بايدن يقول إن موظفين في البنتاغون يعرقلون عملية انتقال السلطة
إيران تختبر ردود أفعال بايدن تجاه تدخلاتها في العراق

من العراق وإليه، تتسارع الزيارات ذهابا وإيابا، وتزداد معها التصريحات والشائعات والتهديدات المتبادلة، واستدعاء لقوات وعتاد جعل العراقيين يحبسون أنفاسهم انتظارا لأزمة تلوح بالأفق أو انفراجة تحافظ على التسوية. حتى الآن وبرغم السقف العالي للتصريحات واستعراضات القوة لم تزل الأطراف المعنية معنية بالتسوية، هذا التمسك ليس بسبب عقلانية مستجدة أو مراجعة لموازين القوة بل لأن التهديدات جدية وحاسمة وغير معروفة الحجم والجغرافيا.
ولأن الجغرافيا الإيرانية مهددة فعليا، ولأن نظام طهران يفضل سلامته في هذه المرحلة، ويراهن على فرصة تفاوضية في المرحلة المقبلة، يمكن القول بأن الأمور ممسوكة إلى حد ما، إلا إذا أخطأ أحد الأطراف أو الأتباع في حساباته، أو إذا كانت الجهة الاخرى ستتصرف من دون الحاجة إلى مبررات كما فعلت فجر الثالث من كانون الثاني العام الفائت.
حتى اللحظة يبدو أن واشنطن تتحفظ على ساعة الصفر، وحدها من يحدد الزمان والمكان، لكنها حذرت طهران وميليشياتها في العراق من أي إعتداء ضد مصالحها يؤدي إلى سقوط ضحايا أميركيين، فالبيت الأبيض الذي رفع سقف التهديدات لم يزل ملتزما ضبط النفس ولم يرد لا على الصواريخ التي تستهدف سفارة بلاده في بغداد ولا على الهجمات التي تتعرض لها قوافل تابعة للتحالف الدولي، كما أنه أعطى أوامر بسحب حاملة الطائرة (نيمتس) من مياه الخليج العربي، ولكن المحير في تصرفات واشنطن أنها عادت واستقدمت مزيدا من القاذفات الإستراتيجية 52 B، كما أكد البنتاغون أن إجراءاته ردعية بعد معلومات بأن طهران تحضر للإنتقام من مقتل سليماني، حيث إتهم مسؤول عسكري أميركي طهران بأنها تحضر لهجمات في العراق وأنه تم رصد تدفقا كبيرا للسلاح، وهذا ما دفع قيادة العمليات المركزية إلى اعتبار التهديدات جدية.
 في المقابل تصر طهران على تجنب المواجهة، ولجأت إلى وسطاء عراقيين وإقليميين لنقل رسائل التهدئة بينها وبين واشنطن، وأظهرت تعاملا جديا مع التهديدات، وسارعت إلى ضبط أتباعها في العراق، وحرصا منها على عدم إعطاء واشنطن ذريعة للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، أو ضد مصالحها في الخارج، خصوصا بعد الهجوم الأخير على السفارة الأميركية، أوفدت قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد بهدف ضبط الجماعات الموالية لها، التي كادت أن تتسبب بمواجهة مع الحكومة العراقية، وعلى ما يبدو أن طهران فضلت نقل كافة قادة الفصائل الولائية إلى أراضيها خوفا على سلامتهم من جهة ومن جهة أخرى من أجل ضمان تعهداتها للحكومة العراقية بوقف استفزازاتهم.

 
ليس مستبعدا أن تكون طهران قد عملت على خطين، الأول دبلوماسي تبنى خطاب التهدئة واتهم واشنطن بالتخطيط لضربها، والثاني عبر بعض الفصائل العراقية غير المنضبطة التي يمكن من خلال القيام باحتكاكات خشنة مدروسة بهدف قياس حجم ردة الفعل الأميركية، ولكن تصرفات هذه الفصائل كادت أن تؤدي إلى مواجهة مع الحكومة العراقية التي بادرت هذه المرة إلى التلويح بما لديها من قوة ولو محدودة بخيار المواجهة، وهذا ما أكده رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بقوله " لقد اتخذت قراري النهائي بعدم السماح بالتجاوز على الدولة ". 
تبدو طهران في سباق مع الوقت، لا تريد استفزاز واشنطن قبل خروج ترامب من البيت الأبيض، لذلك سحبت فكرة الرد حتى لا تدفع ثمنا عسكريا، ولكنها أيضا ستتجنبه مع إدارة بايدن لأنها ستدفع ثمنا دبلوماسيا ومن الممكن عسكريا إذا قامت بما لا يمكن تجاوزه في واشنطن، خصوصا أن إدارة بايدن الديمقراطية تختلف عن سلفه أوباما الذي تغاضى عن اعتقال جنود المارينز في مياه الخليج حفاظا على مسار المفاوضات السرية حينها.


من العراق والله سيستمر حبس الأنفاس، ستتملص طهران من أي احتكاكات قد تستغلها واشنطن، سيستمر قادة الحرس الثوري في إطلاق التهديدات الفارغة، فيما بغداد ستحاول تجنب أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الحالية واللاحقة، إلا إذا قررت طهران أن تنقل أزمتها الداخلية إلى بغداد وتقايض سلامتها باستقرارها. 
 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.