Jordanians hold banners reading in arabic "No to the corrupt" (R) and "No for security control," during a demonstration…
"بقي الأردن على مر العقود على الحافة دون أن يسقط عاش فيها مخاضات عسيرة"

يستعد الأردن للاحتفاء بالمئوية الأولى للدولة، قرن من الزمان عاشت البلاد فيه مخاضات صعبة وعسيرة حتى نجت واستمرت.

يحق للأردن أن يُسطر سرديته للصمود كمعجزة في ظل ضعف الموارد، ومؤامرات الإقليم التي أحرقت الأخضر واليابس، وأطماع الجوار في بلد صغير يتمتع بموقع جيوسياسي، وقيادة استطاعت أن تتغلب على دور وظيفي خُطط لها؛ لتبني شبكة من العلاقات الدولية قادرة على أن يُجنبها السقوط والغرق.

بعد مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية، فإن جردة الحساب تُظهر أن أنظمة إقليمية كانت في عنفوان قوتها اندثرت واضمحلت، وأن زعماء كانوا يتربصون بهذه الدولة الصغيرة ليلتهموها أصبحوا في عِداد الماضي، وبقي الأردن على مر العقود على الحافة دون أن يسقط.

في تاريخه محطات حافلة بالإثارة لا يمكن الإحاطة بها جميعا، ولا تحفظها الذاكرة، ويستوقفك في رحلتها نحو البقاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عامي 1948، و1967، وخسارة الأردن للضفة الغربية التي كانت جزءا لا يتجزأ من أراضيه.

لم تتوقف المحن، فما هي إلا سنوات قليلة على نكسة حزيران وخسارة القدس، حتى كان النظام الهاشمي يواجه امتحانا في الصراع الذي تحول لحرب مع الفصائل الفلسطينية حُسم بخروجها، وبشرخ غُرز في النسيج الوطني احتاج وما زال لعقود حتى يلتئم.

منذ ما يُقارب ثلاثة عقود ونحن ندعي السعي لبناء تحول ديمقراطي في الأردن قادنا من إخفاق إلى آخر، حتى سيطر الإحباط وعدنا لطرح أسئلة بديهية عن معاني الديمقراطية، وعن دولة القانون والمواطنة

رحيل العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال كان محطة فارقة أيضا، فقد كان مفتاح الأردنيين للعالم، و"جنازة العصر" التي لم يشهد العالم مثلها، كانت شهادة لزعيم صان بلاده وسط الأعاصير والأنواء.

بعد الحسين تماسك الأردن في عهد الملك الشاب عبد الله الثاني في أحداث سبتمبر التي قلبت العالم رأسا على عقب، واستطاع أن يمسك بأطراف اللعبة ببرجماتية مكنته من أن يلعب أدوارا إقليمية، ويُصبح وسيطا موثوقا يُسمع صوته.

كان "الربيع العربي" خريفا عاتيا على الكثير من أنظمة المنطقة، وكانت رهانات السقوط أكثر من رهانات الصمود، ونجا الأردن أيضا دون أن تُراق نقطة دم واحدة، فوضع بصمته على الخارطة في القدرة على بناء التفاهمات والتسويات المجتمعية التي تمنع الانزلاق نحو الفوضى والانهيار.

كل مشاريعنا للتحول الديمقراطي باءت بالفشل، وأصبحت وثائق لتصدير ديمقراطية الدولة للخارج، وجواز سفر يُقدم للمانحين

هذه السرديات التي توثق لمراحل صمود الدولة ليست وهما أو بطولات زائفة تؤرخ على الورق، بل حياة مُعاشة دفعت البلاد والناس ثمنها دما ومعاناة، وهي الدافع المُلّح للسؤال عن مآلات الدولة بعد كل هذه الندوب الموجعة في الذاكرة؟

بعد مئة عام على الصمود لسنا بخير، فالدولة لا تُبنى بالبقاء على الحافة، بل بالتقدم نحو فضاءات المستقبل لتُرسخ موطئ قدم لدولة ديمقراطية مدنية، تُسابق الزمن لانتزاع استقلاليتها من سطوة التبعية والاعتماد على المساعدات لتعيش، ويعيش ناسها بكرامة وحرية لا تُمس.

ليس سهلا أن تسعفني التجارب التي عشتها ومؤشرات ومعطيات الواقع، أن أكتب عن قصص النجاح في موازاة سردية الصمود، فمنذ ما يُقارب ثلاثة عقود ونحن ندعي السعي لبناء تحول ديمقراطي في البلاد قادنا من إخفاق إلى آخر، حتى سيطر الإحباط وعدنا لطرح أسئلة بديهية عن معاني الديمقراطية، وعن دولة القانون والمواطنة، خاصة حين ترى بعينيك شواهد على انتهاكات متكررة للحريات الأساسية دون مساءلة أو عقاب.

لنسأل ونُقيّم، ماذا فعلنا في العقود الأخيرة في بناء الدولة حتى نتفاءل بانتظار تاريخ قادم، ولنبدأ في بنية المجتمع، فنرى العشيرة مكونا مُقدما على المواطنة، وفي الانتخابات مثلا تتقدم هوية العشيرة على ما سواها.

منذ عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 وإلى الانتخابات الأخيرة قبل شهر وما يزال جدل التزوير والتلاعب هو الصوت الذي لا يُسمع همسا، وإنما ضجيجا يؤرقنا ولا تُصغي له الحكومات.

كل مشاريعنا للتحول الديمقراطي منذ الميثاق الوطني، والأجندة الوطنية، ولجنة الحوار الوطني باءت بالفشل، وأصبحت وثائق لتصدير ديمقراطية الدولة للخارج، وجواز سفر يُقدم للمانحين، وحتى الأوراق النقاشية للملك لم تجد طريقها للتنفيذ.

بعد مئة عام ما زالت الدولة تستنفر كل أجهزتها لمواجهة البلطجية وفارضي الإتاوات الذين قطعوا يدي طفل على مرأى ومسمع من الناس، وما كان ذلك أن يحدث لو كان القانون حاضرا وسيادته ناجزة.

يحتاج الأردن أكثر من تاريخه في الصمود ليمضي وينعتق من أزماته المتلاحقة، ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان يُسابق الجميع في مكانته بالتعليم، والكفاءات البشرية ثروته التي يُصدرها للجيران ويعتبرها مصدر قوته.

تغير الحال حين ندقق بالمشهد، والدولة في تراجع. فالأردن في المرتبة 79 في مؤشر المعرفة من بين 138 دولة، وهو يحتل المرتبة 110 بمؤشر التعليم، و85 بالتعليم التقني والتدريب المهني، و75 بالبحث والتطوير والابتكار.

 قد لا يكفي هذا لنُدلل على الصعوبات التي تمر بها الدولة، فحتى على المستوى الاقتصادي، المديونية بلغت نحو 44 مليار دولار، والبطالة تجاوزت 23 بالمئة، وفي مؤشر مدركات الفساد نقف في المنتصف تقريبا بعلامة 48 من مئة، في وقت لا يتوقف كلام الناس عن فساد يبدأ بتعيينات تخل بمبدأ تكافؤ الفرص، وصولا لعطاءات تهدر ثروات البلاد.

المشكلات تنخر عظم الدولة ولا تتوقف عند حدود أزمات اقتصادية مُتفاقمة، وإخفاقات في تحديث وعصرنة البلاد. فحتى المسار الديمقراطي متعطل بشهادة تقرير "بيت الحرية" الذي يُصنفها دولة حرة جزئيا، وبمؤشر حرية الإعلام تحتل المرتبة 128 مُقتربين من دول استبدادية.

في الاحتفال بمئوية الدولة نحتاج أكثر من شعارات تتحدث عن "حكمة العقود وقصة الصمود"، نحتاج أن نُقنع قتيبة الشاب الذي نصحه رئيس الحكومة السابق عمر الرزاز بعدم الهجرة، أنّ في وطنه مُتسعا لأحلامه، ونحتاج أن نُقنع امرأة أردنية بالتمسك ببلادها بعد أن رُفض أن تمنح جنسيتها لأولادها، فالوطن ليس للذكور وحدهم، والعدالة مسطرة لا تُفرق بين أبنائها.

الأردن في مئويته ليس بكاء على الأطلال، وإنما مدماك يعلو فوق أسئلة الهوية المُلتبسة، والمواطنة المنقوصة، ونهضة تُعلي من كرامة الناس ليزرعوا بهمتهم وبعرق جبينهم بيادر القمح، ويُهللوا "وحبوب سُنبلة تموت تملأ الوادي سنابل".

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.