المحتجون العراقيون يتهمون الطبقة السياسية الحاكمة والميليشيات بالتبعية لطهران
المحتجون العراقيون يتهمون الطبقة السياسية الحاكمة والميليشيات بالتبعية لطهران

ينتهي العام 2020 في بغداد كما كانت بدايته، وعاصمة الرشيد هي ساحة اقتتال وفض حسابات بين إيران وميليشياتها وعصاباتها من جهة، والولايات المتحدة ومنشآتها العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية في العراق من جهة أخرى. هل مناخ التصعيد يؤدي إلى مواجهة أخيرة بين علي خامنئي ودونالد ترامب في الأسابيع الأربعة المتبقية للرئيس الأميركي في الحكم؟

بغداد، حيث سقطت هيبة الدولة العراقية مرة تلو الأخرى في العقدين الأخيرين، وحيث وباتت كلمة الفصل وتقرير مصير الناشطين والناشطات في يد مجرمين وخاطفين يتعدون على بيوت الناس في وضح النار ويستشيطون غضبا ويتذمرون من أن عقول البعض تحررت وهم خانعون في ظلمة الجهل والتطرف، هي مرة أخرى رهينة بيد الميليشيات.

اعتداء يوم الأحد على المنطقة الخضراء والذي راح ضحيته عراقيون ولم تخدش صواريخه الإيرانية المصدر وجه أميركي، هو رسالة من طهران لترامب في ذكرى اغتيال قاسم سليماني أمام أعين الجميع، بأن خامنئي قادر على إحداث الفوضى.

خامنئي بعد اغتيال سليماني قرر الرد بشكل ظاهري لأنه لا يريد مواجهة مفتوحة مع ترامب. وأبلغت إيران في يناير المنصرم السلطات العراقية باسم القاعدة الأميركية المشتركة التي ستضربها والوقت الذي ستتم فيه الضربة

الجيش والاستخبارات الأميركية تتحدث عن أجواء تصعيد إيراني في ذكرى مقتل سليماني ولو أنها لا تتوقع حربا. في نفس الوقت الإدارة الأميركية مستعدة سياسيا وعسكريا في حال اختارت إيران المواجهة. الجيش والبحرية الأميركية أرسلوا غواصة "يو أس أس جيورجيا" وطائرات B52 إلى الخليج لردع إيران، إنما تحسبا لأي خطأ إيراني تتحدى فيه طهران خط ترامب الأحمر بوقوع ضحايا أميركيين.

ترامب ليس لديه ما يخسره في الـ25 يوما الأخيرة في الحكم، وهو ليس جيمي كارتر الذي أذلته إيران في 1975 في أزمة الرهائن، وعادت وتنازلت لخلفه رونالد ريغان. في نفس الوقت لن يكون من السهل وقوع ضحايا أميركيين من خلال تصويب صواريخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء. فالسفارة الأميركية شبه فارغة اليوم والقواعد الأميركية محصنة فيما ثمن ضربها في العراق قد يعني استهداف نقاطا داخل إيران اليوم، والجيش الأميركي يدرك أن ترامب قد يحسم في هذا الاتجاه في حال استفزته طهران.

إيران تدرك أن الانتقام الاستعراضي لمقتل سليماني سيرتد عكسيا عليها فيما التوسع الميليشياوي الاستراتيجي فوق أنف واشنطن في الإقليم هو الهدف الأبعد

خامنئي عاصر ستة رؤساء أميركيين، ويقرأ بتمعن استراتيجيات ونقاط ضعف كل منهم، ووظفها لصالح طهران خلال 31 عاما له في الحكم. وهو بعد اغتيال سليماني قرر الرد بشكل ظاهري لأنه لا يريد مواجهة مفتوحة مع ترامب. وأبلغت إيران في يناير المنصرم السلطات العراقية باسم القاعدة الأميركية المشتركة التي ستضربها والوقت الذي ستتم فيه الضربة لأنها لا تريد تصعيدا مفتوحا مع عملاق عسكري واقتصادي بحجم أميركا. واختار خامنئي الانتقام إقليميا برص نفوذ ميليشياته وعصاباته في العراق واليمن وسوريا ولبنان، ومحاولة زعزعزعة الملاحة النفطية في مياه الخليج وحول مضيق هرمز. 

إيران تدرك أن الانتقام الاستعراضي لمقتل سليماني سيرتد عكسيا عليها فيما التوسع الميليشياوي الاستراتيجي فوق أنف واشنطن في الإقليم هو الهدف الأبعد. أما أميركا بعد ترامب فلن تكون منهمكة بعصابات جرمية في بغداد فيما العملاق الصيني يهدد أمن آسيا ومصالحها هناك.

هذه المتغيرات تضعف من فرص حدوث مواجهة مفتوحة بين أميركا وإيران في الأسابيع الأخيرة لترامب في الحكم إلا في حال أخطأ خامنئي حساباته كما لم يفعل في الثلاثة عقود الفائتة. أما العراق فمواجهته الأخطر والأصعب هي بعد ترامب في وجه العصابات والعقول المرتهنة، فيما أميركا تحزم أغراضها وتعيد رسم أولوياتها بعيدا عن الشرق الأوسط وميليشياته وحساباته القبلية.
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.