يعود تاريخ مملكة المغرب إلى ما قبل الإسلام
يعود تاريخ المغرب إلى ما قبل الإسلام

"سنة 1927، لم تكن هناك لا إسرائيل ولا الإمارات ولا البحرين... ولا حتى المملكة المغربية".

بقدر ما تحمل هذه التدوينة من جهل بخصوص أبسط تفاصيل تاريخ المغرب، بقدر ما تدعو للتساؤل: ما الذي يجعل تاريخ المغرب شبه مجهول عند أغلب المشارقة؟ 

قبل إلقاء اللوم على الآخر، لنتأمل بداية مسؤولية المغرب في هذا الأمر، سواء على مستوى المؤسسات الرسمية أو على مستوى القنوات الموازية (الإعلام، الدراما، المجتمع المدني، إلخ).

للأسف، "المغرب الرسمي"، وفي أغلب الأحيان، يطور آليات البروباغندا أكثر مما يركز على التواصل الجدي المبني على محتوى حقيقي... والبروباغندا، بطبيعتها، تنتج الإشعاع اللحظي والانفعالي، أكثر مما تحقق تأثيرا حقيقا وبعيد الأمد. 

من جهته، فإن الإعلام المغربي، وتحديدا منه الإعلام التلفزيوني، لا يترجم بشكل صادق التحولات والدينامية التاريخية والمجتمعية والسياسية والحقوقية التي يعرفها المغرب (اللهم بعض الاستثناءات المحمودة، والتي تبقى قليلة).

إعلام رسمي في مجمله، يقدم تصورا تقليدانيا وبائدا عن المغرب، سواء سياسيا أو حقوقيا أو اجتماعيا؛ ولا يترجم الدينامية الحقيقة التي يعرفها هذا المجتمع على مختلف المستويات؛ ولا حتى النقاشات الفعلية التي تدور داخله منذ سنوات طويلة (سلطات الملك، إلغاء عقوبة الإعدام، الحريات الفردية، حرية الإعلام، ميزانية القصر الملكي...). 

جزء كبير ومهم مما يطرح للتداول في الندوات العمومية وفي الإعلام المكتوب، بجرأته وجديته، شبه غائب على مستوى الإعلام التلفزيوني، الذي يبقى صلة الوصل الأقرب مع شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. عبره يتعرفون علينا عن بعد! لكن الصورة التي يعكسها لديهم إعلامنا التلفزيوني... باهتة ولا تشبهنا. 

من ناحية الدراما المغربية، فهي، إضافة إلى عدم نجاحها في اختراق قنوات خارج المغرب، لم تنجح إلا نادرا في التعبير عن تحولات المجتمع وعن تاريخه الحقيقي. 

اليوم مثلا، يعرف الكثير من المغاربة تفاصيل كثيرة عن تاريخ مصر، ليس من المدرسة، لكن أساسا من الدراما المصرية. تركيا تسلك نفس المسار منذ بضعة سنوات. لكن المغرب يظل بعيدا عن تحقيق ذلك.

حدث لي مثلا  أن التقيت بفاعلين في المجتمع المدني بعدد من الدول المشرقية، وبمستويات جامعية، لا يعرفون على سبيل المثال أن المغرب لم يوجد أبدا تحت الحكم العثماني (الأخير توقف عند حدود الجزائر)؛ وأن المملكة المغربية موجودة منذ قرون (بعض من يحتسبون تاريخها الإسلامي فقط ينسبون وجودها لـ 12 قرنا خلت. لكن احتساب تاريخ وجود دولة المغرب ككيان سياسي وكدولة، حتى قبل الوجود الإسلامي، يعود لأكثر من ذلك بكثير).

هل استطاعت الدراما المغربية أن تعرفنا بشكل ممتع على هذه التفاصيل التاريخية، وعلى شخصيات صنعت التاريخ القديم (زينب النفزاوية، ادريس الأول، ميمونيدس، يوسف بن تاشفين، ديهيا الأوراسية، السيدة الحرة، كنزة الأوربية، سحابة الرحامنية، فاطمة الفهرية، الحسن الوزان\ليون الإفريقي،...) والتاريخ الحديث (ثريا الشاوي، عبد الكريم الخطابي، سعيدة المنبهي، المهدي بنبركة، محمد الزرقطوني، محمد بن العربي العلوي، ادريس بنزكري، العربي باطما، مليكة الفاسي، خناثة بنونة)، وغيرهم؟ للأسف لا. بل حتى أن بعض هذه الشخصيات، كالحسن الوزان\ليون الإفريقي، عرف اهتماما روائيا وسينمائيا غربيا في حين لا يعرفه الكثيرون في المغرب والمشرق. 

هذا طبعا لا ينفي مسؤولية الآخر. خارج شعار "الأمة العربية" التي لا تحمل الكثير من المعنى في الأصل، بالنظر لكمِّ الاختلافات السياسية والتاريخية والثقافية والمجتمعية بين مختلف دول المنطقة... خارج هذا الشعار، ألا يفترض أن يسعى الآخر أيضا لمحاولة الفهم، خارج الصور المغلوطة  والنمطية؟ بل وخصوصا حين يرغب هذا الآخر في الإدلاء برأيه في نقاش مجتمعي و\أو سياسي يخص البلد.

كيف تنجز فيديو أو تكتب مدونات وتغريدات ومقالات عن بلد ومجتمع تحمل عنه الكثير من الأفكار المغلوطة، بما فيها ما يتعلق بتاريخه الحديث؛ بل وتستعمل تاريخا مزيفا لبناء حجاجك؟

باختصار... هناك مساحات من سوء الفهم قد نتقبل وجودها وفشل مختلف الأطراف في تجاوزها (فكما قد لا نعرف تفاصيل عن تاريخ مونتينيغرو  في أوروبا الشرقية، قد لا نعرف الكثير أيضا عن بلد من بلدان المنطقة). لكنه من غير المقبول أن نتحدث عن مجتمع أو دولة ونحلل ونناقش... ونحن غارقون في كمٍّ من الجهل عن هذا البلد وهذا المجتمع، بل ونتصور مع ذلك أننا نناقش "حقائق"!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.