الأطفال يدفعون الفاتورة الأغلى للنزاع في اليمن
الأطفال يدفعون الفاتورة الأغلى للنزاع في اليمن

أب يبيع طفلته ذات الست سنوات في اليمن، بسبب الظروف المادية، وبمقابل مادي يعادل حوالي 300 دولار أمريكي!

بقدر ما يبدو الخبر صادما، بقدر ما هو حقيقي للأسف. بل وأبشع من ذلك، الحادثة لا تشكل استثناء، إذ يحدث في اليمن أن يبيع الآباء أطفالهم بسبب الفقر أو لسداد ديون! 

من المؤكد أن ظروف الحرب التي تدوم منذ سنوات في اليمن السعيد، قد تعقد الأوضاع المادية والاجتماعية لبعض الأسر. لكن المؤكد كذلك أن الأمر يتجاوز الفقر والعوز، ليترجم منظومة فكرية اجتماعية لا تنتجها ظروف الحرب، بل هي فقط تكرسها وتجد لها "المبررات".

من ناحية، فإن العبودية، كممارسة، مقبولةٌ شرعا. وبالتالي، في المجتمعات التي مازالت تمارس فيها العبودية (واليمن للأسف من ضمنها)، لا تمثل هذه الممارسة أمرا مشينا لـ "البائع" ولا لـ "المشتري"... أليس شراء العبد وبيعه حلالا؟

من ناحية أخرى، يعتبر الكثير من الآباء، ليس فقط في اليمن بل في معظم مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بأن أبناءهم ملك لهم يقررون مصيرهم في التعليم والزواج والسفر وغيره. 

حين نتأمل مثلا عدد الأطفال الصغار والرضع الذين يتم استغلالهم في المغرب ومصر (وربما في دول أخرى) في التسول، وهم بالآلاف.. أليس هذا اتجارا بالبشر واستغلالا للطفولة؟ 

حين نتأمل الأرقام الصادمة لتزويج الصغيرات في اليمن والمغرب ومصر والجزائر والسعودية والسودان وغيرها، أليس هذا استغلالا جنسيا للطفولة واتجارا في البشر (حتى لو كان حلالا... ففي النهاية، العبودية نفسها حلال!). 

حين نتأمل قضية "الخادمات الصغيرات" في بيوت الأسر المتوسطة والغنية في عدد من بلداننا، أليس الأمر استغلالا للطفولة ومتاجرة بها؟

في بعض البلدان، تكون القوانين نفسها مجحفة في حق الأطفال. في السعودية مثلا، إذا قتل الأب طفلته بسبب "الشرف"، ومهما كان سنها، فهو لا يدخل السجن. وقد حدث منذ بضع سنوات أن ضرب أب طفلته الصغيرة ذات السبع سنوات حد الموت، لأنه كان "يشك" في سلوكها، فلم تعاقبه المحكمة لأنه.. والدها. 

في حالات أخرى في اليمن والسعودية، وبما أن الأب هو "الوصي الشرعي"، فقد أقرت المحاكم بعودة طفلات لآباء.. اغتصوبهن!! هو وصيها الشرعي.. حتى لو اغتصبها. حتى لو باعها. 

في حادثة الطفلة اليمنية الصغيرة ليمون، فقد تدخل بعض المحسنين لإعادة المبلغ لـ "المشتري" وإرجاع الطفلة لوالدها\بائعها. لكن، كيف نعيد طفلة عمرها ست سنوات لأب... باعها؟

الإشكال إذن يتحاوز الفقر... هي في الأساس منظومة اجتماعية وفكرية وقانونية تعتبر أن من حق الوالدين (وخصوصا الأب) أن يتصرف في أبنائه (وخصوصا في بناته) كأنهم ملك خالص يبيعه، يعاقبه، يكريه لشخص آخر يتسول به، يشغله في المكان والسن الذي يريده ويتسلم الأجرة... 

بانتظار تغيير العقليات، ما نحتاجه ربما هو قوانين صارمة تعاقب فعليا الآباء الذين يستغلون أبناءهم بأي شكل من الأشكال، وتنفيذ هذه القوانين بشكل جاد وصارم. كما نحتاج أيضا لهيآت حماية للطفولة، تسحب الأطفال من آبائهم متى تأكد استغلالهم الاقتصادي أو الجنسي لهم. 

جبران خليل جبران قالها ذات زمن: "أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. بكم يأتون إلى العالم، لكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكا لكم". 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.