لا يتصور أن مثل هذه الأحلام الباذخة تصدر عن "شيوخ" و"دعاة"
لا يتصور أن مثل هذه الأحلام الباذخة تصدر عن "شيوخ" و"دعاة"

هذا السؤال: "مَنْ يحكم العالم!" الذي يطرحه الإسلاميون على نحو ضمني أحيانا، وعلى نحو صريح في كثير من الأحيان، ليس سؤالا استفهاميا ينتظر الجواب، أو يحاول بنفسه ـ كمقدمة ـ البحث عن جواب، بل هو يحمل إجابته العقائدية الراسخة بعمق مطلق اليقين الديني، بأن ثمة "قيادة للعالم/ قيادة للبشرية" مُسْتَحَقَّة أزَلاً وأبداً لـ"عبادي الصالحين" الذين سيرثون الأرض. هذه القيادة المستحقة بمحض الوعد الإلهي المزعوم، هي ـ على الدوام ـ في انتظار التنفيذ، وفي انتظار من سيحظى بشرف التنفيذ: "الجيل الرباني"، الذي هو "شعب الله المختار" في المنطوق الضمني لخطاب الإسلامويين. 

 

كثيرون ممن لم يتوسّعوا في الاطلاع على أدبيات الأصوليات التقليدية/ السلفيات (السلفيات التي تجد تجلّيها الأمثل في الإسلامويات المعاصرة) عندما يسمعون من هذا الطرح الإسلاموي الذي يناقش مسألة "قيادة العالم"؛ كمسألة مستحقة، يعتقدون أن هذا مجرد عبثي عابر، أو ـ على الأقل ـ مجرد كلام شعاراتي تحشيدي، بل وربما يعتقد بعضهم أنه مجرد كلام يقال على سبيل "الهزل" الترويحي، أو التمني الأجوف الذي تُوقِظه أحلامُ اليقظة في ساعة عماء، أو على سبيل التدريب الذهني على المستحيلات الكونية. وهم في كل هذا يعتقدون أن مثل هذا الكلام ـ الشاطح حد الجنون على مستوى أحلام اليقظة ـ لا يصدر إلا عن شباب الدعاة الناشئين حديثا في دهشة الإعلام وتجذبات أضوائه التي تكاد تذهب بالأبصار؛ وبالبصائر من ورائها، أو عن أغرار الكوادر الحركية الذي يسمعون ويُرَدِّدُون؛ بينما هو لا يقرأون ولا يفهمون، أو عن حناجر الغاضبين من واقع الحال الذي يئسوا من التغيير الحقيقي؛ فلم يجدوا ـ عزاء ـ سوى القفز في هوة المستحيل.

لا يتصور ـ بل ولا يتخيّل ـ كثيرون أن مثل هذه الأحلام الباذخة جنونا عن قيادة العالم/ قيادة البشرية/ فتح العالم/ أستاذية العالم، تصدر عن "شيوخ" و"دعاة" و"قيادات حركية" و"كُتَّاب" و"رؤساء تحرير" و"مديري قنوات فضائية" و"مؤلفي كتب" بل و"مفكرين!" و"متفلسفين!"...إلخ، من ذوي التجارب الواسعة التي تمتد لعشرات السنين في مجالي: التنظير، والتطبيق الحركي، والذين هم ـ في الوقت نفسه ـ من ذوي التأثير العميق في جماهيريتهم الواسعة التي تتجاوز أعدادها عشرات الملايين في بعض الأحيان!

إن التجلي الأمثل، الأكثر حِدّة ووضوحا، في هذا الحُلُم الذي يُخطّط لـ"قيادة العالم"؛ (بعد يصبح العالم منهارا حقيقة؛ حتى وإن بدا متماسكا)، نجده عند المُنظّر الأصولي الشهير: سيد قطب، ثم عند أخيه: محمد قطب. وإذا كانت جميع كتبهم ينتظمها هذا الحُلُم بمستوى ما، فإن كتاب سيد قطب الأشهر: "معالم في الطريق" الذي أصبح "إنجيل الإسلاموية المعاصرة" هو الأكثر تعبيرا عن هذا المتخيَّل الأصولي.

سأورد هنا، بعض مقتطفات من هذا الكتاب التأسيسي، حتى نستطيع رؤية ملامحها المُخَتالة عند غيره، ممن يزعم أنه تجاوزه، أو يزعم أنه لا يتمثّله ولا يُمَاثله من الأساس. يقول سيد قطب في مفتتح كتابه الشهير: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية.. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها...فهذا عرض للمرض وليس هو المرض.. ولكن بسبب إفلاسها في عالم "القيم" التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموا سليما وترتقي رقيا صحيحا. وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من "القيم"، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود"(معالم في الطريق، ص3). 

هذه هي السطور الأولى من الكتاب، وهي السطور التي تؤكد انهيار الحضارة المعاصرة/ الغربية؛ كشرط مضمر؛ لحلول الذات/ الحضارة المتأسلمة مكانها. وكونه بدأ بها/ بتأكيد الانهيار، والانهيار الغربي على وجه التحديد، يدل على أنه يستبطن ـ شعر أم لم يشعر ـ أن الذات لا تفعل إلا في حال غياب الآخر غيابا تاما عن فضاء المنافسة؛ ليخرج من "الوجود" بالكامل! ما يعني ـ ضمنيا ـ أن الذات ليست أكثر من "حالة عجز" تنتظر الفراغ؛ لتشتغل على الفراغ، أي لتشتغل على منافسة أوهامها، لا منافسة الآخرين.

وفي الصفحة التالية مباشرة (ص 4)، يبدأ المقطع بـ: "ولا بد من قيادة للبشرية جديدة! إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال..[...] لأن النظام الغربي قد انتهى دوره، لأنه لم يعد يمتلك رصيدا من "القيم" يسمح له بالقيادة [...] والإسلام ـ وحده ـ هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج". وبعد صفحتين فقط (ص 6) يقول ـ مؤكدا: "لا بد من "إعادة وجود" هذه "الأمة" لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى". وكل هذا ـ في نظره ـ لن يتم من خلال العمل الثقافي/ الدعوي، بل من خلال الحركي الواقعي/ العسكري. يقول بعد ذلك بعشرات الصفحات(ص80): "والإسلام ليس مجرد عقيدة حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان. إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس".   

هكذا تحدث المفكر الإخواني/ سيد قطب قبل ستين عاما تقريبا عن المهمة الكبيرة الملقاة على عاتق كل مسلم أصولي، حيث "قيادة البشرية" تكليف رباني؛ بقدر ما هي وَعْد رباني. المسلم في هذا المسار الأصولي، ليس مطلوبا منه أن يعمل ويُبْدع ويُنتج؛ كما تفعل بقية الأمم الحيّة، فهذه مُهِمّة دُنْيا في تصوّر الأصولي؛ لأنه مهمته أعلى وأعظم من أن يتساوى مع البشر (الذين هم ـ وِفْق تصوره ـ في محض ضلال وخسران وانهيار مؤكد)، بل المطلوب منه أن يعمل جاهدا، وبكل الوسائل؛ لكي "يحكم العالم"؛ لكي "يقود البشرية"؛ ليمنح البشر رَحيق الحياة بعد أن قادتهم حضارة الغرب إلى الهلاك!

هذا التصور الإسلاموي الأصولي عند قطب لم تتردد أصداؤه عن منظري الأصولية الصرحاء من كوادر الحركات/ التنظيمات العاملة على أرض الواقع فحسب، بل أصبحت تترد أصداؤه ـ وبصورة أعمق ـ لدى بعض مطوري هذا الخطاب، ممن يستبطنه؛ ليظهره بصورة أكثر مدنية من جهة، وليتجاوز سطحية الخطاب القطبي التي فقدت كثيرا من إغرائها للأجيال الصاعدة من جهة أخرى. وهذا ما نجده واضحا في ما يطرحه التونسي/ أبو يعرب المرزوقي، الذي يحاول في تنظيراته الكتابية أن يصل ـ في النهاية ـ إلى النتيجة القطبية نفسها؛ ولكن عبر مُرَاوغات تنظيرية، واسترجاع تاريخي "تأصيلي" مُخَاتل. لكنه في الحوارات المباشرة التي تستفزه ليقول صراحة ما كان يقوله مخاتلة، وفي الندوات التي يسبق فيها اللسان شروط الحذر، نجده يُعبّر عن هذه الرؤية القطبية بكل صراحة، وبشكل أكثر تفسيرا وأشد تعيينا.  

في حوار له مع برنامج "أوراق"(الحلقة الرابعة)، يقول المرزوقي ـ نصا ـ: "أمريكا والغرب معها يفهمون أنهم إذا لم يُفَتِّتوا العالمَ الإسلامي ويستعمروه من جديد فإنهم لن تبقى لهم الغلبة في مستقبل العالم". وهكذا، فالعالم الإسلامي ـ في نظر المرزوقي ـ هو المرشح لتكون له "الغلبة في مستقبل العالم"؛ بديلا للغرب، والغرب ـ كما يرى المرزوقي ـ يُدرك ذلك، ويدرك أن "الغلبة في مستقبل العالم" له؛ رهينة بتفتيت العالم الإسلامي، الذي هو القادر ـ وحده ـ على منافسة أمريكا/ الغرب.

ليس هذا من جهتي تأويلا لمقولة المرزوقي، بل هو صريح كلامه معززا بمنطوق خطابه في أكثر من مناسبة، حيث نظريته في "الاستئناف الحضاري" تجعله يدور في هذا المحور (محور الرؤية القطبية في "قيادة البشرية"). ففي ذات البرنامج، وفي الحلقة نفسها، يتحدث عن أن العالم الإسلامي (العربي + تركيا + إيران) سيكون مركز ثقل النظام العالمي الجديد، ثم يذكر أنه في كتابه عن ابن خلدون الصادر عام 1983، أكد على "أن العالم الإسلامي إذا فعلا استرجع طموحه التاريخي يمكن أن يكون المعدّل الوحيد لهذا النظام حتى يصبح نظاما عادلا يستجيب للقيم التي نجدها سواء فلسفية أو دينيا فيما يوحد الإنسانية ويجعل البشر إخوة ويتعاملون بالمثل". ثم يقول ـ معقبا ـ: "هذا ما توقعته، وأعتقد أنه ولله الحمد ما يحدث حاليا" (يقصد ـ كما في بعض ندواته ـ: ما يحدث في الربيع العربي ومتتالياته، حيث يرى أن هذه الأحداث تشكل بداية عودة مجد الإسلام = قيادة البشرية).

المرزوقي يرى في "الربيع العربي" بداية مجد الإسلام. ففي محاضرته المعنونة بـ(الصلح بين حضارتي العصر الحديث لبناء العصر المقبل)، يقول: "إن ثورة الربيع العربي أعادت الأمة إلى قيمها الخالدة". ويمكن أن تلاحظ التركيز ـ كما عند قطب تماما، وكما عند طه عبد الرحمن أيضا ـ على مسألة "القيم" كثروة معنوية، ودورها في استعادة الحلم الإمبراطوري/ قيادة العالم. وهذا الربط بين أحداث "الربيع العربي" وما يسميه "الاستئناف الحضاري"، يتكرر كثيرا على لسانه، وبعض كلامه يشرح بعضا، ففي محاضرة له في المغرب بعنوان (تجديد نظرية الدولة والحكم وعلاقتها باستئناف الأمة الإسلامية درها الحضاري) يقول ـ في بدايتها مرحبا بالحاضرين ـ: "شباب المغرب الشقيق، وشباب الأمة كلها الذين يُعْتَمد عليهم في تحقيق شروط الاستئناف التاريخي الكوني الذي هو من خصائص الحضارة الإسلامية". 

هنا، يمكنك أن تلاحظ حجم الحلم الذي أصبح "تاريخيا" و"كونيا"، ثم تحدد ـ في اصطفاء إلهي أزلي، كما عند قطب تماما ـ ليكون خاصا/ من خصائص هذه الحضارة الإسلامية! أي ليس الفعل الحضاري/ التحضري هنا تفاعلا مشاعا، ليس فضاء تنافسيا متاحا لكل أحد، بل الإمة الإسلامية (التي وحدها تمتلك "القيم"؛ لتكون وحدها الجديرة بالاستخلاف!) هي وحدها المندوبة لمهمة القيادة ولتعديل/ تصويب الأخلاق والأنظمة/ القوانين، لا على مستوى مجالها الحيوي الخاص فحسب، بل على المستوى الكوني العام!

طبعا، هذا "الاستئناف الحضاري" الذي يمتد زمنيا بعمق التاريخ، وجغرافيا باتساع الكون، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال محو الحدود القطرية، التي يراها المرزوقي صنيعة استعمارية مقصودة لكي لا يكون العالم العربي/ الإسلامي مكتفيا بذاته؛ فيبقى محتاجا إلى الغرب في الرعاية والحماية. ولهذا، عندما أشار له المُحَاورُ في برنامج (أوراق ـ الحلقة الثالثة) بأن أحداث الربيع العربي أحدثت فوضى واضطرابات قد تؤدي لتفتيت الدولة القطرية، قال ـ نصا ـ: "التفتيت قد يكون مفيدا". مؤكدا ـ في السياق نفسه ـ أن مشروع الفوضى قد يكون مقدمة لمشروع الاستئناف الحضاري، وأن وجود الدولة القطرية قد فتّت التاريخَ/تاريخ الأمة، إذ أصبح لكل قطر تاريخه الخاص. وهذا التفتيت التاريخي يعيق ـ في نظره ـ الاستئناف الحضاري لمجد الأمة الذي هو ـ في تصوره/ التصور الأصولي المُسْتَعاد دائماـ استعادة لمجدٍ تاريخي عام يتجاوز محدودية الأقطار/ الدول الوطنية، التي يراها المرزوقي ـ وكل الأمَمين من عروبيين وإسلامويين ـ مفتعلة: صنعية الاستعمار لإضعاف العالم العربي/ الإسلامي.

هكذا، يبدو "هَمّ قيادة البشرية"، واستعادة "المجد القديم"، و"الحكم الإمبراطوري للعالم"، مسيطرا على وعي مفكري الأصوليات في العالم العربي/ الإسلامي. وما يقوله المرزوقي صراحة على امتداد نشاطه الحركي/ السياسي، يقوله المفكر المغربي/ طه عبد الرحمن في نظريته "الائتمانية" التي يراها متمثلة في الأمانة الأخلاقية الملقاة على عاتق البشرية، والتي تخلّت عنها البشرية بتخليها عن القيم، بينما بقيت "أمّة القيم" الأمة الإسلامية هي الجديرة بها. ولهذا يجب أن تمتلك بوصفها: أمة عربية "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي"، وبوصفها: أمة إسلامية "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري"، محاولا ـ وبجهد تنظيري واسع النطاق ـ وضع بدائل إسلامية (يتساوق مع مشروع: أسلمة العلوم) لكل ما هو غربي تحديدا. 

وإذا كان طه في سابق كُتُبه ليس كالمرزوقي، أي لا يدخل في تفاصيل الاستقطاب الحركي، ولا في تفاصيل الوقائع المباشرة، بل يؤكد على الأسس والمقدمات، ويتجنب النتائج في وقائعها العينية المباشرة، فإنه في كتابه الأخير "ثغور المرابطة" أعلن دخوله معترك الواقع، وبدا أصوليا حركيا، يقرأ الواقع بتفاصيله بناء على تصورات دينية خالصة، وفي حدود تأويلها التقليدي أيضا.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.