كثيرون داخل وخارج المغرب لم يبدوا تفهما للخطوة
كثيرون داخل وخارج المغرب لم يبدوا تفهما للخطوة

تواجه جماعات الإسلام السياسي والإسلاميون عموما معضلة كبيرة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فهم من جهة يريدون المحافظة على صورة "نقية" رافضة لوجود إسرائيل والتطبيع معها، متخندقين في ذلك بالقرآن والسنة، وهم من جهة أخرى براغماتيون من الدرجة الأولى عندما يتعلق الأمر بالسياسة والسلطة والعلاقات الدولية.

وقد وفرت الأيام القليلة الماضية مثالين ساطعين على هذه المعضلة. 

الأول من المغرب حيث وقع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، كما هو معروف، على اتفاقية السلام مع إسرائيل. وقد رد العثماني على الانتقادات التي وجهت له بأنه يضع مصالح المغرب فوق المصلحة الحزبية، خاصة حينما يتعلق بالأمر بالقضايا السيادية.

حزب العدالة والتنمية من جانبه أعلن وقوفه الكامل مع العثماني، وذلك في بيان أصدره عقب اجتماع استثنائي لأمانته العامة، كما أكد الحزب على "أهمية الالتفاف وراء العاهل المغربي في الخطوات التي اتخذها في مجال تعزيز سيادة المغرب على الصحراء، وعلى المواقف الثابتة للبلاد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية".

بطبيعة الحال هناك (داخل المغرب وخارجه) من تفهم هذا الأمر واعتبره نوعا من البراغماتية التي تتطلب المرونة والتعامل وفق خصوصية الواقع المغربي وما يفرضه الموقع الحكومي من مسؤوليات تتجاوز المواقف التقليدية التي قد تصدر من أحزاب المعارضة أو الناشطين السياسيين.

لكن الكثيرين أيضا داخل وخارج المغرب لم يبدوا تفهما للخطوة. وقد دارت سجالات وكتبت مقالات وآراء كثيرة حول هذا الموضوع في المواقع الإلكترونية التابعة للإسلاميين أو القريبة منهم، معظمها عاب على الحزب الإسلامي المغربي موافقته على اتفاقية التطبيع. بل ذهب آخرون مثل عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية في صفحته على الفيسبوك إلى حد اعتبار ما قام به رئيس الحكومة المغربية "خيانة لمبادئه وخطه السابق المعادي للتطبيع"، معتبرا أن هذه الخطوة قد جلبت له "الخزي والعار".

أما عضو المكتب السياسي لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، فقد أكد في تغريدة على حسابه في موقع تويتر: "أصابنا خذلان كبير بتوقيع رئيس الحكومة المغربية وزعيم حزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني للاتفاق، والذي كنا نأمل منه اتخاذ موقف تاريخي مشرف".

فيما اعتبر القيادي في حماس سامي أبو زهري، في تغريدة على حسابه في تويتر، "إننا نعبر عن استيائنا من توقيع العثماني للاتفاق، ونعتبره سقطة كبيرة لحزب العدالة والتنمية مرجعيته إسلامية".


 
حلال على إردوغان


أما المثال الثاني فقد جاء من تركيا، حيث أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان (25 ديسمبر 2020) أن بلاده تريد علاقات أفضل مع إسرائيل، رغم أنه لا يوافق على سياستها تجاه الفلسطينيين. كما أشار إلى أن العلاقات التركية مع إسرائيل على المستوى الاستخباراتي مستمرة ولم تتوقف. 

بالطبع هذا التصريح لم يأت من دون سياق، بل اندرج ضمن خطوات عديدة اتخذتها تركيا مؤخرا لإصلاح علاقاتها مع إسرائيل. فقد أعلنت أنقرة نيتها إرسال سفير جديد إلى تل أبيب بعد سنتين على سحب سفيرها، كما أجرى رئيس المخابرات التركية محادثات في إسرائيل في نوفمبر الماضي، وهذا كله معطوفا على استمرار العلاقات الاقتصادية التي لم تتأثر قط بين البلدين.
 
تصريح إردوغان إذا لم يكن زيادة على الهامش. بل كان في صلب الموضوع. أما الاتيان على مسألة "سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين" التي لا يوافق عليها، فذلك لذر الرماد في العيون فقط، ولكي يقول بأن تحسين هذه العلاقات ليس على حساب الفلسطينيين، وهو الأمر نفسه الذي قالته الحكومات العربية لدى توقيعها اتفاقيات سلام مع إسرائيل، مع الفارق أننا في الحالة التركية نتحدث عن علاقات قائمة وليست جديدة.

الأمر اللافت أن العلاقات التركية الإسرائيلية، تحظى بالقبول والتفهم الكامل من جانب الإسلاميين، وهناك من يتبرع بالدفاع عنها وإضفاء المشروعية عليها، بل ثمة مع يضعها في سياق مختلف عن العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، رغم أنها في المحصلة وكما يعرف الجميع تقوم على نفس الأساس وهو الاعتراف بوجود إسرائيل كدولة والتعامل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي معها.

وبالتالي فمهما حاول الإسلاميون أن يجدوا تبريرا لما تقوم به تركيا، فالتناقض في موقفهم واضح والثقوب تملأ خطابهم.

لكن ما يجعل مهمتهم صعبة ومحرجة في آن واحد، سواء في حالة تركيا أو المغرب، هي أنهم يبالغون تماما في مواقفهم المعادية للتطبيع مع إسرائيل، إذ هم يستخدمون الدين والإرث القومجي الديماغوجي في تخوين خصومهم وتكفيرهم. فهم كمن يصعد أعلى غصن في الشجرة، ثم يجد صعوبة في النزول منه، حينما يفرض عليه الأمر ذلك.

ولو أنهم اتبعوا المرونة والتفهم لربما وجدوا العذر للعثماني كما وجدوا العذر من قبل للرئيس المصري السابق محمود مرسي في تعامله مع إسرائيل، ولما اضطروا للدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه (من وجهة النظر الإسلامية) في علاقة تركيا وقطر مثلا مع إسرائيل! لكنها حسابات الدنيا هنا وليست حسابات الآخرة. والإسلاميون بالذات متمرسون في اللعب على هذه الحبال.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.