سنة من رئاسة تبون قضى منها أزيد من شهرين في ألمانيا للعلاج من فيروس كوفيد-19
سنة من رئاسة تبون قضى منها أزيد من شهرين في ألمانيا للعلاج من فيروس كوفيد-19

.. وأخيرا، وبعد تناسل الإشاعات عن وفاة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (75 سنة) في خلال رحلته العلاجية الطويلة بألمانيا، ظهر الرئيس يوم الأحد الماضي (13 ديسمبر 2020)، لأول مرة علنا من خلال فيديو بث على موقع "تويتر"، خاطب فيه الشعب الجزائري وتوقع اكتمال شفائه من المرض في غضون ثلاثة أسابيع على الأكثر.

تعليقا، طافت نكت على مواقع التواصل الاجتماعي ومنها نكتة نسبت إلى فيسبوكيين من المغرب، قيل إن مصدرها شباب من الحراك الشعبي في الجزائر، تقول الطرفة: إن الرئيس تبون الذي كان في حالة "كوما" استيقظ على أخبار أحداث معبر "الكركرات"، وتدخل الجيش المغربي لإعادة فتحه، واعتراف ترامب بمغربية الصحراء، وأن إسرائيل باتت عند باب الجزائر، تلميحا إلى التطبيع المغربي مع إسرائيل، فظن نفسه أنه أمام عذاب القبر.

 

طمأنة مُفبْرَكَة؟

 

 

يصادف تاريخ، السبت 19 ديسمبر 2020 الذكرى الأولى لوصول الرئيس تبون إلى منصب الرئاسة في الجزائر، خلفا لرئيس الأركان السابق الجنرال أحمد قايد صالح. وقد جاء انتخاب تبون في ظل أجواء مشحونة بالتوتر وباتساع المظاهرات المطالبة بتغيير جذري. لذلك تم التشكيك في شرعية ارتقائه سدة الحكم، إذ كانت نسبة المشاركة في التصويت جد ضعيفة، واعتبر معارضون تبون من رموز النظام الفاسد وواجهة مدنية للدولة العميقة، بل وصف صراحة بدمية يحركها الجنرالات المتحكمين في البلاد.

سنة من رئاسة تبون قضى منها أزيد من شهرين في ألمانيا للعلاج من فيروس كوفيد-19، كما قيل رسميا، لكن أخبارا تكلمت عن وضع صحي غامض للرئيس وعن خضوعه لأكثر من عملية جراحية.

في أول ظهور له بدا النحول على وجه وجسد الرئيس، وصرح في خطاب مقتضب تم تعميمه على قنوات التلفزيون الجزائري، أنه يتعافى ويقضي فترة نقاهة يعود بعدها إلى الوطن، وأنه رغم المرض يتابع "يوميا وساعة بساعة كل ما يجري في الوطن، وعند الضرورة أسدي تعليمات إلى الرئاسة". وطمأن الرئيس تبون الشعب الجزائري بأن "مرحلة التعافي بدأت وقد تأخذ بين أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، لكن إن شاء الله سأسترجع كل قواي البدنية". وكان آخر ظهور علني للرئيس يرجع إلى 15 أكتوبر الماضي عند استقباله لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.

رغم أن الخطاب كان موجها لطمأنة الداخل واعدا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، فإنه لم يفته الغمز من قناة ما يجري بالجوار من تطورات في الأيام الأخيرة، قائلا إن الجزائر أقوى مما يظنه البعض، مضيفا أن بلاده كانت تتوقع ما يجري في المنطقة.

خلف الخطاب ردود فعل متباينة في الداخل والخارج، وشكك البعض في الفيديو متهما الاستخبارات الجزائرية بفبركته. وبادر خبير أمني جزائري منشق، اسمه كريم مولاي، بتوجيه الاتهام إلى المخابرات الجزائرية مباشرة، مشيرا الى أن فريقا تقنيا من التلفزيون الجزائري هو من أشرف على تنفيذ الفبركة التي تطلبت أكثر من أسبوع من التصوير لاستخراج ثلاث دقائق. وأضاف الضابط المنشق أنه "يظهر جليا أن الكلمات وحركة الفم غير متطابقة، وهي خدعة متاحة جدا عبر خدمة عدة تطبيقات متوفرة على الإنترنت". وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد "خدعة سينمائية" لتفادي شغور منصب الرئاسة الجزائرية. وإنهاء أي نقاش قانوني يثار الآن حول "دستورية الغياب"، وتجنب أزمة مؤسسية. إذ ناشدت بعض الأصوات اللجوء إلى تطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري المتعلقة بشغور منصب رئيس الجمهورية، ما يعيد إلى الأذهان ما حدث مع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وتساءل كريم مولاي في الأخير: ألم يكن من الأجدر بدل اللجوء إلى الخدع السينمائية، تصوير الرئيس يستقبل وزيره الأول، أو مستشاره الخاص عبد الحفيظ علاهم، كما كان يظهر الرئيس بوتفليقة مع عبد المالك سلال وقايد صالح؟!

 

تصدير الأزمات

 


وسواء صحت ادعاءات الضابط المنشق أم كانت تدخل في سياق البروباغندا المتحاملة، فإن ما يحدث في الجزائر اليوم لا يحتمل أي خدعة لتغطيته وغض الطرف عن تداعياته الخطيرة، والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، في ظل توتر سياسي متصاعد مع محيطها المغاربي.

عندما وصل عبد المجيد تبون إلى منصب الرئاسة قام بمباركة "الحراك الشعبي"، وتعهد بفتح حوار مع الجميع لتجاوز الاحتقان، في أفق تهدئة الشارع والاحتجاجات الشعبية الحاشدة غير مسبوقة. ثم أطلق جملة من الوعود تحت بنود خطط وبرامج إصلاحية تهدف الى التخفيف من وطأة الضغط الاقتصادي والاجتماعي، وتعمل على عدم التركيز على النفط والغاز، الذي تبلغ نسبة مداخيله 96 في المائة من الدخل القومي، خصوصا مع انهيار أسعار مواد المحروقات.

لكن تبون سرعان ما انقلب على الحراك ومطالبه التي قال عنها في البداية أنها مطالب مشروعة، ولم يف بوعوده في إزالة المطبات والألغام السياسية الموروثة من عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. 

لذلك لم تنجح حتى الآن التطمينات لتهدئة الشارع وطي صفحة الحراك الشعبي أو إطفاء جذوته والحد من جموحه رغم جائحة كورونا. اذ استمرت مسيرات أيام الجمعة تخرج مطالبة بدولة مدنية، رافعة شعارات تصف عبد المجيد تبون بـ"رئيس العسكر". وكان رد السلطات هو شن حملات قمعية كبيرة واعتقالات واسعة في صفوف المعارضة، مع مزيد من التضييق على شباب الحراك والناشطين السياسيين. ما جعل الجزائر تتقدم في تصنيفات وتقارير الهيئات والمنظمات الدولية الحقوقية بانتهاكها لحقوق الانسان.

وما زاد من غضب الشارع، واعتقاده باستمرار ما يسمونه حكم "العصابات"، هو تراجع السلطات في ملف متابعة عدد من الموقوفين المتابعين في ملفات الفساد، والمنتمين إلى المؤسسة العسكرية، والمحسوبين على بطانة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وأخيه السعيد بوتفليقة، مع احتمال وارد ببراءتهم، رغم التهم الثقيلة المنسوبة إليهم.

من هنا يستعيد شباب الحراك مقولة أقطاب المعارضة الراديكالية، ممن رفضوا أساسا مبدأ إجراء الانتخابات التي أوصلت تبون، لكونها حسب تعبيرهم "المسرحية التي أتاحت للنظام التجدد من الداخل"، وفتحت الطريق أمام إجهاض المسار الديمقراطي الذي يسعى إليه الجزائريون، بدل تحقيق مسار تأسيسي جديد يمهّد لرحيل نظام العسكر.

لجأت السلطات الحاكمة إلى نظرية المؤامرة، والقول بأن الجزائر مستهدفة و"المطلوب رص الصف الداخلي لإفشال مخططات الأعداء"، وفق ما جاء على لسان رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجنرال السعيد شنقريحة. والأعداء المفترضين هنا كما يتم الكلام عنهم في الإعلام الرسمي الجزائري، ينحصرون في المستعمر السابق فرنسا ورئيسها الحالي إيمانويل ماكرون، الذي يحذر من نشوء دولة فاشلة في الجزائر. ثم نظام "المخزن"، أي المغرب الذي تشتبك معه الجزائر في نزاع حول الصحراء الغربية منذ خمسة وأربعين سنة.  

وقد علت نبرة الانتقادات الموجهة إلى المغرب بعد أحداث "معبر الكركرات" في نوفمبر الماضي، ثم زادت حدة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بمغربية الإقليم الصحراوي، وتصريحه بأن الحل الواقعي والجاد هو مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته الرباط على هيئة الأمم المتحدة منذ سنة 2007. إضافة إلى تطبيع المغرب مع إسرائيل.  بل ذهبت بعض التقارير الجزائرية للحديث عن "مؤامرة" ضد الجزائر بسبب موقفها الرافض لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.

وقد انتشرت في هذه الفترة فيديوهات على قناة اليوتيوب لمعارضين جزائريين عديدين يتهمون السلطة في بلادهم بالدكتاتورية والخداع ومحاولة تصدير أزماتها الداخلية ورميها على الجار المغربي وعلى الخارج. وحسب هؤلاء هو أمر ليس بجديد. في ظل افتقار الحاكمين لبرنامج إصلاحي واضح، وغياب أية إرادة حقيقة للتغيير والإصلاح. 

وانتشرت فيديوهات جزائرية أخرى تستنكر دعم النظام العسكري الجزائري لجبهة البوليساريو وتضخم فاتورة تسليح الحرب لفصل الصحراء بالمليارات على حساب الشعب الجزائري ومعاناته. وأن النتيجة اليوم بعد حوالي نصف قرن من النزاع، لم تؤد بالجزائر سوى إلى أفق مسدود، وإلى مؤسسات مشلولة، وعداء عبثي مع الأشقاء والجيران في المغرب، سياسة ذهبت بالبلاد نحو الأسوأ ولم ينتج عن نهجها سوى استنزاف مهول لطاقة الشعبين الشقيقين وتعطيل التنمية والرخاء في المنطقة من خلال تعاونها واتحادها.


عندما تأخر الاعتذار... 

 


ظل العاهل المغربي محمد السادس يغتنم كل مناسبة لتوجيه التهاني إلى الرئاسة الجزائرية، وإلى مناشدتها فتح الحدود البرية بين البلدين الجارين. وكان ينتظر من الرئيس الجديد عبد المجيد تبون أن يخطو خطوة إيجابية في هذا المسار الذي يتطلع إليه الشعبان بشوق كبير، إلا أن الرئيس تبون هرب إلى الأمام في أكثر من مناسبة، وطلب مقابل تحقيق فتح الحدود اعتذارا رسميا من المغرب على خطأ إغلاقه الحدود في سنة 1994 إثر الأحداث الإرهابية التي وقعت في فندق "أطلس أسني" ونسبت إلى المخابرات الجزائرية.

في أجواء التوتر بين الجزائر والمغرب المقترنة بالاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء وتطبيع الرباط مع إسرائيل، لم يتأخر محمد السادس من جديد في بعث برقية إلى الرئيس الجزائري، داعيا له بالشفاء العاجل وموفور الصحة وطول العمر، بعد إصابة تبون بفيروس كوفيد 19.

وتأتي برقية محمد السادس لتبقي على ما تبقى من الأمل في استمرار الوشائج والخيوط مرتبطة، من أجل إيجاد حل ممكن، وأيضا للبقاء على حلم اتحاد المغرب العربي. هذا الحلم الذي يرى الكثير من المهتمين بالشأن المغاربي أنه يتبدد الآن، بعد اعتراف المغرب بإسرائيل، كما تبعثرت أوراق النظام العربي وتبددت في صمت. ويرى الأكثر تشاؤما أن التطبيع مع إسرائيل الذي حمل في الظاهر غصن السلام، هو في حقيقته الباطنية خنجر مسموم في خاصرة المنطقة المغاربية، وقذيفة حرب ستغمر المنطقة إن لم يكن قريبا فأجلا، خصوصا وأن الجزائر اعتبرت التطبيع المغربي الإسرائيلي إعلان حرب وتهديدا لحدودها ولأمنها الاستراتيجي. وأن النظام العسكري الحاكم في الجزائر قد يلجأ إلى المغامرة ولعب آخر ورقة له إذا ما رأى نفسه يغرق، وهو يغرق حقيقة. والخشية من يأسه وكلمته الأخيرة: "عليَ وعلى أعدائي" يا رب.

هل باتت المنطقة المغاربية على كف عفريت، أو بالأحرى جوقة من العفاريت؟!

كابوس لا ترغب شعوب المنطقة في رؤيته، ويحتاج تجنبه إلى معجزة.

 أم ان زمن المعجزات انتهى؟

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.