في إطار حرصها على إثبات وجودها والبقاء تحت الأضواء، تركز التنظيمات الجهادية جهودها في التخطيط للعمليات الإرهابية وما تتطلبه من تمويل مادي وفي تجنيد وتدريب الإرهابين كما تهتم بإطلاق التهديدات خلال المناسبات المختلفة وبتحريض الأتباع على القيام بعمليات فردية متى ما أتيحت لهم الفرصة المناسبة.
كما تنشط أذرعتها الإعلامية في الترويج للإيديولوجيا الخاصة بكل جماعة، وذلك بنشر الإصدارات المرئية والمسموعة وإصدار المنشورات من صحف ومجلات ومطويات وغيرها على مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع أنصارها وأملا في تجنيد المزيد من الأتباع.
وتهدف تلك التنظيمات التي تتبنى سياسة قتل الأبرياء وزرع الرعب في النفوس وتدمير المنشآت والممتلكات العامة والخاصة إلى زعزعة الأمن والاستقرار وإلحاق الضرر باقتصادات الدول التي تهددها أملا في اجبارها على الاعتراف بها والاستجابة إلى مطالبها.
من جانبها، لا تقف دول العالم مكتوفة الأيدي أمام تهديدات الجماعات الجهادية، بل سارعت مجموعة من الدول إلى تكوين تحالف عسكري لهزيمة وتدمير تلك التنظيمات وتعقب قادتها واستهدافهم كما تبذل الأجهزة الأمنية حول العالم جهودا جبارة لإحباط العمليات الإرهابية واكتشاف الخلايا النائمة والقبض على الإرهابيين وتقديمهم للعدالة.
وعلى الرغم من نجاح العمليات العسكرية والأمنية في إضعاف الجماعات الإرهابية واحتواء خطرها إلا أنها تستهدف المنتج النهائي للتطرف في الوقت الذي يستلزم القضاء عليه استهداف المنبع الأساسي لصناعة الجهاديين، وذلك بمواجهة دعاة الجهاد وهزيمتهم فكريا ودحض ادعاءاتهم وبيان تناقضاتهم وفساد تصوراتهم على كل المنابر وخاصة تلك التي يستغلها الجهاديون ومناصريهم.
إحدى أكثر الادعاءات التي تكررها الجماعات الجهادية وخاصة تنظيم القاعدة في معرض تبرير عدائها للغرب هي اتهامها للدول الغربية باحتلال الدول العربية والإسلامية ونهب ثرواتها، ودعم الأنظمة الدكتاتورية فيها.
والحقيقة هي أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة ولا يستند على أي دليل بل وتكذبه الوقائع. فإسقاط الولايات المتحدة لنظام الدكتاتور صدام حسين وتخليص شعب العراق من بطشه لم يكن الهدف منه احتلال العراق ونهب ثرواته بدليل أن أميركا خسرت مليارات الدولارات، وفقدت الآلاف من أبنائها في تلك الحرب ثم سحبت قواتها من هناك في ديسمبر 2011. كما أثبتت أحداث الربيع العربي بطلان هذا الادعاء فقد سقطت العديد من الأنظمة العربية، التي يدعي الجهاديون تبعيتها للغرب نتيجة انتفاضات شعبية سلمية.
وما يثير الضحك أن يصدر هذا الادعاء من تنظيمات تفخر باحتلال المسلمين الأوائل لأراضي غيرهم من الشعوب الذين أُجبروا على اعتناق الإسلام، وبما حصل من نهب للثروات فتطلق عليه زورا تسمية "فتوحات الإسلامية" بل وتمني نفسها بتكرار ذلك في يوم من الأيام.
ومن التناقضات الواضحة التي لا يراها الجهاديون ادعائهم حب النبي محمد، فيهددون بتدمير العالم كلما نُشرت رسوم كاريكاتورية تصوره كدموي شرس، لكنهم يتجاهلون أنهم من يلقبون محمد في أدبياتهم بـ"الضحوك القتال" ويكررون دائما أنه الذي جاء بالذبح، ويدّعون أنهم يقتدون به في جرائم القتل والنهب والسبي التي يرتكبونها.
إن أكثر الجماعات إساءة للنبي وتشويها لسمعته هم الجهاديون الذين يفضلون تصويره كعاشق للدماء ليس في قلبه مثقال ذرة من رحمة بدلا من الاقتداء بسننه وتعاليمه الإنسانية النبيلة.
ومن الأمثلة على فساد تصورات الدواعش ادعاؤهم بأن دولتهم تساوي بين أبنائها المجاهدين الذين هاجروا إليها من جميع أنحاء العالم في الحقوق والواجبات، لكنهم في الحقيقة يقصرون المناصب العليا على العرب ويحصرون منصب الخليفة في القرشيين من العرب.
وبالنظر إلى واقع الجماعات الجهادية نجد أن كل جماعة تعادي الجماعة المنافسة لها وتدعي بأنها الفئة المنصورة الموعودة بالنصر والتمكين لتخدع بذلك سفهاء الأحلام من أتباعها، وتزج بهم في حروب عبثية كما هو الحال في سوريا وأفغانستان ومالي واليمن.
ومع توالي النكبات على الجماعات الجهادية في كل مكان واحتدام الصراعات فيما بينها يتعين على أهل العقول والأقلام انتهاز هذه الفرصة الثمينة لهزيمة دعاة الجهاد وكشف ضلالاتهم وفساد تصوراتهم وانقاذ من تبقى من المُضَللين، قبل أن يلقوا مصير من سبقوهم إما موتا بصواريخ قوات التحالف أو اعتقالا على أيدي الأجهزة الأمنية.

