حاملات طائرات أميركية في بحر الصين الجنوبي
حاملات طائرات أميركية في بحر الصين الجنوبي - الصورة إرشيفية

العام 2020 كان عاما تحولياً بكل معنى الكلمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا: اتفاقات سلام بين أربع دول عربية وإسرائيل، اغتيال قاسم سليماني وغرق لبنان بجائحة الفساد والانهيار الاقتصادي.

تحولات ستؤسس بشكل أو بآخر لما سيحمله العام المقبل الذي يبدأ عنوانه من تبدل في سدة الحكم في الولايات المتحدة ورئاسة جوزيف بايدن مع خروج دونالد ترامب وفريق الصقور بينهم جاريد كوشنر ومايك بومبيو من الحكم.

رئاسة بايدن ورؤيته الشرق الأوسطية تختلف جذرياً عن سلفه ترامب. فليس هناك العنصر الآيديولوجي والانتخابي للذهاب بعيدا في مغازلة إسرائيل كما فعل ترامب بنقل السفارة إلى القدس في 2018 والاعتراف بضم الجولان في 2019، وفي نفس الوقت لن يعادي بايدن إسرائيل وهو من قال في قاعة الكونغرس في 1986 أنه "لو لم يكن هناك إسرائيل لكان على أميركا اختراع دولة إسرائيل لتحمي مصالحها". هناك أيضاً توجسٌ من بايدن من الغرق بوحول الشرق الأوسط، وهو كان أيد الانسحاب من العراق والمرشحين لوزارتي الدفاع والخارجية في إدارته لويد أوستن وتوني بلينكن أشرفوا على الانسحاب في 2011 قبل العودة في 2014 لمحاربة داعش.

وعليه تلوح هذه الأولويات الأربع في العام الجديد كمحرك لأميركا في الشرق الأوسط"

-    أولاً مفاوضات إيرانية-أميركية: بغض النظر عن عمق الأزمة بين واشنطن وطهران، التي سيرثها بايدن من ترامب، فالظروف ناضجة لمفاوضات إيرانية-أميركية محورها الأبرز هو الملف النووي. إيران تسعى لهذه المفاوضات وبايدن لا يعارضها، ومجموعات الضغط بدأت تحضر لأجندة عملية لها تجعلها وبخلاف مفاوضات باراك أوباما مع طهران شاملة شكلا ومضمونا لقضايا تتخطى التخصيب والعداد النووي. أقله محور هذه المفاوضات سيشمل الصواريخ الباليستية، وهو بات مطلب تؤيده ألمانيا كما فرنسا وبريطانيا وتدفع باتجاهه دول إقليمية. حتى الساعة تعارض إيران دمج هذا الملف بمفاوضاتها النووية، إنما عصا العقوبات التي يحملها بايدن يرتبط شق كبير منها بالبرنامج الباليسيتي وتؤجل أي انفراج اقتصادي لطهران من دون رفعها. هناك أيضا إصرار إقليمي تقوده الإمارات والبحرين للمشاركة في المفاوضات المقبلة مع إيران وليكون لها إطار إقليمي يجعل مصيرها مقبولا في المنطقة ومن الكونغرس الذي جعل أي اتفاق مع إيران معاهدة يصعب على أي رئيس أميركي مقبل الخروج منها. فريق بايدن يدرك أهمية المفاوضات مع إيران ووقف الساعة النووية، وهو كان قادها سرا في سلطنة عمان في 2011. هذه المرة، هناك صورة دولية وإقليمية أكثر تعقيدا تفرض توسيع إطارها وطاولتها للوصول لاتفاق لا يطيحه رئيس أميركي مقبل.

-    ثانياً ترتيب العلاقة مع كل من السعودية وتركيا: النقلة من ترامب إلى بايدن تعني رؤية مختلفة أيضا في تحالفات قادها ترامب في المنطقة. فالعلاقة القريبة بين ترامب والرياض -أول عاصمة يزورها في 2017 - وصداقته الشخصية مع رجب طيب أردوغان حددت إطارا استثنائيا للعلاقات الثنائية. هذا الإطار سيسعى بايدن لاستبداله بآخر أكثر برودة ويتعاطى مع أولويات أميركية ومطالب الكونغرس. مع السعودية هذا يعني تركيز فريق بايدن على إنهاء الحرب في اليمن، الإفراج عن السجينات الناشطات، وتعزيز فرص التواصل بين إسرائيل والسعودية. أما مع تركيا، فلا رفع للعقوبات الجديدة من دون تجميد أنقرة لمنظومة صواريخ أس-400 التي اشترتها من روسيا. كما سيسعى بايدن للضغط على أردوغان في سورية وخصوصا في العلاقة مع الأكراد، الوجود التركي في الشمال ومستقبل العلاقة مع قوات سوريا الديموقراطية. 

-    ثالثاً تركيز على الحد من نفوذ روسيا والصين: الحد من نفوذ الصين وروسيا سيكون أولوية بارزة لدى إدارة بايدن في تعامله مع كافة اللاعبين بمن فيهم في الشرق الأوسط. فصفقات الأسلحة من تركيا إلى مصر إلى ليبيا مع روسيا هي نقطة خلاف مع الولايات المتحدة، كما هو تغلغل الصين الاقتصادي في قطاع المواصلات والزراعة والإعلام في الخليج وشمال إفريقيا. في عالم متحول وأمام صعود "النمر النائم" في بكين، هناك قلق أميركي من منافسة في المنطقة.

-    رابعاً الحد من المغامرات العسكرية الأميركية في المنطقة: كل هذه الأولويات تصب في إعادة توجيه بايدن البوصلة الأميركية نحو آسيا وأوروبا بدل الشرق الأوسط. فدير الزور والتنف وقاعدة عين الأسد هي اليوم ليست بأولوية خطر زحف الصين واحتلالها تايوان. وبالتالي سيكون توجيه القوة العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية الأميركية بعيدا عن مغامرات الشرق الأوسط والتنافس مع إيران، وصوب آسيا لحماية التفوق الأميركي. هذا لا يمكن أن يتم من دون رص التحالف الأطلسي والذي يهدده اليوم اتفاق الاتحاد الأوروبي الاستثماري مع الصين.

العام 2021 تحمل بوادره بداية مفاوضات إيرانية-أميركية، نقلة لجوزيف بايدن في رؤيته للعلاقة مع تركيا والسعودية وإعادة رص أولويات الولايات المتحدة بعيدا عن نزاعات الشرق الأوسط ونحو الحد من نفوذ الصين.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!