"لن تتعرف طفلتا جوزيف بجاني على قتلة والدهما في بيروت، على رغم أنهما رأتاهم يقتربون من السيارة ويطلقون النار عليه عندما كان يهم بإيصالهما إلى المدرسة. هذا شأن أبناء هشام الهاشمي الذين قتل والدهم أمام منزله في بغداد وليس بعيداً عنهم"
لن تتمكن السلطات من كشف قتلة المصور جوزيف بجاني في لبنان ولا هشام الهاشمي في العراق

بحسب التجربة، لن تتمكن الأجهزة الأمنية اللبنانية من كشف قتلة المصور جوزيف بجاني الذي اغتيل بكاتم صوت أمام أنظار طفلتيه! وهي إن تمكنت من كشفهم فلن تتمكن من سوقهم إلى العدالة.

منذ العام ٢٠٠٥ إلى اليوم، شهد لبنان عشرات الاغتيالات والجرائم ولم يتم سوق مجرم واحد إلى العدالة. معظم الجرائم، وهي سياسية، لم يتم الكشف عن منفذيها، وفي حالتين فقط جرى الكشف عن الفاعل (جريمة اغتيال رفيق الحريري وتفجيرات مسجدي النور والتقوى طرابلس) إلا أن السلطة عجزت عن سوق الفاعلين إلى العدالة، فالمنفذ في جريمة الحريري بحماية حزب الله، والمخطط لتفجيرات مسجدي طرابلس يقيم في سوريا.

تجري وقائع مأساوية موازية ومشابهة في العراق. عمليات اغتيال متواصلة ومتناسلة تستهدف ناشطات وناشطين وصحافيات وصحافيين ومثقفات ومثقفين، لكن جريمة واحدة لم يجر سوق منفذيها إلى العدالة. وفي العراق أيضاً للقتلة وجوه وأسماء وعناوين، إلا أن العدالة مختلة هناك كما هي مختلة في بيروت. 

قتلة هشام الهاشمي جرى الكشف عن هوياتهم لكنهم "غادروا" إلى ايران، تماماً كما فعل المخططون لتفجيرات مسجدي طرابلس في شمال لبنان، فهم غادروا إلى سوريا. وعلى رغم وجود علاقات بين السلطات في العراق وفي إيران، والسلطات في لبنان وفي سوريا، إلا أن حكومتي بغداد وبيروت لم تشعرا بضرورة المطالبة بتسليمهما الجناة، وهما إذا فعلتا فلن يكون لهما ما تريدان.

لهذه الأسباب صار القتل في هذه الدول فعلاً عادياً، فعلاً لا شيء يردعه، ولهذه الأسباب صار القتل فعلاً متواصلاً ومتوقعاً وليس خارجاً عن مألوف الأداء السياسي. فلطالما سمعنا من سياسيين ومن ناشطين وصحافيين أنهم تراجعوا عن مواقفهم أو انكفأوا عن مواقعهم، بعد أن شعروا أنها قد تكلفهم حياتهم، لا بل أن قضاة رفضوا دعاوى قدمت لهم لأن سيرهم فيها ينطوي على احتمال القتل.

ولهذه المصائر أصداء موازية صارت أيضاً عادية وجزءاً من المشهد السياسي اليومي، فأن يرسل وزير أو نائب أو صاحب مصرف مرافقيه للاعتداء على محام أو ناشط أو صحافي على نحو علني وتحت أنظار الأجهزة الأمنية، فهذا الأمر لا يرتب عليه مسؤولية سياسية أو حتى جنائية. جرى ذلك في بيروت وجرى في بغداد أيضاً، وهو فعل قريب من فعل القتل وممهد له، وينطوي على رسائل لا تقل عنفاً عنه.

إنها سلطات مارقة فعلاً، فالكشف عن قاتل ينتمي إلى جهة أو تحالف أو حزب أو حشد أو عصبة، لا يرتب أي مسؤولية سياسية على هذه الجهة، ناهيك عن المسؤولية الجنائية والقضائية. من أقدم على تفجير المسجدين في طرابلس يملك هوية سياسية واضحة. جرى تظهير هذه المسؤولية بحكم قضائي. هذا الأمر لم يرتب على الجهة السياسية التي تضم المخطط والمنفذ أي مسؤولية سياسية. قتلة هشام الهاشمي أيضاً ينتمون إلى جهة سياسية غير مجهولة وممثلة في السلطة وفي البرلمان العراقيين. لكن فعل القتل في الحالين تم إخراجه على نحو غريب ومراوغ من مجال الحسابات.

القتل سياسي لكن المحاسبة، إذا ما أتيحت لها فرصة، وهذا نادراً ما يحصل، ليست سياسية. على هذا النحو يجري تخصيب فعل القتل بصفته احتمالاً على كل من تسوله نفسه على المشاغبة أن يضعه في حسبانه.

لن تتعرف طفلتا جوزيف بجاني على قتلة والدهما في بيروت، على رغم أنهما رأتاهم يقتربون من السيارة ويطلقون النار عليه عندما كان يهم بإيصالهما إلى المدرسة.

هذا شأن أبناء هشام الهاشمي الذين قتل والدهم أمام منزله في بغداد وليس بعيداً عنهم، وهم على رغم معرفة أسماء القتلة ومعاينة وجوههم، لن يُتاح لهم معاينتهم في المحكمة، فالعدالة التي قد تكون تعويضاً للمثلومين من أهالي الضحايا، ما زالت خارج ثقافة النخبة الحاكمة والمتسلطة على دماء الناس. 

والقتل الذي صار فعلاً عادياً في بلداننا، صار أيضاً أمراً لا يحتاج من السلطات المُقْدِمة عليه جهداً لتبريره. إيران تخطف صحافياً ايرانياً معارضاً من العراق وتنفذ بحقه حكم الإعدام. الفعل لم يستدرج ذهولاً لا في بغداد ولا في طهران. 

وسبق أن سبقتها السلطات السعودية إلى ذلك عندما أقدمت على قتل وتقطيع الصحافي جمال خاشقجي في قنصليتها في إسطنبول. ومثلما نجت الرياض بفعلتها ستنجو طهران أيضاً، ذاك أن العالم لن يلتفت إلى اختلال العدالة في بلادنا نحن بؤساء هذا الكوكب.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.