جانب من تظاهرات العراقيين في بغداد ضد الفساد واستبداد الحكام
وفي العراق بَدا الوباءُ متحالفاً مع أحزاب السلطة عندما ساهم في وضع حد لنهاية التحشيد في ساحات التظاهر.- إياد العنبر

هيمن تحدي فايروس كوفيد-19 على أحداث العالَم في عام 2020، ولا تزال تداعياته مستمرة، لأنه استفزَّ الأنظمةَ السياسية والاقتصادية في جميع أنحاء المعمورة، وجعل العالَم في رحلة تحدٍ تسير في طريقَين: الأول الجهاد في إيجاد لقاحٍ للفايروس، والثاني التعايش مع ما يفرضه من تحديات. 

وفي الوقت الذي أحرج فايروس كورونا الحكومات الغربية، وكما كتب ساخراً الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه "إن الملوك صاروا عُراة.. وكنا نعيش وَهمَ وجود دولة تخطط وتحمي، اكتشفنا اليوم أنها تختبئ وراء جبال من الأكاذيب". وفي العراق بَدا الوباءُ متحالفاً مع أحزاب السلطة عندما ساهم في وضع حد لنهاية التحشيد في ساحات التظاهر.

الكثير من أوجه التشابه تجمع بين فايروس كوفيد-19 وفايروس الفساد في العراق، فكلاهما ينتشر بطريقة مرعبة ومخيفة وقدرة هائلة على نقل العدوى، وإذا كان فايروس كورونا ينتقل بين الأشخاص، فإن الفساد في بلدنا ينتشر وينتقل بطريقة سلسةٍ وانسيابية عالية بين الأشخاص والمؤسسات في الدولة العراقية.

ورغم بوادر الأمل بعودة الحياة إلى طبيعتها مع ايجاد لقاح للوباء، إلا أن فايروس كورونا لم يقبل الهزيمة لحدّ الآن، وطوَّر نفسَه إلى كوفيد-20، وهنا نعود مرة أخرى لنؤكد أوجه التشابه بين الفساد في العراق مع هذا الفايروس الخطير، فكلاهما لديه القدرة على تطوير نفسه ولا يقبل التنازل والامتناع عن الانتشار. 

لكن كوفيد-19 أو 20 سيخسر المعركةَ عاجلاً أم أجلاً، لأنه يواجه إرادةً قويّة لا تقبل التعايش مع خطره وترفض بقاءه مصدراً لتهديد الجنس البشري. على عكس الفساد في العراق الذي أصبح حكاية لا تنتهي، ولا توجد ملامح لأي إرادة حقيقة للقضاء عليه أو مواجهته، أو على أقل التقادير الحد من آثاره.

ولا أعتقد بأن هنالك كلمات قادرة على التعبير عن مشاعر الإحباط واليأس لدى العراقيين وهم يرون ثرواتهم تهدر ويتم سرقتها أمام أعينهم، ويرون الطبقية السياسية وحاشيتها تزداد ثراوتهم في قبال تزايد أعداد الفقراء. ويرون الحكومات المتعاقبة تتحدث عن الفساد والفاسدين، لكنَّها لم تتخذ خطوةً واحدةً لمحاربتهم ومواجهتم! 

معارك الحكومة ضد الفساد تشبه إلى حد كبير معارك (دون كيشوت) ضد طواحين الهواء، فالحكومة السابقة شكَّلت مجلساً أعلى لمكافحة الفساد، وتحدَّث رئيسُ وزرائها السابق عادل عبد المهدي أمام مجلس النواب عن 40 مَوطناً للفساد، لكنه يخرج في لقاء تلفزيوني لاحق ويقول: "لا أدلة على الفساد لنقدّمها لمجلس مكافحة الفساد"! وفي نوفمبر الماضي، خرج إلينا رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، مخاطباً المتورطينَ في قضايا الفساد بالقول: "إن عليهم إعادة ما أخذوه ولن تكون هناك أيَّ مشاكل"! 

إن مهام ووظيفة الحكومات المتعاقبة لم تكن يوماً من أولوياتها محاربة الفساد، ولا الحدّ من آثاره أو تقليص دوائره وشبكاته. وهذه الحكومات تعمل على عكس من المبدأ القائل: إن السلطات تحارب الفساد لأنها لا تريد شركاءَ لها. فهي تعمل على تنمية الفساد بدلاً من مكافحته، لأنها تعمل على تجاهل التقارير الدولية المتعلقة بمستويات الفساد في العراق، وبدلاً من تفعيل دور الأجهزة الرقابية والعمل بتقاريرها التي تحدد مواضع الفساد والهدر بالمال العام وسوء الإدارة، أصبح هناك عُرف جديد بتشكيل لجان حكومية موازية للجهات الرقابية تتولى محاسبة الفاسدين، لكن النتيجة هي: تعددت اللجان والفسادُ باق ويتمدد. 

لا نحتاج إلى مراجعة الأرقام الفلكيّة التي يجري تداولها في التقارير الدولية والحكومية والتي تصل إلى مليارات الدولارات! فالفساد في العراق دلالاته واضحة ومعالمة أوضح في كل فضاءات المجال العام وعلى تماس مباشر بحياة المواطن العراقي. فتحالف الفساد والفشل قد ترك بصماته على ملفات الخدمات في العراق. 

ويمكن أن نتلمّس حجم معاناة العراقيين من الفساد في عجز الحكومة عن توفير الكهرباء، وربط هذا الملف بإرادات دول الجوار. وأن يصل الحال في موازنة 2021، والتي وصفها رئيس الوزراء الكاظمي بالإصلاحية، إلى اقتراض أكثر من 4 مليار دولار لمشاريع الكهرباء، ويا ليتها تكون قادرة على توفيرها أو ديمومة عملها. الفساد في العراق يمكن تلمس نتائجه وآثاره في تدهور القطاع الصحي الذي بات في أسوء حالاته، رغم مليارات الدولارات التي تم تخصيصها له، وكذلك حال أغلب مدارس العراق المتهالكة، والبنى التحتية التي أصبحت مشاريعها وإعادة تأهيلها بوابةً لزيادة ثروات المكاتب الاقتصادية للأحزاب السياسية. وهل توجد دولة في العالم، غير العراق، تقترض الأموال من بنوك الدول الأخرى لتمويل مشاريع وزارة الثقافة والسياحة والآثار والتي حددت في موازنة 2021 بـ(10) مليون دولار! 

وفي نهاية عام 2020، تبقى معركة العراقيين مع الفساد والفاسدين تتنظر النهاية، وباتت الآمال معدومة في وضع حد لفساد الطبقية السياسية في ظل حكومة الكاظمي التي أصبحت وظيفتها ضمان مصالح طبقة الزعامات السياسية على حساب مصالح الشعب، ويبدو أن الفقراء والطبقة الوسطى سيبقون يدفعون ثمن الفوضى والفساد الذي جعل اقتصاد العراق على حافة الانهيار. 

إذن، تواطأ سوء الحظ مع الموت المجاني ومع إرادات الفاسدين على العراقيين وجعل مقادير الأمور وشؤون الدولة بيد أشخاص، ينطبق عليهم وصف شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في قصيدته: 

تداولَ هذا الحُكْمَ ناسٌ لوَ أنَّهم
                         أرادُوهُ طيفاً في منامٍ لخُيّبوا

ودعْ عنكَ تفصيلاً لشَتَّى وسائلٍ
                        بها مُلِّكُوا هذي الرقابَ وقرِّبوا

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.