رُبما تكون أسئلة موهومة بعد أن تحول "الربيع العربي" إلى خريف عاتٍ
رُبما تكون أسئلة موهومة بعد أن تحول "الربيع العربي" إلى خريف عاتٍ

بعد مرور 10 سنوات على ما سُميّ "الربيع العربي" تراودني تخيلات وسيناريوهات، وأتساءل كمنْ يُريد العودة بالزمن للوراء، أو استشراف مسار جديد له، ماذا لو لم يحرق محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد احتجاجا على صفعة تلقاها من شرطية؟، ماذا لو لم يحدث ذلك، هل كان الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي على رأس السلطة في تونس حتى الآن؟

لو لم يفعل البوعزيزي ذلك، هل كانت صرخة المحامي ناصر العويني "بن علي هرب" التي أصبحت "برومو" المحطات الفضائية ليست سوى حلما؟

نفس الأسئلة تدق جدران ذاكرتي، ماذا لو تمسّك الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بالسلطة ولم يُعلن تنحيه؟، ولم يخرج مدير المخابرات -آنذاك- عمر سليمان ليزف البُشرى للجماهير المحتشدة في ميدان التحرير، هل كنا سنرى مبارك قد ورّث الحكم لنجله جمال؟

وماذا لو كان العقيد مُعمر القذافي أكثر عقلانية ولم يتهم المُحتجين على حكمه بأنهم جرذان، ويُطالب بملاحقتهم في كل "زنقة ودار"، أكان حتى الأن مُعززا مُكرما في خيمته في طرابلس ولم يقتل، ولظل للقمم العربية نكهتها بسخريته والمناكفات التي كان يخترعها؟

 

على كل حال بعد 10 سنوات لا تبدو الصورة مُبشرة

 

ويستمر سيل الأسئلة المتخيلة عن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي أشعل النار في بلاده، فلم تنطفئ حتى بمقتله، وعن الرئيس السوري بشار الأسد الذي لو تصالح واعتذر عن مأساة درعا لطوى صفحة حرب أهلية لم تُبقِ ولم تذر؟

رُبما تكون أسئلة موهومة بعد أن تحول "الربيع العربي" إلى خريف عاتٍ، وما حدث كان محتوما، فالغضب الشعبي كان نارا مُضرمة تحت الرماد، هذا إذا ما وضعنا جانبا نظرية المؤامرة المرسومة مُسبقا، والأصابع الخارجية التي رسمت الأدوار وحددت المآلات.

لستُ مغروما بنظرية المؤامرة ولا تستهويني، ولا أدعمها، ولا زلت مُقتنعا أن "الربيع العربي" أجندة وطنية، وما كان ممكنا حدوثه لولا ثورة الغضب الشعبي احتجاجا على غياب العدالة والتهميش وسلطة الاستبداد، وقد تكون الأزمات الداخلية تقاطعت مع رغبات، أو ترقب وغض النظر من أجهزة الاستخبارات الغربية، التي لم تضع فيتو على التغيير، وسهّلت قرار الفرار أو الرحيل لمن كان يعتقد أنه سيبقى أبد الدهر على عرشه.

على كل حال بعد 10 سنوات لا تبدو الصورة مُبشرة، حتى أن مجلة الإيكونوميست البريطانية عنونت تقريرا لها "لا داعي للاحتفال بالذكرى العاشرة للربيع العربي"، الذي خلّف وراءه نصف مليون قتيل، و16 مليون لاجئ، عدا عن حروب أهلية وصراعات لم تضع أوزارها حتى الآن، كاليمن، وسوريا، وليبيا.

 

الثورات لا تُصنع بين ليلة وضحاها، وهذه الصورة غير منصفة لـ "الربيع العربي" بموجتيه الأولى والثانية

 

تونس قد تكون استثناءً عن المشهد؛ فهي في كل المؤشرات الدولية تحظى بمرتبة متقدمة، وخاصة في المسار الديمقراطي، ورغم ذلك قد يكون الواقع مخالفا ومخادعا، فحتى رمز الثورة البوعزيزي لم يعد يلقى رواجا في بلاده، وتُميط جريدة الغارديان اللثام عن أن عائلته هاجرت إلى كندا، ويذهب ابن عمه قيس البوعزيزي إلى القول "كان لقب عائلتنا رمزا للفخر، لكن الاسم يبدو وكأنه لعنة اليوم".

مثيرة نتائج الاستطلاع الذي نشرته الغارديان مؤخرا، ففي ثماني دول عربية عاشت الاحتجاجات سواء عامي 2010-2011 أو حتى 2019-2020، ترى الغالبية أن الأوضاع أسوأ عمّا كان قبل الثورات، ففي سوريا يراها 75 بالمئة أسوأ، و13 بالمئة فقط يرونها أفضل، و12 بالمئة لا يعرفون، وفي اليمن الحال ليس أفضل كثيرا والمتشائمون متقاربون فـ 73 بالمئة يرون الحال أسوأ، و14 بالمئة يرونها أفضل، أما في ليبيا فيعتقد 59 بالمئة أن الوضع أسوأ، والسودان 51 بالمئة يجدونه أسوأ أيضا، وحتى تونس فإن النصف 50 بالمئة يُعلنون أن الوضع الحالي أسوأ، وفي العراق 47 بالمئة أسوأ، والجزائر 42 بالمئة، وفي مصر 38 بالمئة يعتقدون أنها أسوأ.

لا توجد كوة للأمل في عيون الناس، فحين سُئلوا بذات الاستطلاع إن كانوا يعتقدون أن مستقبل أبنائهم أفضل بعد "الربيع العربي" كانت الإجابات الساحقة بأن الوضع أسوأ، بدأت باليمن حيث اعتبرها 87 بالمئة أسوأ، والأقل كانت في مصر 41 بالمئة.

إذن الصورة سوداوية لا تؤشر على تحولات حقيقية غيرت في حياة الناس، فشعارات الميادين بالحرية والعدالة لم ينعموا بها، كل ما في الأمر تبدلت أحيانا وجوه الزعماء في السلطة، والأكثر وجعا ما نشره البنك الدولي عن تكلفة الحروب وفرص النمو الضائعة في بعض الدول العربية في السنوات الثمانية الماضية وبلغت 900 مليار دولار.

الثورات لا تُصنع بين ليلة وضحاها، وهذه الصورة غير منصفة لـ "الربيع العربي" بموجتيه الأولى والثانية، والتاريخ يُعلمنا أن الثورات تنهض ثم تنكسر ثم تُعاود التقدم، وهذا المسار ليس خطا بيانيا يتصاعد فقط، وإنما قد يتعثر ويسقط في الطريق.

لا تُقرأ سيرة "الربيع العربي" بعد عقد من الزمان في تجاهل للثورات المضادة التي تقاطعت مصالح أصحابها، واستطاعت أن تُحيل احتجاجات سلمية أذهلت العالم إلى صراعات مسلحة، وحرّفت مسارها حين "عسكرتها" أو "فرخت" داعش؛ لتُصبح "البُعبُع" الذي يُرهب الجميع، فيُصبح الديكتاتور أو الحاكم المُستبد أفضل وأكثر قبولا من تنظيمات إرهابية ظلامية تأكل الأخضر واليابس.

لم يكن "ربيع العرب" هوية واحدة، وإنما فُسيفساء تُعبّر عن تنوع في الرؤى، فالشارع المُنتفض ضد التسلط والفقر والجوع، لم يكن موسوما بلحية وعمامة مثلا، مثلما لم يُحتكر المشهد بصوت الليبراليين والعلمانيين واليساريين والقوميين، بل كان مزيجا ذابت خلاله الهويات الطائفية والجهوية، وتعالت شعارات التنوير في مواجهة الانغلاق، والاستقلالية لهزيمة التبعية.

أخفقت تجربة "الربيع العربي"، والسياقات التي قادت لهذه النتيجة متعددة، هناك من ينظر إلى أن ما حدث مؤامرة حاكتها أنظمة عربية وغربية، وآخرون يرون أن الإخفاق يعود إلى أن التجربة لم تنضج، والهبّات الشعبية لا تكفي وحدها للنصر إن لم تتكئ على قوى مجتمعية مُنظمة.

مقتل الانتفاضات العربية أنها لم تنجح في توظيف إسقاط السلطة الحاكمة لهزيمة الدولة العميقة الراسخة، وفي ربط مشروع الدمقرطة بالعدالة الاجتماعية، وتوفير رغيف الخبز للناس.

لم تُسدل الستارة، فالتغيير الذي حدث قبل عقد من الزمان تكرر حين انتفضت الناس مجددا في الجزائر، والسودان، والعراق، ولبنان؛ فأسقطت رئيسين، بوتفليقة والبشير، وحاصرت رئيسين أجبرتهما على الاستقالة والرحيل في بغداد وبيروت.

رغم المرارة التي تتجرعها الشعوب العربية في ذكرى 10 سنوات مرت على أحلام "الربيع العربي"، فإن الأمل لا يخبو أبدا؛ فالشعوب استدلت على الطريق وكسرت حاجز الخوف، وتملك قدرة على التحشيد لأن الرقابة التي كتمت أصوات الناس ما عادت ممكنة في ظل ثورة الاتصالات والسوشيال ميديا.

"الشعب يُريد إسقاط النظام" ليس شعارا يمكن أن يطويه النسيان ما دام الظلم ساكنا في الشوارع العربية، والسلطة المُتجبرة تدوس على رؤوس الغلابى، والأمل لن يستحيل سرابا حتى لو تهاوت الحواضر العربية، ففي مدينة مُهملة اسمها سيدي بوزيد لا تزال عربة البوعزيزي ماثلة تُذكرنا أن صرخة احتجاج واحدة غيرت الكثير في التاريخ العربي.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.