سياج حدودي في سبتة  الواقعة على مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا
سياج حدودي في سبتة الواقعة على مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا

تكاد تكون قضية الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية من القضايا المنسية، والتي نادرا ما تتم إثارتها كقضية احتلال استيطاني، إذ ظلت منذ قرون من أبرز القضايا العالقة من عهود الاستعمار القديم.

ورغم أنه لم يسبق أن تمت إحالة قضية سبتة ومليلية على اللجنة الخاصة بإنهاء الاستعمار في الأمم المتحدة، المعروفة باسم "اللجنة الرابعة"، وكون الأمم المتّحدة لا تعترف بالمدينتين كمنطقتين محتلَّتَين، لم يتخلَّ المغرب في أي مرحلة عن إعلانه أن المدينتين مجتزأتان من التراب المغربي، وظل يرفض الاعتراف بالأمر الواقع لصالح إسبانيا. 

تصريح يشعل نيران غضب إسباني

في نهاية السنة التي ودعناها قبيل أيام، عادت قضية سبتة ومليلية، المدينتين الواقعتين على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى واجهة الأخبار، إثر مقابلة تلفزيونية خصها رئيس الوزراء المغربي د. سعد الدين العثماني لإحدى القنوات العربية. وكان الأبرز في المقابلة هو تصريح العثماني نية المغرب فتح ملف المدينتين مع إسبانيا بعد حسم قضية الصحراء، لإنهاء ما يزيد عن خمسة قرون من الاحتلال.

مباشرة بعد هذا التصريح المثير، جاء الرد سريعا من مدريد، غضب واحتجاج عارم شمل الحكومة والأحزاب الاسبانية، ورافقته تحركات فورية، أولها استدعاء السفيرة المغربية بمدريد، السيدة كريمة بنيعيش، من قبل مصالح الخارجية الإسبانية لإبلاغها امتعاض واستياء مدريد من تصريحات العثماني ومطالبتها بتقديم توضيحات في الموضوع.

وكانت فرصة سانحة للأحزاب والحركات اليمينية الإسبانية للهجوم على الحكومة اليسارية التي يقودها الاشتراكي بيدرو سانشيز والمزايدة عليها كي تقوم برد فوري وقوي "ضد من لا يحترمون سيادة ووحدة أراضي إسبانيا".

ويمكن اعتبار تصريح النائبة الأولى لرئيس الحكومة الإسبانية السيدة كارمن كالفو، تصريحا يلخص مجمل الردود الاسبانية على اختلاف مستوياتها، حين قالت إن بلادها "ترفض الخوض في ملف سبتة ومليلية". وأن "المدينتين إسبانيتين"، وأكدت كارمن كالفو أن "الرباط تعرف هذا جيدا"، و"لن تناقش الحكومة الإسبانية هذا الموضوع ولا أحد سيناقشه في هذا البلد".

إلا إن السفيرة المغربية بنيعيش خرجت بتصريح حاسم وأكدت: "إنه لم يطرأ أي تغيير على موقف المغرب في ما يتعلق بسبتة ومليلية ولا نعترف بالسيادة الإسبانية على المدينتين ونعتبرهما محتلتين".

وعلى إثر هذا التوتر الطارئ، تم تأجيل اجتماع اللجنة العليا المشتركة للبلدين بالرباط في السابع عشر من ديسمبر 2020، بحضور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. وألصق التبرير بالوضع الوبائي.

لماذا تؤيد الجزائر الاستعمار؟

جاء هذا التطور اللافت غداة ما أعربت عنه إسبانيا من انزعاج واضح من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعترافه بمغربية الصحراء. وقد ترجمت الدبلوماسية الإسبانية هذا التوجس بالتحرك السريع والتواصل مع الفريق القادم إلى الرئاسة الأميركية بقيادة جو بايدن، بهدف كسب تجميد الاعتراف الأميركي المشار إليه والتراجع عنه.

ويرى مراقبون أن استمرار قضية الصحراء الغربية غاية كبرى تسعى إليها اسبانيا، إذ إن إطالة عمر النزاع الصحراوي أكثر مما مضى، هو أمر يشغل المغرب عن الالتفات إلى الشمال وتطلعه لاسترجاع سبتة ومليلية الموجودتين تحت السيطرة الإسبانية من قرون.

المغاربة يؤاخذون جارتهم الجزائر الشقيقة خروجها عن الإجماع العربي في قضية سبتة ومليلة، ويقولون إن جنرالات الجزائر لا يفوتون الفرصة للتدخل في المدينتين والجزر الجعفرية بوقوفهم إلى جانب المحتل الإسباني

بموازاة هذا التوتر بين المغرب وإسبانيا، طفت على السطح مسألة العلاقات المغربية الجزائرية، وهي العلاقات المتوترة منذ اندلاع حرب الصحراء سنة 1975، ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء.

ومن المعلوم أن منظمة جامعة الدول العربية منذ نشأتها، أعربت دائما عن تأييدها الكامل لمغربية المدينتين، وظلت تؤكد على احترام حقوق المغرب العادلة فى استرجاع سبتة ومليلية. وجاء في خلاصات بياناتها أن الجامعة تتطلع باستمرار "أن تتم تسوية القضية بالحوار الدبلوماسي والطرق السلمية فى إطار العلاقات القائمة بين البلدين وإحكام معاهدة الصداقة وحسن الجوار التى تحكم العلاقات بين البلدين الجارين بما يخدم مصلحتهما ويعزز العلاقات التاريخية بين إسبانيا والعالم العربي".

لكن المغاربة يؤاخذون جارتهم الجزائر الشقيقة خروجها عن الإجماع العربي في هذه القضية، ويقولون إنه بالإضافة إلى تدخل الجزائر في الصحراء الغربية، ودعمها لجبهة البوليساريو الانفصالية، لا يفوت جنرالات الجزائر الفرصة للتدخل في قضية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية بوقوفهم إلى جانب المحتل الإسباني.

الجزائر وكسر الحصار

ومن جهة أخرى، نشرت مؤخرا تقارير صحفية مغربية تحدثت عما سمته بـ"إحباط الداخلية في المغرب، مع جمعيات مغربية وشخصيات إسبانية لتحركات الاستخبارات العسكرية الجزائرية لطمس هوية ومعالم مدينة مليلية المغربية".

في هذا الصدد تحدثت مصادر صحفية مغربية عما وصفته بـ"التصدي لمخطط إطلاق خط بحري جديد بين مليلية المحتلة وميناء "الغزوات" الجزائري (على مسافة 60 ميلا بحريا في اتجاه الشرق)، بهدف التخفيف من وطأة الحصار التجاري المغربي على مليلية.

وكان فيكتور جاميرو، رئيس ميناء مليلية، أعلن في السابق عن خطط  لاستقبال رحلات تجارية بحرية من الجزائر ستبدأ بالشروع في إنشاء خط بحري تجاري جديد يربط مليلية بالجزائر. وهو المشروع الذي يأتي لـ"فك الحصار المغربي على المدينة المحتلة"، وردا على قرار المغرب وضع حد لعمليات "التهريب المعيشي" ومنع دخول السلع إلى إقليم الناظور عبر المعابر الحدودية ببني انصار، في إطار مراجعة وتصحيح وهيكلة المغرب للنشاط الاقتصادي التهريبي الممارس بكل من جوار مليلية وسبتة. غير أن انتشار وباء كورونا كان عائقا أمام استكمال المشروع الذي يتردد أنه سيستأنف العمل في إنجازه مع بداية العام الحالي.

وقد ظل اليمين المتطرف الإسباني ينبه الطبقة السياسية في بلده إلى المخاطر الناجمة عن القرارات الاقتصادية المتخذة من قبل المغرب منذ  سنة 2019 بإلغاء الجمارك التجارية وإنشاء منطقة اقتصادية بمدينة الفنيدق على مقربة من البوابة الحدودية، كلها تصب في خانة "الحصار الاقتصادي" للمدينتين في سبيل استرجاعهما، مستشهدين أيضا بقرار إغلاق الحدود البرية الذي اتخذته الرباط في 13 مارس 2020 بسبب جائحة كورونا.

ونشرت يومية "الصباح" التي تصدر من الدار البيضاء معلومات وصفتها بـ"الدقيقة" من مليلية المحتلة، خاصة عزم الجزائر فتح قنصلية جزائرية ضمن "مخططات تهدف سحب البساط من الوجود المغربي عن طريق عمليات التغيير الديموغرافي للسكان الأصليين". وأن حملة مغربية مضادة للمخطط الجزائري انطلقت "للحفاظ على الهوية المغربية بمليلية المحتلة، شاركت فيها بعض الجمعيات، إضافة إلى رجال أعمال وتجار هددوا بشل الحركة الاقتصادية للمدينة، في حال الاستجابة لطموح جنرالات الجزائر". وأضافت الصحيفة أن الحملة المغربية نجحت في إقناع حاكم المدينة الإسباني، ورئيس هيأة الموانئ بالمدينة المحتلة بالعدول عن التعامل مع الجزائريين، بل "إن مبعوثي استخبارات الجارة الشرقية فوجئوا بأن العمارة التي كانت ستخصص مقرا للقنصلية تراجع مالكها عن كرائها".

من جهة أخرى أوضح التقرير المشار إليه، أن علاقات الإسبان بالجزائر في مدينة مليلية "بلغت أوج ازدهارها، إذ لم يعد يقتصر على المعاملات الاقتصادية، بل امتد إلى الإشراف الديني، خاصة مع الصراعات الخفية وانحياز "الجماعة الإسلامية النور" إلى الطرح الجزائري، والتذمر من بعض الإجراءات، وهو ما استغله الجزائريون في رفع عدد الزيارات وربط علاقات ولقاءات هدفها زيادة التبادل التجاري، ورغبة الإسبان في فتح أسواق جديدة، بعيدا عن محيطي سبتة ومليلية، ولو استدعى ذلك فتح المجال أمام الجزائريين والسماح بدخولهم مدينة مليلية من دون الحصول على التأشيرة، كما هو معمول به مع ساكنة مدينتي الناضور وتطوان، حسب ما تناوله بعض المقربين من دائرة صنع القرار في مليلية المحتلة".

وهو ما اعتبر تصعيدا جديدا من طرف الجزائر في نزاعها مع المغرب، واستمرارا لحدة الصراع بين البلدين الجارين في الجنوب الصحراوي. وهو صراع شامل  يتعدى كل الحدود والضوابط.

وقد استرجع هذا السلوك ما سبق وجرى قبل حوالي عقدين، في ما يعرف بـ"أزمة جزيرة ليلى" عام 2002، حيث أيدت الجزائر الدولة الإسبانية، وسجل بذلك النظام الجزائري، خلال هذه الأزمة، اسمه الوحيد في أفريقيا والعالمين العربي والإسلامي، بمساندته إسبانيا ضد المغرب.

وكانت الخارجية الجزائرية آنذاك، اعتبرت (أن "احتلال" المغرب للجزيرة يعتبر أكبر دليل على أطماعه التوسعية في الصحراء). وهو ما شجبه وندد به جزء هام من الشعب الجزائري.

لقد أثار هذا الموقف الذي تعاملت به الجزائر مؤخرا مع الخلاف المغربي-الإسباني نفس الامتعاض والتنديد الذي خلفه موقفها إزاء "أزمة جزيرة ليلى". 

للإشارة، فإن الجزائر، غالبا ما دعت المغرب في جدالهما السجالي ومزايداتها ضد المغرب، إلى تحرير سبتة ومليلية بدل "سياسة التوسع والاستيلاء على الصحراء".

قلق ومخاوف يتواجد داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية، من صعود الجيشين الجزائري والمغربي إلى مراتب القوى العسكرية الضاربة في منطقة البحر الأبيض المتوسط

مخاوف من سباق التسلح

إذا كان استمرار الصراع ما بين المغرب والجزائر فيه نفع وربح للجانب الإسباني، فإن في تفاصيله الشيطانية تكمن مخاطر غير خفية  ليست في صالح إسبانيا، بل تقوي من توجسات ومخاوف أحزابها اليمينية بالخصوص. وهو الجانب المتعلق بالسباق نحو التسلح بين البلدين الجزائر والمغرب. إذ يحذر بعض أقطاب الطبقة السياسية في مدريد من تفوّق عسكري وشيك من شأنه تهديد أمن واستقرار إسبانيا. وأن الأمر يتطلب رفع ميزانية التسليح ودعم العلاقة مع الولايات  المتحدة لمواجهة التسلّح الجزائري والمغربي.

قلق ومخاوف يتواجد داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية، من صعود الجيشين الجزائري والمغربي إلى مراتب القوى العسكرية الضاربة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن أن يتحول المغرب بتوطيدعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية وتطبيعه مع إسرائيل، إلى الصف الأول ضمن جيوش القارة الأفريقية. وهو أمر خطير بالنسبة لإسبانيا إذا ما وجدت نفسها أمام مغرب يتجه بحزم إلى استرجاع سبتة ومليلية اللتين تعتبرهما إسبانيا جزءا من ترابها ووحدتها الجغرافية وسيادتها التي لا يمكنها التراجع عنها.

وسبق للمغرب، قبل خمسة واربعين سنة، خلال عهد الحسن الثاني أن تقدم بطلب معزز بالوثائق التاريخية والدبلوماسية إلى الأمم المتحدة يخص مغربية سبتة ومليلية. ولا شيء يمنعه من إعادة المحاولة وطرحها على المنظمة الأممية من جديد.

الإسلاميون يطمئنون قلب مدريد!

يستبعد عدد من المحللين السياسيين توجه المغرب حاليا إلى المجتمع الدولي للمطالبة باسترجاع سبتة ومليلية، وأنه حتى الآن ملتزم بالقنوات الدبلوماسية كوسيلة وسبيل لذلك، وأن ما يراكمه المغرب من توفيق في نشاطه الدبلوماسي بخصوص الصحراء سينير طريقه ويمهدها صوب استرجاع سبتة ومليلية، خصوصا وأن حقائق الجغرافيا والأرض تتوازى مع حقائق التاريخ والهوية والوجود، التي لن تصمد أمامها أية دفوعات أو حجج يقدمها الجانب الإسباني.

وبالعودة إلى موقف حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، الذي يقود التحالف الحكومي في المغرب منذ عقد من السنوات، فقد سبق لأمينه العام ورئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران أن طمأن الإسبان من خلال تصريحه: "إن الوقت لم يحن بعد للمطالبة باسترداد مدينتي سبتة ومليلية"، وطالب من مختلف الفرقاء السياسيين في البلاد الابتعاد عما وصفه بـ"المزايدات السياسية" في هذه القضية، مشيرا إلى أن إسبانيا شريك اقتصادي مهم للمملكة.

ولعل عبد الإله بنكيران كان ينهل من معين تخلف علماء الدين في المغرب بعدم خوضهم في الموضوع وإصدارهم لفتوى تخص احتلال سبتة ومليلية وباقي الثغور المغربية المحتلة.
 
لذلك يعتقد بعض المتتبعين أن "خرجة" العثماني في قناة "الشرق" لم تكن مجرد زلة لسان، وإن كان لا يجادل مغربيان في مغربية سبتة ومليلية، ولكنها منظمة ومفكر فيها، بل نكاد نجزم أنه موحى بها للعثماني، فالمعلوم أن السياسة الخارجية لا تدخل في مجال صلاحيات العثماني، بل هي شأن سيادي يعود للسلطات العليا بالبلاد، أي للملك. وأن إثارة قضية سبتة ومليلية في هذه الظرفية، هي مجرد تغطية على التطبيع وتجييش الرأي العام في المغرب، أكثر منها رغبة وإرادة حقيقية يمكن التعامل معها بنفس القلق والتوجس الذي عم الطبقة السياسية في مدريد. مدريد التي نظن أنها تعرف المغرب جيدا. وهي تعرفه حقا.  لكن دقات قلب مدريد ترتفع وتختل كلما لوَّح المغرب بإشارة استرجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية التي تسيطر عليها إسبانيا.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.