأسبوع الماضي غريبا وسرياليا بما فيه الكفاية، فقد واصلت حملة الرئيس ترامب جهودها العبثية لإلغاء نتائج الانتخابات، حين تقدمت مرة أخرى بعريضة للمحكمة العليا لإلغاء نتائج الانتخابات في ولاية بنسلفانيا، والطلب من المجلس التشريعي للولاية باختيار ناخبين بارزين للمجمع الانتخابي مختلفين عن الذين صوت لهم الأميركيون والذين صدقوا في 14 الشهر الجاري، مع أكثرية أصوات المجمع على انتخاب جوزف بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة. وتأتي هذه العريضة بعد أن رفضت المحكمة العليا حتى النظر بشكوى مماثلة رفعت اليها من المدعي العام لولاية تكساس. ولا يوجد هناك أي حقوقي موضوعي في البلاد يرى أن لمثل هذه العريضة أي فرصة لأن تحظى ولو بمراجعة بسيطة في المحكمة العليا.

وفي سياق مساعيه لإلغاء نتائج الانتخابات، بعد أن أخفق في أكثر من ثلاثين دعوى للطعن بهذه النتائج رفضها بمجملها القضاء الأميركي، التقى الرئيس ترامب يوم الجمعة ببعض أبرز المؤمنين بنظريات المؤامرة والذين يتحدثون عن وجود قوى ظلامية تريد أن تدمر الرئيس الأميركي ومن بينهم مستشار الأمن القومي السابق الجنرال المتقاعد مايكل فلين. وكان فلين، قد خدم لأربعة وعشرين يوما فقط في بداية ولاية الرئيس ترامب قبل أن يقيله من منصبه بعد أن ضلل مكتب التحقيقات الفدرالي، (الإف بي آي) بشأن اتصالاته بالسفير الروسي في واشنطن، وبعد ان كذّب على نائب الرئيس، مايك بينس. وكان الرئيس ترامب قد عفا عن فلين في الشهر الماضي. كما حضرت الاجتماع المحامية سيدني باول التي كانت عضو في الفريق القانوني للرئيس ترامب قبل إبعادها بسبب ادعاءاتها بوجود مؤامرة فنزويلية أدت إلى تلاعب بماكينات التصويت. وحضر الاجتماع مدير البيت الأبيض، مارك ميدوز، ومحامي البيت الأبيض، بات سيبيلون، وآخرون.

ووفقا لتقارير صحفية عديدة ناقش ترامب مع المجتمعين فكرة تعيين المحامية باول كمحقق خاص للإشراف على تحقيق بتزوير الانتخابات، وفقا لما قالته مصادر مطلعة على مضمون النقاش في إيجازات خلفية مع مراسلي البيت الأبيض. وكان هناك اجماع بين مساعدي الرئيس ترامب على رفض طروحات المحامية باول وخاصة من قبل مدير البيت الأبيض ومحاميه.

كما ناقش المجتمعون الاقتراح الخطير الذي نادى به مايكل فلين علنا والذي دعا فيه الرئيس ترامب لإعلان حالة الطوارئ في بعض الولايات التي يشكك فيها ترامب بنتائج الانتخابات مثل بنسلفانيا وجورجيا وغيرها، وأن يقوم بنشر القوات المسلحة في هذه الولايات وإجراء انتخابات جديدة. وقوبل هذا الاقتراح برفض قوي من مساعدي ترامب خلال نقاش اتسم بالحدة وتبادل الاتهامات والصراخ، بعد أن تساءلت المحامية باول عن قوة ولاء مساعدي الرئيس له. وسارع الرئيس ترامب، بعد تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول الاجتماع إلى نفي خبر فرض حالة الطوارئ قائلا إنه ملفق.

حتى ولو لم يقبل ترامب باقتراح فرض حالة الطوارئ بعد التصديق الرسمي على نتائج الانتخابات، وهو اقتراح متطرف وغير دستوري، إلا في حالة وجود عصيان عنيف، فإن مجرد مناقشته في البيت الأبيض وبحضور الرئيس يمكن أن يشجع تلك العناصر المتطرفة التي تؤيد ترامب وتدعو إلى نشر القوات المسلحة وغيرها من الإجراءات غير الدستورية.

مشاركة الرئيس ترامب، قبل شهر من انتهاء ولايته، بمناقشة اقتراح قدمه جنرال متقاعد منبوذ من الضباط العسكريين المتقاعدين، بفرض حالة الطوارئ في بعض الولايات للبقاء في البيت الأبيض لولاية ثانية، فيما يمكن اعتباره محاولة انقلابية ضد إرادة الشعب الأميركي، وأن يصمت لحوالي 6 أيام بعد الكشف عن الهجوم الإلكتروني الروسي، قبل أن يناقض وزير خارجيته وأجهزة الاستخبارات الذين اتهموا روسيا بالضلوع به، أثار استياء كبيرا في أوساط المعنيين بالأمن القومي. موقف ترامب من الهجوم الإلكتروني يعني أنه لن يتخذ أي إجراء عقابي أو ردعي ضد روسيا، وأنه سيورّث هذه التركة الثقيلة للرئيس المنتخب بايدن. 

وكان السناتور الجمهوري ميت رومني قد وجه انتقادات لاذعة للرئيس ترامب بسبب صمته الطويل على الهجوم الإلكتروني قائلا إن الروس كانوا يدركون مسبقا أنه لن يكون هناك رد عقابي من قبل الرئيس ترامب على مثل هذا الانتهاك السافر. وأضاف رومني أن ترامب لا يريد أن يعترف أن روسيا "هي مشكلة" .

مع بدء العد العكسي لنهاية ولايته، تزداد التكهنات في واشنطن حول ما يمكن أن يفعله أو يقوله الرئيس ترامب. هل سيدفع بحملته العبثية لإلغاء نتائج الانتخابات للسير على طريق الإجراءات غير الدستورية؟ أم سيكون بوسع مساعديه ردعه عن مثل هذا النهج المتطرف؟ على من سيعفو في الأسابيع القليلة المتبقية له في السلطة؟ هل سيعفو عن أفراد عائلته وبعض المقربين منه مثل محاميه الشخصي رودي جولياني؟ هل سيتخذ إجراءات أمنية او عسكرية يمكن أن تقيد من حرية تحرك خلفه بايدن في المستقبل؟

هذه التكهنات لن تنتهي إلا ظهر العشرين من الشهر المقبل، بعد إدلاء الرئيس المنتخب لقسم اليمين. ولكن ما هو معروف ومؤكد هو أن ترامب سيورّث بايدن تركة جائحة قاتلة، وأزمة اقتصادية لن تنتهي في أي وقت قريب، ومجتمع مدني مثقل بالانقسامات، وعشرات الملايين من الأميركيين المؤيدين لترامب والمشككين بشرعية انتخاب جوزف بايدن، في انتخابات نزيهة وشفافة، إضافة إلى علاقات خارجية متوترة مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد أصدقاء وحلفاء حقيقيين بعد 4 سنوات ساهم فيها ترامب عن قصد أو غير قصد في تعزيز نفوذ خصوم واشنطن التقليديين، وإضعاف حلفائها الحقيقيين.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.