"التاريخ الذي صاغه وأنتجه حاتم علي عبر حكايته التلفزيونية لم يكن يمتاز بسمات المعرفة والموضوعية"
"التاريخ الذي صاغه وأنتجه حاتم علي عبر حكايته التلفزيونية لم يكن يمتاز بسمات المعرفة والموضوعية"

بمعنى ما، كان المُخرج السوري حاتم علي أكثر من "أنتج التاريخ" في منطقتنا طوال ربع القرن المنصرم. فالشعبية الهائلة لثمانية مسلسلات تاريخية طويلة أخرجها حاتم علي ضمن مشروعه الفني خلال هذه السنوات، جعلت منه فاعلاً حيوياً استثنائياً لصياغة وإنتاج وترويج الحكايات والتصورات و"الحقائق" التاريخية الخاصة بمنطقتنا.

حيث تثبتت بفعلها في الذهنية الجمعية العامة لأبناء المنطقة، خصوصاً من أبناء الأجيال الأصغر سناً، وتحولت بالنسبة لقطاعات اجتماعية غير قليلة إلى حقائق مُطلقة وبداهة مكرسة وآليات مُقدسة للتفكير وفهم التاريخ.

مع كل تلك الحقيقة، فإن التاريخ الذي صاغه وأنتجه حاتم علي عبر حكايته التلفزيونية لم يكن يمتاز بسمات المعرفة والموضوعية، ولو بالحد المعقول، الممكن تماماً. بل كان بجوهره وديناميكيات تشييده الداخلية أقرب ما يكون لمضامين كتب التاريخ في المناهج التربوية التي كتبتها وفرضتها الأنظمة الشمولية لدولنا. حيث اللهاث المستميت لتكريس الرومانسية الطهرانية في السردية التاريخية، لتكون في مكان ما مرضية للمخيلة الشعبية الجمعية حول التاريخ، ومن جهة أخرى موائمة للنزعات والإيديولوجيات السياسية للأحزاب القومية والدينية المهيمنة، على الدولة والمجتمع. 

بقول ما، فإن التقييم الأصح لمنتج حاتم علي التاريخي يمكن وصفه بأنه مجرد تحويل للمخيلة الشعبية والسياسية المركزية حول التاريخ في منطقتنا إلى صور وحكايات مرئية ومقولات نمطية في مسلسلاته. 

ثمة خيط غير رفيع مُشترك بين كل ما أخرجه حاتم علي من نوعية تلك مسلسلات التاريخية، التي شكلت مجتمعة مشروعاً واضحاً لقول شيء ما واضح في التاريخ، عبر مختلف عصوره ومستوياته. تالياً، فإن السمات المشتركة بين تلك المسلسلات، تسمح بقول أحكام عمومية حول فكرة ورؤية حاتم علي للتاريخ مع شركائه في تلك الأعمال. 

ففي كل واحد من منتجاته مثلاً، ثمة "البطل" في الفعلة التاريخية، هذا البطل الذي هو ليس مجرد فاعل أو مؤثر على الحدث والسياق التاريخي فحسب، بل يكاد أن يكون هو بحد ذاته "التاريخ"، الذي تدور حوله باقي الأشياء الأخرى.

من ذلك المكان بالضبط، كانت هذه "الشخصيات البطلة" تُرفع لمستويات القداسة في العمل الدرامي، لشدة ما يُلصق بها من سمات حميدة، تجمع الشجاعة بالنبالة والحكمة والإيثار والخُلق الحسن والرِفعة والنزاهة والرؤية السديدة...الخ من السمات المتجاوزة للطبائع العادية للبشر الموضوعيين، لكنها المطابقة تماماً لجنوح وتطلب المخيلة الشعبية لمثل تلك الشخصيات الخلاصية الأسطورية، التي يُشك تماماً بصدقية ما يُروى عنها في المناهج المعرفية الحديثة للدراسات التاريخية. 

الأبطال الخلاصيون في مسلسلات حاتم علي، من الزير سالم مروراً بصلاح الدين الأيوبي وصقر قريش ومحمد بن أبي عامر إلى عمر بن الخطاب والمقاتل الفلسطيني أحمد الشيخ يونس في التغريبة الفلسطينية، كانوا عوناً رهيباً لحاجة المخيلة الشعبية لمثل هؤلاء الأبطال، الأبطال الذين تكون حكاياتهم الأسطورية الرومانسية المفارقة للوقائع بديلاً لما يجب أن يبذله هؤلاء الناس من جهدٍ مُضنٍ في القراءة العقلانية الموضوعية لأحداث التاريخ التي كانت.

فبالضبط كما تكتفي مجتمعاتنا بلوّك السيرة الذاتية والشخصية لقادة سياسيين مثل عبد الناصر والقذافي والأسد ومن يطابقهم موقعاً ودوراً، لفهم كل أحوال البلدان والمجتمعات والظواهر الراهنة، دون أي جهود إضافية للنهل من مصادر وأدوات أخرى لفهم الوقائع الراهنة، فإنها أيضاً تفضل وتُطرب وتكتفي بحكايات الأبطال التاريخيين هؤلاء، لتكون سيّرهم الأسطورية والرومانسية كامل ذخيرتهم عن التاريخ. 

على الدفة الأخرى، فإن الأبطال الخلاصيين في مسلسلات حاتم علي، الذين كانوا يشبهون أبطال السينما الشعبية الهندية أكثر من أي شيء آخر، كانوا يلاقوا تلهفاً نفسياً واجتماعياً للطبقات الاجتماعية الأقل تعليماً والأكثر هامشية في الفعل الاجتماعي، الذين يتلهفون ويندمجون مع الأفلام والمسلسلات التي سُميت في تاريخ السينما بـ"أفلام الدرجة الثالثة"، حيث كان أغلب متابعيها من المقهورين والمظلومين المُحتاجين لرؤية "بطل مُنقذ" عابر لشروط الظواهر والحياة الموضوعية، ليكونوا ببساطة شديدة صورة بديلة ومعوضة عن الحاضر المرير.  

سمات القداسة التي أُصبغت على "أبطال التاريخ" في مسلسلات حاتم علي كانت تمتد لتكون تشيداً فعالاً للقداسة العامة، خاصة بمجتمعاتنا وجماعتنا وهوياتنا الأهلية في التاريخ. فـ"نحن" في مسلسلاته نمتاز عن الآخرين بأننا الطاهرون والصالحون والأنقياء والأخلاقيون، نقابل "الآخر" الذي يمتاز بكل الصفات النقيضة لتلك، وتالياً فأن التاريخ هو صراع مرير بين صلاحنا نحن وطلاح الآخرين.

هذه الـ "نحن العُظمى" التي كانت تنضح في مسلسلات حاتم علي، أنما كانت تجهد لتغييب ثلاثة مستويات من الآخر، حيث تتطلب الرؤية والسردية الموضوعية للتاريخ حضورهم بكل تفاصيلهم الموضوعية إلى جانبنا "نحن". 

 فالـ "نحن العُظمى" في منتجاته خاصة بجماعة الأغلبية القومية الدينية المذهبية في بلداننا، أي العرب المسلمون السُنة، الذين هم التاريخ في منتجات علي، لأنهم ببساطة هُم الـ"نحن"، فيما الآخرون المختلفون قومية وديناً ومذهباً من سكان المنطقة مُغيبون تماماً في سردياته، بالرغم من دورهم المركزي الذي كان في نفس هذا "التاريخ". 

مع هذا التهميش، ثمة تغييب تام لحكايات هؤلاء الذين ليسوا أغلبية مع هذه الأغلبية السكانية، بالذات صراعاتهم المريرة دفاعاً عن مواقعهم وهوياتهم وأدوارهم ومصالحهم. وحيث أن كل الشخصيات "المثالية" التي عُرضت في مسلسلات حاتم علي لها سجلات تاريخية غير حميدة مع الجماعات الأهلية من غير الأغلبية من سكان المنطقة، تنضح بها كُتب سيرهم الذاتية ومروياتهم الخاصة، التي لم يكن لها من مكان فيما عرضه منتج فني. 

نفس التغييب طال المغلوبين والمهزومين من الجماعات الأخرى، سواء أكانوا الأندلسيين أو "الصليبيين" أو البيزنطيين أو الأرمن أو السريان أو حتى يهود البلدان العربية، هؤلاء الذين لم يكن لهم من سمات وملامح ومقولات في مسلسلات حاتم علي، غير صوغهم كتشكيلات آدمية من الشرّ المطلق!. في منتجات علي لن يعثر المرء على حكاية عائلة إسبانية واحدة عانت من الاحتلال العربي/الإسلامي لتلك البلدان مثلاً، أو سكان مدينة إيرانية/فارسية يدافعون عن أرضهم التاريخية...الخ.

هذه بالضبط هي المخيلة الشعبية حول الذات الجمعية، المؤلفة من كتلة متجانسة من البشر المتطابقين هوياتياً، وحيث أنه لا صراعات أو خلافات داخلية فيما بينهم، ويواجهون مجتمعين جماعة أخرى، مؤلفة من مجموعة من الأشرار!. 

لكن المستوى "الأخطر" في هوية أعمال حاتم علي حول التاريخ كانت في الأدوات التسفيرية والتحليلية التي قدمها لتفسير هذا التاريخ. 

فالتاريخ حسب ما عرضه هو صراع مرير بين خير مطلق وما يقابله من شر مطلق. فحسبه، ثمة سمات وقيّم ومُثل عُليا في التاريخ، يدافع عنها شخص أو جماعة ما، بوجه ما يناظرها ويتباين معها، وفقط كذلك.

الأمر الذي يعني بأن التاريخ هو مجال خالٍ من المصالح والمطالب والإيديولوجيات والنزعات المتباينة والمتناقضة والمختلف عليها تماماً. تلك التي لا يُمكن الحُكم عليها قيمياً بأي شكل، وأن الحُكم عليها بهذا الشكل إنما يحول التاريخ من علم معرفي يحاول فقط فهم وتفكيك ما جرى في الماضي عبر أسباب موضوعية، إلى مجرد قصيدة، مديح أكانت أو هجاء، حيث تُطرب المخيلة الشعبية، التي تفضل الزجل على كُتب التاريخ، الرصينة والمُتعبة. 

ثمة تفسيرات متعددة ومركبة لأسباب نزعة حاتم علي تلك، تمتد من نشأته في مركز جغرافي لأكثر صراعات المنطقة حدة، وحياته فيما بعد كنازح ولاجئ، وتمتد لطبيعة المنتج الذي عملت على صياغته، المسلسلات الدرامية الرمضانية، التي تلهث وراء الشعبوية، التي تطلب بالتبسيط على حساب أي شيء كان، ولا تنتهي تلك التفسيرات بطبيعة الأنظمة السياسية التي عمل حاتم علي في ظلالها، ولا حتى المؤسسات التلفزيونية وشركات الإنتاج التي كان يتعامل معها وينتج لصالحها، وحيث أن تلك العوامل هي فقط مجموعة من الشروط المنهكة. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!