زيادة أعداد الإصابات فقط دون زيادة شديدة في معدلات الوفيات قد يكون إيجابياً في نهاية الأمر
زيادة أعداد الإصابات فقط دون زيادة شديدة في معدلات الوفيات قد يكون إيجابياً في نهاية الأمر

منذ بداية وباء كورونا في بدايات عام 2020 اختلفت ردود أفعال الكثيرين فاتجه البعض للتهويل بصورة مبالغ فيها من المرض واتجه آخرون إلى محاولة للتقليل من حجم المشكلة.

ومما لا شك فيه أن الأسلوب الأمثل لفهم حجم مشكلة مثل وباء كورونا هو إتباع المنهج العلمي في التفكير والإحصائيات الرسمية للمرض بدلاً من إتباع آراء البعض دون دليل علمي عليها.

فعلى سبيل المثال دعونا نحلل تبعاً للإحصائيات العالمية كيف تغير وضع المرض بين بداية العام والآن.

في فبراير من عام 2020 كان معدل الوفيات من الفيروس للحالات التي تعالج في المستشفيات أو المعروف نتائجها النهائية هو حوالي 41%. وبنظرة سريعة للوضع الآن فإن معدل الوفاة من الفيروس لمثل هذه الحالات انخفض بنهاية عام 2020 إلى حوالي 2.9 % فقط.

وهذا الفارق الرهيب بين معدلات الوفاة من الفيروس لهذه الحالات التي تم معرفة نتائجها النهائية هو عامل يدعوا للتفاؤل أن العاصفة الفيروسية قد تبدأ في الانحسار قريباً. 

وقد يتساءل البعض وماذا عن زيادة أعداد الإصابات خاصة بعد حدوث الطفرة الفيروسية الجديدة؟

والرد على هذا التساؤل هو أن زيادة أعداد الإصابات فقط دون زيادة شديدة في معدلات الوفيات قد يكون إيجابياً في نهاية الأمر لأن الإصابات البسيطة بالفيروس والتي تكون مثل أدوار الإنفلونزا العادية في شدتها قد تتسبب في تنشيط للمناعة الطبيعية عند الكثيرين مما قد يقلل من احتمالات انتشار المرض ومعدلات الوفاة منه بعد هذه الزيادة في أعداد المصابين.

ومن الجدير بالذكر هنا أن حوالي 99.5 % من المرضى بهذا الفيروس يعانون من أعراض بسيطة لا تحتاج إلى علاج داخل المستشفيات وأن من تكون حالاتهم شديدة وتحتاج إلى الدخول المستشفى لا يزيدون عن نصف في المائة كما جاء في إحصائيات الورلد ميتر. ولا ينبغي أن يدعونا ذلك إلى الإهمال في مقاومة المرض ولكن يدعونا أن ننظر إلى موضوع كورونا بلغة الأرقام والحقائق بدلاً من إتباع أفكار قد تكون مغلوطة عن المرض.

ومن الأمور الأخرى التي اختلفت فيها الآراء هو هل من الأفضل الإغلاق الكامل لكل الأنشطة مثل المطاعم وغيرها وإجبار الناس على البقاء في منازلهم أم أن الأفضل هو فتح الأنشطة والمطاعم وعمل بعض الإجراءات الاحترازية.

 

بغض النظر عن طرافة الإشاعات فإن اللقاحات تعمل في جزء آخر من الخلية ولا تدخل إلى نواة الخلية ولذا فهي لا علاقة لها بالجينات البشرية

 

ومرة أخرى فتبعاً للأرقام المعلنة فإن نسبة حالات كورونا الشديدة التي تحتاج إلى دخول المستشفى هو نصف في المائة على المستوى العالمي وهو حوالي 0.1 % فقط في السويد وهي الدولة التي قررت فتح الأنشطة والمدارس والمطاعم والاعتماد بدرجة كبيرة على اكتساب المناعة الطبيعية بعد التعرض للفيروس بدرجات متفاوتة. 

وبالقطع هناك عوامل عديدة تتحكم في هذا الأمر ولكن هذا لا يجعلنا نغمض الطرف عن أن أسلوب السويد قد يكون في النهاية هو الأسلوب الأمثل في مواجهة المرض.

ونستطيع في هذا المضمار أن نذكر ما تناقله البعض من أن لقاح كورونا الجديد الذي يعتمد على استخدام نوع من الأحماض النووية يسمى حامض "آر إن إيه المرسال" سيتسبب في تغيير الجينات البشرية. واستطرد البعض ليقول إنه سيطيل الآذان وأنه قد يحول الإنسان إلى كائن آخر.

والحقيقة العلمية وبغض النظر عن طرافة الإشاعات في هذا الأمر فإن اللقاحات الجديدة لفيروس كورونا تعمل في جزء آخر من الخلية يسمى السيتوبلازم ولا تدخل إلى نواة الخلية على الإطلاق ولذا فهي لا علاقة لها بالجينات البشرية داخل نواة الخلية ولذا لا تستطيع أن تغير جينات الإنسان.  

ومن هنا يتضح أن فهم وقراءة إحصائيات كورونا والتدقيق في المعلومات العلمية المحيطة به وعدم الانزلاق لكل ما يقوله البعض بدون دليل علمي خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي - هو أمر في غاية الأهمية في مواجهة مثل هذا المرض.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.