قبل الخوض بهذه الفرضية، والتي من شأنها الاستفزاز لدى الطرفين، من الجدير الإشارة إلى أن القراءات التاريخية تتأرجح بين قطبين.
عند القطب الأول، أي عند أحد أقصى الحدين من القراءات التاريخية، تصبح المفاهيم والتحولات كائنات عضوية أشبه بالمخلوقات الحية أو حتى الأشخاص.
في هذه الحالة مثلاً، «اليهود» كانوا أصحاب الأرض والممالك في «فلسطين»، ثم اضطروا إلى مغادرتها نتيجة الاضطهاد الروماني لهم، فكان الشتات والوعد بالعودة، إلى أن تحققت لهم هذه العودة في القرن الماضي (بعد محاولات مرتبكة في مراحل سابقة)، وهم بالتالي يعودون ليجاوروا، باللين أو القسوة، من كانوا في السابق جزءاً من عالمهم، وإن تبدلت بعض التسميات، أي «العرب» و «الفلسطينيين».
والرواية الفلسطينية المعاصرة المقابلة هي التي تتشكل لتقول: بل الكنعانيون هم أهل هذه الأرض وملحها، وهم والعرب نسب واحد، صهر واحد، شعب واحد، وإن ضاعت بعض الذاكرة. وقد جاء هذه الأرض في أمس سحيق من تسمّى لاحقاً بـ «اليهود» (عبرانيون، إسرائيليون) محتلاً، بقي فيها وهلة من التاريخ ثم رحل عنها، ليحاول العودة بعض عشرات القرون، زاعماً الحق الإلهي. ولكن أهل هذه الأرض، أمس واليوم وغداً، يبقون متمسكون بها. وكما رحل الصليبيون بعد غلبة دامت قرنين، فإن صهاينة اليوم إلى زوال.
في الروايتين توافق على إلباس «الشعوب» قميص الأشخاص. أي أنه لكل شعب أو حضارة هوية، ذاتية في إدراكها ووعيها، موضوعية ملموسة في حقيقتها، تجيز، لا بل تلزم، الحديث عن هذا الشعب أو هذه الحضارة على أنه أو أنها كائن حي متواصل في وجوده ومساره وحقيقته، كما هو متحقق في روايته الخاصة المتداولة وفي وعيه السائد العام.
بل يكاد أن يكون هذا الأسلوب في القراءة التاريخية هو السائد إلى حد الاستتباب اليقيني في عالم اليوم. فالحديث مثلاً عن «العرب» وأزماتهم أو «الأمازيغ» و «الأكراد» ومظلومياتهم، غالباً ما يبنى على افتراض كيانية تاريخية، مادية هوياتية حضارية متواصلة، لكل من هؤلاء، تسمح بالإجمال، بل تدعو إليه، وإن اقتضت بعض الأمور اعتبار عرضي للتفاصيل.
والمنطلق الأول لهذه القراءات، المعتمدة لمنطق الكيانية والشخصية للشعوب والحضارات، هو النص. النصوص هي الأساس، وعليها يبنى. والحفريات مدعوة إلى أن تعاضدها. وإذا كانت ثمة علوم أخرى، فينظر بها بمقدار ما هي قابلة لأن تساندها.
عالَم القرن التاسع العشر، يوم كانت القناعة بأن «العلم» هو الحاسم، أراد بالفعل من الحفريات أن تدعم النص أو أن تدحضه، فكان يقرؤها بتأطير من النص وتوجيه منه. في موضوع فلسطين، علم الحفريات الكتابية انطلق من يقين أن الكتاب المقدس حقيقة مطلقة، وطالب ما تكتشفه الحفريات بأن يجد له مكاناً وسط هذه الحقيقة. والنتيجة أن رصيد قرنين من الحفريات مليئ بـ «الاستثناءات» الشاذة عن «القاعدة» التي قرّرها الكتاب المقدس، فقير إلى حد العدم بما يتوافق مع السردية التي قرّرها هذا الكتاب.
بل الأصح أن يقال السردية التي قرّرتها تفسيرات نصوص هذا الكتاب، والتي تكتسب بدورها قدسية تعمّي التضارب السافر في النص نفسه. اليهودية هي دين التوحيد، بإجماع ينطلق من النص، لا من المتابعة الوقائعية. هل هي كذلك؟ و «اليهود» شعب واحد متصل، كذلك بإجماع (أو ما يقارب) مبني على النص، لا على التقصي الوقائعي. هل هم كذلك؟
لا هذه المقولة ولا تلك تظهر بجلاء ووضوح في النص وفي السجل المادي. ليس ثمة معبد واحد للإله «يهوه» على مدى الفضاء الفلسطيني، على الأقل ليس بما يتوافق مع منطوق الكتاب المقدس. لكن يبدو أنه بالإمكان إرغام أحد المواقع الأثرية على الخروج بحالة عبادة لهذا الإله، ولكن مع الاضطرار إلى الإقرار بأنه لم يكن موضوع العبادة الوحيد، بل شاطرته فيها قرينته «عشيرة»، وهي على الغالب قرينة «آل». هل هو بالتالي «آل»، وليس «يهوه»؟ وكيف أن «يهوه»، إله التوحيد، ليس موحَّداً هنا؟ على أن اعتمده علم الحفريات الكتابي، وسائر حقول المعارف فعلياً، هو القبول بـ «يهوه» كتفسير، كي لا تكون الجعبة فارغة. وإن كانت المادة معطوبة.
«إسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا، الرب واحد». هي شهادة التوحيد اليهودي. ولكن في هذه الترجمة لبس جوهري. متعمد في دفعه باتجاه التوحيد، أي مبرر دينياً، ولكنه لا يستلزم التسليم به تاريخياً. فكلمة «الرب» في الأصل العبري هنا هي قراءة «أدوناي»، أي الذي إليه أدنو أو أركع، كبديل عن لفظ الجلالة «يهوه»، العَلَم على الإله، والذي تحرّم العقيدة اليهودية ذكره الصريح. فالنص الأصل والأول لهذه العبارة، والتي يحقّ للمؤمنين اليهود بطبيعة الحال الارتكان عليها إيمانياً كتأكيد على التوحيد القاطع في دينهم، ليس كما يرد في الترجمة واللفظ الشائعين. بل هو «إسمع يا إسرائيل، يهوه إلهنا، يهوه واحد». أي أن التوحيد هو لشخص «يهوه» الإله، وليس لمطلق الألوهية. هل المسألة هي بالتالي إضفاء مركزية على طقس عبادة يتشعّب، ضمن إطار تتعدد فيه الآلهة، أم فعلاً دعوة وإن مع الإبهام للتوحيد؟
الاعتماد على النصوص اليهودية يدعو بطبيعة الحال إلى اعتماد الفرضية الثانية. النص هو المرجع، العلوم المساندة هي لتأكيده، وإذا كان التأكيد ضعيفاً أو غائباً، فالحالة استثناء.
ماذا لو جرى الالتزام بالمنهج الاستقرائي، أي بدلاً من إرغام الحفريات على الانضواء ضمن القراءة الكتابية، أفسح المجال أمام العلوم «المساندة» أن تروي روايتها دون إلزامات مسبقة؟ وهذه العلوم لا تقتصر اليوم على الحفريات، بل تشمل فيما تشمل اللسانيات والنسليات.
أعداد واسعة، وإن بقيت خجولة بحكم معطيات لا علاقة لها بالموضوع، من الباحثين والمحققين والعلماء، في الغرب عامة وصولاً إلى إسرائيل، عمدوا إلى استشفاف هذه القراءة المقابلة. حين لا يلتزم الباحث بـ «خروج» الإسرائيليين من مصر وفتحهم لأرض كنعان أساساً (وهو «خروج» لا أثر له البتة، ولا لأي حضور «إسرائيلي» سابق له، على أي حال في المادة المكتوبة الواسعة والمفصلّة والتي تركها المصريون القدماء) فإن ما يجده في سجل الحفريات، هو تاريخ تحولات مادية وثقافية أوصلت فلسطين، بعد الفتوحات المقدونية إلى قيام مملكة يهودية (الأصح يهودائية) في أجزاء منها، ذات عقيدة ونص هادف إلى تأصيل حكمها، وتثبيت مركزية طقسها، وزعم أصول وخلفيات مستمدة من قصص رائجة في محيطها.
أي أن «يهود» فلسطين القديمة، وفق هذه القراءة المتشكلة بحذر، لم يأتوا إليها من خارجها، بل هم من نباتها. بل ما يجري تبين معالمه لا يقتصر على فلسطين، فيشمل مختلف الحضارات والشعوب. ما هو أكثر قابلية للانتقال والتمدد والانكماش والانتشار، ليس الموجات السكانية. هذه الموجات تحصل دون شك، ولكن تأثيرها في معظم الحالات، كما يجري ترصّده في الدراسات النسلية، أقل وطأة من الموجات الحضارية حيث الغزاة القلّة، أو حتى الوافدون القلة دون غزو عند تضافر الظروف المؤاتية، يبدّلون اللون اللغوي والثقافي كما الهوية الذاتية، لأهل الأرض الكثرة.
هل دخل بلاد كنعان في الألف الثاني قبل المسيح غزاة «إسرائيليون»؟ السجل الوقائعي لا يفيد ذلك، ولكنه يشير ألى أن ثمة مملكة بعد الفتح المقدوني، أي في القرون القليلة السابقة للمسيح، بنت هويتها على هذا الفتح المزعوم أو المتخيل. لا بل هذا السجل الوقائعي يصوّر الحكم اليهودائي، المكابي والحشموني، على أنه يسعى إلى تهويد الشعوب المجاورة. هو «استثناء» آخر عن «قاعدة» أن اليهود مجموعة أنسابية مستقلة. واقع الأمر أن مراجعة تاريخ انتشار اليهودية في العالم يكاد أن لا يعفي أية جالية يهودية من اندراجها ضمن «الاستثناءات» عن صفاء الأصول الأنسابية. وعلم التحليل النسلي، على حداثة عهده، يدعم هذه القراءة.
«اليهود» هزموا بعد ثورتهم على الرومان. هل طردوا ورحلوا إلى الشتات، كما تريد القراءة المشخصنة، أم هل أن بعضاً منهم ذهب إلى المهاجر اليهودية، حيث يجتمع اليهودائي الأصلي (أي القادم من يهودا فلسطين) بمعتنق الديانة اليهودية من الأصول المختلفة، فيما بقي البعض الآخر (الغالبية المغلوب على أمرها) في دياره، ليتحول إلى المسيحية، ثم بعد قرون في القسم الأكبر منه إلى الإسلام، في كلتا الحالتين، وكما كانت يهوديته وما سبقها كذلك، بمزيج من الطوع والكراهية؟
هل الفلسطينيون اليوم، من النقب إلى الجليل، من يافا إلى طبرية، هم أحفاد يهود الزمن الهلنيستي والروماني، أولئك الذين اختاروا أن ينتخبوا لأنفسهم مزعماً تاريخياً يخصصهم ويوحدهم، فيما هو شأن غيرهم أصل محلي وبعض إضافات وافدة، ففشلوا وشتت بعضهم وبقي بعضهم مستقراً؟
هذه المطالعات، صحّ بعضها أم فسد، لا تبدّل المسألة السياسية من وجهة نظر حقوقية. ذلك أن حق الفلسطينيين بأرضهم وتقرير مصيرهم ليس رهن بما إذا كان تاريخهم يعود إلى ما قبل الميلاد، أو إلى الفتح العربي، أو إلى «هجرة وافدة لمجاراة القدوم اليهودي في القرن التاسع عشر» كما يزعم باطلاً بعض دعاة إنكار حقوقهم. وحق إسرائيل بالبقاء لا يعود طبعاً إلى أي صك ديني إلهي منح لليهود قبل ألفيات، ولا إلى أسبقية غير متحققة بالحضور على هذه الأرض. حق الإنسان الفلسطيني نابع من وجوده على هذه الأرض لأجيال عديدة ومن أن طرده منها ثم حرمانه المستمر منها عدوان، وحق الإنسان الإسرائيلي بدوره نابع من وجوده على هذه الأرض لأجيال تتعدد، ومن أن السعي إلى حرمانه منها إجرام.
السعي مطلوب لحل المسألة السياسية، وربما يكون السبيل الأنجع هو الذي يتجاوز الإدانات ويعمل على تحقيق الحقوق. ولكن، أليس من شأن المطالعة التاريخية التي تعيد النظر بالمسلمات أن تسمح بقدر من الانبساط الفكري في هذا الملف الشائك. المسعى هنا هو إلى استيضاح حقيقة قد تبدو صعبة ومهينة لوهلة، ولكن قد يتبين أنه يكمن فيها من الطاقة الإيجابية الكثير.
هل العلاقة بين الفلسطينيين واليهود هي أكثر دقة وأكثر قرباً مما اصطلح عليه؟ مسألة تستحق البحث.

