مجموعة من المتظاهرين يشاركون في جمعة تطبيق الشريعة بميدان التحرير
تمركز الإسلاميون حول حكاية مُقتضبة لتفسير ذلك، تقول إن الربيع العربي فشل لأنه ثمة "مؤامرة" ما على القوى الإسلامية في المنطقة- رستم محمود

 بعد مرور عقد كامل على انطلاقته الأولى، ومثل باقي القوى السياسية التي كانت تناهض أنظمة الحُكم الشمولية، يقر الإسلاميون بفشل الربيع العربي لما كان يصبو إليه. لكنهم، وعلى العكس من جميع هذه القوى والتيارات السياسيات، لا يملكون ولا يوافقون على كتلة التفسيرات التحليلية والمركبة المُعللة للأسباب والدوافع والمناخات التي أوصلت الربيع العربي إلى مائله الأخير هذا، حيث تمكنت بعض الأنظمة الحاكمة من إعادة تشييد بنيانها السلطوي، كما في مصر، وأغرقت أخرى مجتمعاتها الداخلية في حروب أهلية عدمية، مثل ليبيا واليمن وسوريا، بل يملك الإسلاميون حكايتهم الذاتية الخاصة والمُغلقة لفهم أسباب هذا الفشل.

اجترحت التفسيرات الموضوعية لفشل هذا الربيع العربي عدداً هائلاً من المقولات وأنماط التفكير. فقالت بعضها بأن حدوث ذلك يرجع لانعدام الطبقات السياسية المنظمة والقادرة على صوغ المشاريع السياسية وقيادة القواعد الاجتماعية في هذه البُلدان، وأخرى عللت ذلك بانهيار الطبقات الوسطى والتنظيمات المدنية الوسيطة بين المجتمعات والمؤسسات السياسية والسلطوية، وغيرها رأت في التوازنات الإقليمية والدولية دافعاً نحو ذلك، ورابعة تحدثت عن فيض ريفي محمل بهويات ثأرية تجاه البُنى المدينية، وخامسة مالت لقراءة نوعية الاقتصاد غير الإنتاجي الذي يُستحال أن يفرز حياة ديمقراطية... وهكذا تدفقت التفسيرات التعليلية طوال الأعوام الخمسة الأخيرة، بعدما توضحت ملامح الفشل تلك.

على عكس كل ذلك تماماً، تمركز الإسلاميون حول حكاية مُقتضبة لتفسير ذلك، تقول إن الربيع العربي فشل لأنه ثمة "مؤامرة" ما على القوى الإسلامية في المنطقة، تسعى لمنعهم من الوصول إلى سُدة الحُكم بأي شكل كان، بما في ذلك صناديق الاقتراع، التي يعتبرها الإسلامي أُس وكامل ما يتخيلونه "الديمقراطية"، التي ستوصلهم لسُدة حُكم البلدان، والتي هي كامل تطلعات هذا "الربيع العربي". 

المؤامرة المُتخيلة هذه من قِبل النُخب الإسلامية رباعية الأضلاع، مكونة من النُخب والقادة العسكريين في بلداننا، الذين يعتبرهم الإسلاميون مرهونين ومرتبطين بالقوى العالمية، يضاف إليهما المدنيون من أبناء الطبقات الاجتماعية المتمدنة، الغنية والحاصلة على مستوى تعليمي عال بالذات، التي تملك حساسية من سلوكيات وأنماط عيش وخطابات الإسلاميين، ومع هؤلاء الثلاثة ثمة الأقليات القومية والدينية والمذهبية في مختلف البلدان.

حسب تفسير الإسلاميين هذا، لا شيء يستدعي التفكير، الأمر سهل للغاية: كان ثمة ربيع عربي بدأ قبل عقد من الآن، كان يُبشر ببناء أنظمة ديمقراطية، تحمل الإسلاميين بسلاسة إلى سُدة الحُكم، لكن "تحالف الأشرار" الرباعي هذا، حال دون ذلك، وفقط كذلك!! .

يبدو الأمر وكأنه دعوة مفتوحة لحرب أهلية مفتوحة، أكثر مما هو محاولة لتفسير الوقائع والفظائع التي أطاحت بأشكل الحياة واستقرار المجتمعات في أكثر من بلد عربي، بسبب فشل هذه التجربة السياسية الاستثنائية في تاريخنا المعاصر. الوجه الآخر لذلك التفسير هو لهاث الإسلاميين لتبرأة الذات من المسؤولية التاريخية جراء ما حدث طوال هذا العقد، عبر تقديم وترويج مثل هذه الخرافة الساذجة حول مؤامرة متخيلة. 

 فالحسابات الموضوعية تقول إن الإسلاميين أولاً هُم من أطاحوا بالمجالات الوطنية لثورات الربيع العربي، هذه المجالات التي كانت انتصراً أولياً ومطلقاً لأبناء هذه الثورات، حينما رسموا في الشهور الأولى لثوراتهم الأفق الموضوعي لتطلعاتهم، كمواطنين في بُلدان مسيجة الحدود والسيادة، يملكون طيفاً من المطالب بحياة أكثر عدالة وحرية في بلدانهم، خارج فضاءات الشعارات الرنانة التي بقيت الأنظمة الشمولية ترددها لأكثر من نصف قرن. 

من ليبيا وتونس إلى سوريا، مروراً بمصر واليمن، كان الإسلاميون أول من أطاح بتلك الديناميكيات الوطنية، حينما عملوا منذ البداية كسفارات محلية لتنظيماتهم العالمية العابرة للحدود والمتجاوزة لأية حساسيات واختلافات مطلقة بين بلد وآخر.

هذه الصلافة في السلوك السياسي للإسلاميين أنجبت توأماً من المصائب على الموجة الربيع العربي.
فمن جهة حولته من مسألة داخلية متمركزة حول الصراع بين الشمولية السياسية والقوى المطالبة بالحريات العامة والعدالة الاجتماعية، إلى تراكيب معقدة من الصراعات الإقليمية الصلبة، التي لا قيمة مضافة فيما بينها، سوى الصراع لأجل مناطق النفوذ فحسب. 

إلى جانب ذلك، فإن الإسلاميين بخطابهم وسلوكهم الإقليمي العابر للحدود أسسوا لحالة الشك بمآل ومصير الربيع العربي من قِبل النُخب والقوى العالمية، التي صارت تخشى بأن الإسلاميين المتخمين بإرث مناهضة الغرب ثقافياً وسياسياً ورمزياً سيشكلون تحدياً أمنياً وسياسياً له في حال وصولهم للسلطة، الأمر الذي خفف من اندفاعة القوى الغربية لتأييد الثورات المندلعة. وفي وقت ما غير بعيد عن لحظة انطلاق الربيع العربي، صارت القوى العالمية تقارن وتعتقد أن بقاء الأنظمة الشمولية ربما يكون أكثر أماناً من وصول الإسلاميين إلى حُكم البلدان، وإن عبر انتخابات عامة "ديمقراطية"، لكن دون أي احترام أو اعتبار لمجموع القيم الديمقراطية الرئيسية. 

على أن كل ذلك كان أمراً يسيراً أمام الخطيئتين الرئيسيتين للقوى الإسلامية خلال عقد الربيع العربي. 
الأولى التي مارسها الإسلاميون الذين لم يصلوا لسُدة الحُكم، حينما اجتروا عُنفاً هوياتياً، غارقاً في رموز وخطابات ونزاعات الماضي البعيد، وضامراً لكل أشكال الحرب الأهلية المُقنعة، ضد الأقليات والطبقات المدنية ومؤيدي الأنظمة الشمولية. 

عنف الإسلاميين هذا كان مختلفاً تماماً عن أية اشكال من الدفاع عن النفس، التي كان يمكن للمجتمعات المحلية أن تفرزها وتستحصل شرعية ما لها، في وجه الأنظمة الشمولية التي واجهت الثورات بالعنف المنظم، كما في ليبيا وسوريا واليمن. على العكس تماماً، عنف الإسلاميين كان عدمياً ومطلقاً ولا يبتغي حماية الذات فحسب، بل كان منازلة لفرض المُعتقد وتطبيق العقائد ومحق المخالفين، وإن كانوا يتفقون سياسياً مع الإسلاميين على مناهضة الأنظمة الشمولية، لكنهم يختلفون إيديولوجياً وعقائدياً عنهم. 

أما الإسلاميون الذين وصلوا للحُكم، فقد لهثوا سريعاً للاستيلاء على كامل الدولة، بمؤسساتها وأجهزتها ومواثيقها، لا سلطتها الحاكمة المؤطرة باستقلال مختلف السلطات وتكاملها حسب الدستور. كانت مصر خلال عام حُكم الإخوان المسلمين شاهداً مباشراً على مساعي الإسلاميين تلك. هذه النوايا والمساعي من الإسلاميين هددت الحقوق الطبيعية للملايين من أبناء الطبقات والجماعات التي لا ترى حامياً لحقوقها وممتلكاتها ومواقعها إلا في الدولة، وتالياً كانوا يعتبرون الإسلاميين خطراً وجودياً على أنفسهم، وبذا إمكانية الولاء لأي شيء، بما في ذلك الأنظمة الشمولية، التي قد تحول دون وصول الإسلاميين للحُكم. 

بهذه الأفعال، قدم الإسلاميون للشمولية السياسية في بلدان الربيع العربي أثمن الهدايا، حطموا الثنائية العادية والبسيطة التي بدأ بها الربيع ملحمته: أما الحرية والعدالة الاجتماعية أو الأنظمة الشمولية، حولوها إلى ثنائية أخرى شديدة الوقع على شباب وشابات الربيع العربي: أما الإسلاميون مع بعض الديمقراطية الشكلية أو الأنظمة الشمولية مع حفظ لأشكال من الحياة المدينة. 

في الثنائية الأخيرة استعصاء تام، أياً كان الخيار، ولأجل ذلك الاستعصاء بالضبط فشل الربيع العربي، وساد الطوفان.     

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.