"الطرح "الوطني" بالأمس، كان الطرح الرافض لذاتية لبنانية، والمطالب باندراج اللبنانيين، شاء من شاء منهم وأبى من أبى، ضمن هوية أوسع، هي، "زعماً وظاهراً" الهوية العربية"
"الطرح "الوطني" بالأمس، كان الطرح الرافض لذاتية لبنانية، والمطالب باندراج اللبنانيين، شاء من شاء منهم وأبى من أبى، ضمن هوية أوسع، هي، "زعماً وظاهراً" الهوية العربية"

شاع الكلام، في الأوساط "الوطنية"، في خضمّ الحرب الأهلية اللبنانية، عن "الانعزاليين". هؤلاء يومها كانوا، لدى من أطرى على نفسه بوصف التقدم الفكري، الكتائبيين ومن لفّ لفهم، من المتمسكين، "زعماً وظاهراً" وفق تصوير خصومهم، بالهوية اللبنانية.

هم من دعوا إلى اعتبار لبنان أمة قائمة بذاتها، أو من الذين اعترضوا على تضخّم الوجود الفلسطيني على أرض لبنان إلى حد استنزاف الدولة وتعميق الشروخ ضمن المجتمع. أما في الأوساط "الوطنية" الأقل رقياً، فالانعزاليون كانوا المسيحيين دون تخصيص.

ليس أن هؤلاء الكتائبيين كانوا ملائكة (أو حتى آلهة، على حد وصف من ارتفع إلى رتبة نصف الإله في أوساطهم في مرحلة لاحقة، أي بشير الجميّل). بل أفظع شناعات الحرب الأهلية اللبنانية، من مجازر وتقطيع أوصال وتفنّن بالقتل، بما يتواءم بالكامل مع مقزّزات تنظيم "الدولة الإسلامية"، كانت على أيدي عتاتهم. وهؤلاء لم يكونوا قلة مرفوضة في أوساطهم.

غير أن اتهامهم بالانعزالية كان سابقاً لهذه الأفعال، وهي ممارسات على أي حال لم تكن حكراً عليهم، بل تلطخت بها أياد لبنانية وفلسطينية وغيرها من خلفيات طائفية مختلفة. الاتهام كان لأنهم، بجمهورهم وقياداتهم، أصروا على رفض مشروع التذويب، والذي يبتدئ بقرار يلتزمه الطاعنون بهم من مختلف التوجهات العقائدية، عروبية إسلامية يسارية، بأنهم متمردون على هويتهم بل خونة لها، وخارجون عن محيطهم، متآمرون عليه.. مناصرون لأعدائه.

هذه الهوية المتجاوزة للوطن الصغير، أي لبنان الكبير، لم يجرِ التوافق عليها يوماً. غير أن المد الجارف على مستوى المنطقة، أكسبها غلبة خطابية.

الطرح "الوطني" بالأمس، كان الطرح الرافض لذاتية لبنانية، والمطالب باندراج اللبنانيين، شاء من شاء منهم وأبى من أبى، ضمن هوية أوسع، هي، "زعماً وظاهراً" الهوية العربية (والتي كانت، حتى في أوجّ ارتفاع الخطاب القومي ملتبسة في علاقتها بالإسلام)، والسير بالتالي بمقتضاها، بأن تمسي بيروت هانوي لفلسطين، وأن يسدّد لبنان أثمان النضال لتصحيح الضيم التاريخي اللاحق بأهل فلسطين، وإلا فـ "طريق القدس تمرّ من جونية ومن عيون السيمان". أي أن الأمر تحوّل من مواجهة "الصهاينة الغاصبين" إلى سعي لاجتثاث أبناء الأرض، "الانعزاليين العملاء".

غريب هذا الواقع، ساعة يصبح شباب كفر عبيدا، هذه البلدة الساحلية المتواضعة، إذ يقاتلون ويُقتلون دفاعاً عن أهلهم، عن أرضهم، عن كرامتهم، "انعزاليين وعملاء". وكما كفر عبيدا، كذلك مئات البلدات في أرجاء لبنان.

مشروعية العدوان على بعض الذات اللبنانية كانت قائمة على قليل حقٍ يراد به كثيرٌ باطل. النظام السياسي اللبناني، والذي كان يفترض أن تكون الطائفية ترتيباً مرحلياً فيه، كان قد تأصل ببناه الفئوية، مفضّلاً الطائفة المارونية، كبرى الطوائف المسيحية، بالمناصب والمراتب، كمّاً وعدداً، ومتيحاً الإمعان بالغبن والحرمان عند الهوامش الاجتماعية االمناطقية للبنان.

حرمان في حزام البؤس المحيط بالعاصمة. وحرمان في حزام البؤس الأكبر، من الجنوب إلى البقاع والضنية وعكار، المحيط بجبل لبنان. ولكن الحرمان كان كذلك في كفر عبيدا، وإن لم يجد أهلها وشبابها من يقنعهم بأن حالهم واحد مع مواطنيهم حيث البؤس أكثر سفوراً، وأن دينهم وهويتهم وكرامتهم حقوق لهم لا تمسّ.

ذلك أن لبنان، رغم المقومات المتعددة القائمة والمستجدة فيه، لم يشهد طرحاً سياسياً جدياً لتجاوز واقع الريبة والانقسام والاصطفاف الطائفي. حتى الأحزاب الكفيلة بأن تفصل بما ينقض الخطاب المستتب،  توجهت نحو تطويعه واعتماده.

شيوعيو لبنان، المنشغلون نظرياً بالصراع الطبقي كانوا بأمسهم قد ارتضوا إضافة "عدو قومي" إلى مقولاتهم. أما قراءتهم للواقع الطائفي اللبناني، فقد استنبطت إبداعاً جديداً، "الطبقة-الطائفة"، والتي تعيد تأطير الخصومة الطائفية مع الموارنة على أنها مواجهة طبقية متوافقة مع الأدبيات الشيوعية. يا فقراء كفر عبيدا، أنتم العدو الطبقي.

لم يتجرأ أحد من شاهري المظلومية، "وطنيين" وقوميين ويساريين ومحرومين، على المطالبة بحلّ وطني جامع. الشعار المطروح كان "إلغاء الطائفية السياسية"، أي إتاحة المجال عملياً أمام التفوق العددي للطوائف الإسلامية للاستحصال على حصة أكبر من المناصب والمواقع ضمن الدولة. الهدف بالتالي لم يكن الانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة، بل من محاصصة قائمة على العرف والتاريخ والاقتصاد إلى أخرى تراعي الأحجام العددية، وتحضّر في قناعة من يرى في الآخر خيانة (أو كفراً) للانتصار القاطع في نهاية المطاف.

وبعد انكفاء لعقود، تخلّى خلالها الصف "الوطني" تدريجياً عن مزاعم أنه النقيض الموضوعي للطائفية، لتمسي الإشارة إليه بعبارة "القوى الوطنية والإسلامية"، قبل أن ينساب بمطلق السلاسة إلى واقع محور "الممانعة"، حيث "المقاومة الإسلامية" في لبنان هي صاحبة القرار المحلّي، بإنابة من "الجمهورية الإسلامية" في إيران، يعود الحديث عند أطراف هذا الصف إلى "إلغاء الطائفية السياسية".

"إلغاء الطائفية السياسية" ليس طرحاً تقدمياً وفق أي حساب، أي أنه لا يهيئ لقيام دولة المواطنة. بل «إلغاء الطائفية السياسية» هو إشهار صريح لسلاح التفوق العددي ضمن منطق لا يسعى إلى تجاوز الإطار الطائفي، إذ يرتضيه جهاراً ويسعى إلى تعزيز مواقعه فيه.

أن تكون أوساط مسيحية قد استفادت من "الطائفية السياسية"، أي من محاصصة غير متساوية في المناصب هو بعض الداء، مع التشديد على أن هذه الاستفادة لم تكن بدورها متساوية داخل المجتمعات المسيحية، بل حبّذت الزعامات وعزّزت الزبائنيات والمحسوبيات. على أن الدواء لا يكون بتوسيع حصة زعامات طائفية مقابلة.

هذا الواقع الطائفي في لبنان هو نتيجة تاريخ طويل يحتاج إلى معالجة طويلة الأمد على أساس القاعدة التي نصّ عليها الراحل الكبير، بطريرك لبنان مار نصر الله بطرس صفير، إذ دعا إلى إزالة الطائفية من النفوس قبل محوها من النصوص. الدعوة هنا هي إلى تحقيق الهوية اللبنانية الجامعة، بما يتوافق مع وعد أن يكون لبنان وطناً لمواطنيه، لا ائتلاف طوائف أو محاصصة بين جماعات متباينة.

الخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف، هي إتاحة المجال أمام اللبنانيين التواقين لأن يكونوا بالفعل مواطنين تحت سقف قانون واحد، بأن يقرّ لهم حقّهم بأحوال شخصية موحدة، لا أن يكرهوا ويرغموا على البقاء تحت سلطة المحاكم الشرعية والروحية للزواج والإرث وغيرهما. المسألة ليست إلزام كافة اللبنانيين بقانون أحوال شخصية مدني، بل بإضافة طائفة الحق العام، وهي المطلب المتكرر، كخيار للمواطن الحر، بطوعية تنفي عنه صفة القصور التي يرتئيها له من يرفض فكرة الزواج المدني.

ثمة تفاوت بين الأوساط المسيحية والإسلامية في هذا الشأن، عائد إلى اختلاف بنيوي في الشكل المعتمد للإطار الديني لدى كل منهما. أي أنه من الأسهل عقدياً تأطير الزواج المدني مسيحياً منه إسلامياً، فتصبح المطالبة بالعلمانية، وبالزواج المدني الاختياري تحديداً، أكثر صعوبة في الأوساط الإسلامية. على أن المسألة ليست قطعية ولا جوهرية، ويمكن الاستفادة من تجارب عديدة في دول إسلامية مختلفة، تركيا وتونس وغيرهما، لإيجاد الصيغة المناسبة.

سواء جرى ذلك أو تمكن علماء دين لبنانيين من تأطير جديد، فإن الأساس الذي لا بد من الإقرار به بأنه دون كتلة من المواطنين صادقة في عدم ترجيحها للطوائف، وقادرة على تشكيل مركز ثقل وطني، فإن الحديث عن "إلغاء الطائفية السياسيية" يبقى شعاراً يؤصّل الانقسام الطائفي، لا يعمل على إزالته.

نقيص الطائفية في لبنان ليس هذا الإلغاء المجتزأ، بل هي العلمانية الصادقة والمتوجهة إلى كل مواطن بصفته الشخصية، لا على أساس انتمائه الفئوي. أما "الانعزاليون" في لبنان، فليسوا من جرى توظيف المصطلح للطعن بهم، بل هم الرافضون للعلمانية.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.