ادعاء أن سياسة الضغط القصوى على إيران لم تحقق أهدافها هو أيضا استمرار لنهج المكابرة
ادعاء أن سياسة الضغط القصوى على إيران لم تحقق أهدافها هو أيضا استمرار لنهج المكابرة

الذي يستمع إلى تحليلات بعض الإعلاميين والمثقفين العرب يعتقد أن هناك ملحمة صمود جديدة قد أضيفت إلى سلسلة انتصارات هذه الأمة على أعدائها، فقد خسر ترامب الانتخابات دون أن يتمكن من تمرير "صفقة القرن" بفضل مقاومة السلطة الفلسطينية ورفض الكثير من الأنظمة العربية لها رغم كل ما قدّمه لهم من إغراءات، كما لم تتمكن سياسة الضغط القصوى التي مارسها على إيران من تحقيق أي نتيجة، وهذا يعني حسب رأيهم أنه قد تمّ طي صفحة هذه الإدارة دون أن تحقق أي من أهدافها بعد أن لاحقها الفشل داخليا وخارجيا. 

ولكن المشكلة التي ستواجه هؤلاء الإعلاميين أن الإدارة الأميركية الجديدة ستستلم السلطة بعد بضعة أسابيع فقط، وستؤكد حينها رسميّا على ما أعلنته سابقا من أنها لن تعيد السفارة الأميركية من القدس ولن تغيّر من الاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل، ورغم أن الإدارة الجديدة لن تستخدم عبارة صفقة القرن عندما ستقدّم رؤيتها للسلام الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن مضمون السلام الذي ستدعو له لن يختلف عن صفقة القرن. 

 

 عرض السلام الذي ستقدمه الإدارة الأميركية الجديدة لن يختلف جوهريا عن صفقة القرن

 

وإذا أراد السياسي أو الإعلامي احترام مستمعيه والتوقّف عن خداعهم فعليه أن يقول لهم الحقيقة وهي أن الرؤية الأميركية للحل في ظل هذه الإدارة ومن سيليها تتضمن أن المستوطنات الإسرائيلية الكبرى في القدس والضفة الغربية والتي يقيم فيها أكثر من 600 ألف إنسان بعضهم موجود فيها منذ ثلاثة أجيال هي جزء من دولة إسرائيل، وأن مفهوم العودة إلى حدود 67 يعني القيام بتبادل الأراضي بحيث تكون مساحة الدولة الفلسطينية المستقبلية قريبة من مساحة الضفة وغزة قبل هذه الحرب. 

وأن حق العودة عند الإدارة المقبلة أو غيرها لا يعني عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل دولة إسرائيل بل عودة من يريد إلى الدولة الفلسطينية ودفع تعويضات لمن ترك أرضه وأملاكه ضمن دولة إسرائيل، وكذلك لن تختلف رؤية الإدارة المقبلة عن إدارة ترامب في ضرورة مراعاة المخاوف الإسرائيلية من ناحية السيطرة على المعابر بين الدولة الفلسطينية المستقبلية والعالم الخارجي، فهناك فرق بين الانفتاح على العالم الخارجي من أجل بناء نهضة عمرانية واقتصادية يمكن أن تخفف من معاناة الإنسان الفلسطيني وبين محاولة إدخال متفجرات ومكونات أسلحة بدائية لا تستطيع إحداث أي فرق في التوازن العسكري ولكنها تبقي على حالة عدم الاستقرار. 

أي أن عرض السلام الذي ستقدمه الإدارة الأميركية الجديدة لن يختلف جوهريا عن صفقة القرن ولكن إمكانية رفضه ستكون أكثر صعوبة لأن الدول العربية هي التي سوف تضغط على إدارة بايدن لطرح مبادرتها للسلام ضمن حل الدولتين لأن هذه الدول تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة وعليها البحث عما يخدم شعوبها أولا ولم يعد باستطاعتها الانتظار إلى الأبد من أجل التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.  

كما أن الإعلاميين الذين يتحدثون عن فشل إدارة ترامب في عملية السلام يتجاهلون التطبيع الذي حدث بين إسرائيل وعدة دول عربية، ويحاولون التقليل من شأنه عبر تصويره كنتيجة لضغوط ومغريات قدمتها هذه الإدارة وكأنه سينتهي مع ذهابها، ولكن المؤشرات تقول حتى الآن أن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي يسير بسرعة وحماس لافتين دون وجود ما يدل على معارضة شعبية له، بينما يبدو أن المعارضة للتطبيع في البحرين تقتصر على الموالين لإيران، كما أن من مصلحة السودان الذي يعاني من أزمة معيشية خانقة والذي كان مقرا للإرهاب الإسلامي خلال حكم البشير بناء علاقات دولية جديدة وأن يكون جزءا من المجتمع الدولي ولدى إسرائيل باقتصادها الناجح والمتطور الكثير الذي يمكن أن تقدمه للسودان وغيره من دول المنطقة. 

 

النظرة تجاه إسرائيل قد تغيّرت عند شريحة واسعة من شعوب المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك في إيران والعراق وسوريا ولبنان

 

أما المغرب فلديه روابط استثنائية مع إسرائيل مثل وجود أكثر من 700 ألف يهودي من أصول مغربية في دولة إسرائيل وهم الأقلية الثانية من حيث العدد بعد اليهود الروس، ولذلك فإن اعتبار السبب الوحيد للتطبيع هو اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية يبدو غير دقيق، فالمغرب يسيطر فعليا على هذه المنطقة منذ عدة عقود، والولايات المتحدة وفرنسا تدعمان ضمنيا منذ سنوات اعتبار الصحراء الغربية جزءا من دولة المغرب على أن تتمتع بالحكم الذاتي، ومن غير المتوقع أن يتبدّل ذلك مع مجيء إدارة بايدن. 

ومن الطريف أن هؤلاء المثقفين "القوميين" يؤيدون انفصال هذا الإقليم عن المغرب وإقامة دويلة جديدة أو صومال أخرى في غرب أفريقيا عدد سكانها نصف مليون نسمة هو تعداد الشعب الصحراوي الذي لا يختلف في تكوينه عن شعب المغرب تحت شعار حق تقرير المصير، بينما هم أنفسهم يعترضون على حق تقرير مصير خمسين مليون كردي وهم أبناء قومية مختلفة موزعة بين أربعة دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. 

أي أن اتفاقيات التطبيع ستبقى قائمة رغم خسارة ترامب بل من المتوقع أن تنضم إليها دول عربية وإسلامية أخرى لأن النظرة تجاه إسرائيل قد تغيّرت عند شريحة واسعة من شعوب المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك في إيران والعراق وسوريا ولبنان، ومن الأدلة عليه درجة الاختراق الأمني الواسعة التي سمحت للولايات المتحدة وإسرائيل بتوجيه ضربات كبيرة للنظام الإيراني مثل الغارات الدورية التي تستهدف الإيرانيين في سوريا واغتيال سليماني في العراق والعالم النووي فخري زادة داخل إيران، وجلب كامل الملف النووي الإيراني من قلب طهران إلى إسرائيل وتفجير منشأة نطنز وغيرها من المرافق الحيوية، ولم يكن ذلك ممكنا لولا وجود موالين لأميركا وإسرائيل على الأرض داخل هذه البلدان. 

كما أن ادعاء أن سياسة الضغط القصوى على إيران لم تحقق أهدافها هو أيضا استمرار لنهج المكابرة عند هؤلاء الإعلاميين، فلا يمكن اعتبار الوضع الإيراني الحالي طبيعي مع كل المصائب التي تأتي لهذا النظام من كل صوب، وكذلك ستكشف الأسابيع المقبلة إذا كانت إدارة بايدن ستعود إلى الاتفاق النووي الإيراني بصورته السابقة أم ستطالب بإدخال تعديلات عليه مدعومة هذه المرّة من بعض الدول الأوروبية مما يجعل رفض هذه التعديلات أكثر صعوبة، لأن إدارة ترامب فضحت عيوب وثغرات هذا الاتفاق وجعلت العودة إليه كما كان مستبعدا. 

عقود طويلة ولم يغير الإعلاميون والمثقفون القوميون من أسلوبهم رغم كل ما شهدوه من هزائم، فهم أنفسهم من تحدث عام 2003 عن أن صدام حسين يخبّئ مفاجآت كبيرة للأميركيين ثم لم يعتذروا عندما تم احتلال بغداد بسرعة قياسية وبقوات بسيطة، حتى أن بعضهم تنبّأ بانتصار العراق على الولايات المتحدة في أم المعارك عام 1991 ثم لاذوا بالصمت عندما وصلت صور عشرات آلاف الجنود العراقيين الهائمين في الصحراء قبل وقوعهم في الأسر، كما شارك الأكبر سنّا منهم في تقديم وعود النصر المؤزر قبل الحروب العربية الإسرائيلية ثم في العمل على تبرير الهزائم التي أعقبتها، فعلى ما يبدو ليس من تقاليد هؤلاء الاعتراف بأخطائهم ومازالوا مصرّين على متابعة الطريق نفسه وهو خداع الجمهور العربي بآمال زائفة ثم الصمت عندما لا يتحقق منها شيء.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.