"المطلوب هو الدخول في حوار مباشر وسريع من أجل إعلان الالتزام بالاتفاق المبرم فيما يخص الحدود والإسراع في وضع العلامات النهائية لنقاط التخطيط"
"المطلوب هو الدخول في حوار مباشر وسريع من أجل إعلان الالتزام بالاتفاق المبرم فيما يخص الحدود والإسراع في وضع العلامات النهائية لنقاط التخطيط"

تشهد العلاقات بين السودان وأثيوبيا، منذ أواخر شهر نوفمبر الماضي، توترا بسبب انفتاح الجيش السوداني وإعادة سيطرته على العديد من المواقع والنقاط في منطقة الفشقة الحدودية، وهو الأمر الذي اعتبرته أديس أبابا محاولة لاستغلال نزاعها الداخلي في إقليم تيغراي من أجل إشعال صراع حدودي بين البلدين.

الفشقة هي منطقة زراعية على حدود ولاية القضارف السودانية مع إقليم أمهرا الأثيوبي، وتنقسم  لثلاث مناطق هي الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والمنطقة الجنوبية ويشقها نهر باسلام إلى جانب نهري ستيت وعطبرة، وتتميز المنطقة بخصوبة أراضيها التي تغطي مساحة حوالي 251 كيلومترا.

قد ظلت المنازعات بين عصابات الشفتة الأثيوبية والمزارعين السودانيين تنشب من حين لآخر منذ خمسينيات القرن الماضي، بسبب تعدي تلك العصابات على المزارعين وقتلهم  من أجل السيطرة على أراضيهم. غير أن التغول الأثيوبي تزايد بصورة كبيرة، في عام 1995، وهو العام الذي شهد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في أديس أبابا والتي اتهم النظام السوداني الحاكم حينها بالتورط فيها.

منذ ذلك الحين، وفي ظل صمت مريب من قبل نظام الجنرال، عمر البشير، الخائف من تصعيد أديس أبابا لقضية محاولة اغتيال مبارك داخل أراضيها والمنشغل بحروبه الداخلية، توغلت المليشيات الأثيوبية لحوالي 30 كيلومترا داخل الأراضي السودانية وسيطرت على قرابة مليون فدان، كما قامت أثيوبيا ببناء قرى وإنشاء عدد من المؤسسات الخدمية مع تقييد تحرك الجيش والمواطنين السودانيين في المنطقة.

وقال السفير الأثيوبي في الخرطوم، يبلتال أمرو ألمو، في ندوة حول العلاقات الثنائية في ضوء المتغيرات الراهنة عقدت بالخرطوم، في الثلاثين من ديسمبر الماضي، أن المستعمر البريطاني "تحامل على أثيوبيا في ضم مناطق كانت تتبع لأثيوبيا إلى السودان"، وهو قول تكذبه حقائق التاريخ، إذ أن تحديد وتخطيط الحدود بين البلدين تم باتفاق كامل بين حكومة بريطانيا، التي كانت تستعمر السودان وإمبراطور أثيوبيا، منليك الثاني.

تقول وقائع التاريخ، كما يسردها الخبير القانوني في مجال الحدود، فيصل عبد الرحمن علي طه، إن تحديد الحدود "يتم عبر اتفاقيات ثنائية. أو قد يتمخض عن قرار تحكيمي أو قضائي، بمعنى أنه يتم على الورق والصحائف. وقد يسبق التحديد، أو التوصيف الورقي، عملية استقصاء ميدانية للتعرف على الحدود المراد تحديدها. حدث هذا بالنسبة للحدود السودانية -الأثيوبية في العام 1901، حيث ُكلف الميجور قوين بالقيام بهذا الاستقصاء. ورافقته لجنة سودانية أثيوبية".

بعد اكتمال عملية الاستقصاء تم تحديد الحدود في اتفاق بين بريطانيا ومنليك، وصفه الخبير طه بالقول إن "اتفاقية 15 مايو 1902، بين الحكومة البريطانية والإمبراطور منليك حددت الحدود ورقيا. وبالوصف العام في المادة 1 من الاتفاقية، وبموجب الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من النص الإنكليزي، تصبح الاتفاقية نافذة عندما يُخطر الإمبراطور منليك بتصديق ملك بريطانيا. وقد سلم ممثل بريطانيا في أديس أبابا هارنجتون بنفسه تصديق الملك إدوارد إلى منليك، في 28 أكتوبر 1902 .وأصبحت الاتفاقية نافذة في ذلك التاريخ".

منذ ذلك التاريخ البعيد، وإلى يومنا هذا، لا تزال اتفاقية عام 1902 لتحديد الحدود بين الدولتين، صحيحة ونافذة كما يقول طه. ولم يحدث في التاريخ البعيد أو القريب أن طعنت أثيوبيا في صحة الاتفاقية أو نفاذها.

أما عملية تخطيط الحدود بين البلدين، فقد قام بها أيضا الميجور قوين، في 18 نوفمبر 1903، وبناء على تعليمات وزير الخارجية البريطاني، لورد لانسداون (هنري بيتي-فيتسموريس)، قام القائم بالأعمال البريطاني في أديس أبابا كلارك، بتسليم الإمبراطور منليك نسخة من تقرير قوين عن تخطيط الحدود والخريطة المصاحبة له. 

مع هذا الوضوح القانوني للاتفاق الذي تم مع الإمبراطور منليك حول عمليتي تحديد وتخطيط الحدود بين البلدين لا يصبح هناك أي مجال للادعاء بأن أثيوبيا تعرضت لظلم من قبل بريطانيا، ويؤيد هذا الأمر عدم إعلان أديس أبابا تنصلها من ذلك الاتفاق وكذلك امتناعها عن تقديم شكوى رسمية لأي محكمة دولية مختصة بالنزاعات حول الحدود، فضلا عن عدم تصريح مسؤوليها في أي وقت من الأوقات بعدم قانونية سيادة السودان على أرض الفشقة.

من المؤكد، أنه ليس مصلحة البلدين السير في طريق التعبئة ورفع وتيرة التصعيد العسكري و السياسي والإعلامي، ذلك لأنها لن تقود لشيء في خاتمة المطاف سوى المواجهة الشاملة، وهو أمر خطير لا تحتمله الأوضاع في الدولتين أو الإقليم ككل، وبالتالي فإن المطلوب هو الدخول في حوار مباشر وسريع من أجل إعلان الالتزام بالاتفاق المبرم فيما يخص الحدود والإسراع في وضع العلامات النهائية لنقاط التخطيط.

بعد الفراغ من الخطوة أعلاه، وهي ضرورية ولازمة يجب أن تسبق أي حديث عن المراحل التالية، فمن الممكن أن تشرع الدولتان في وضع خطط تتيح للمزارعين الأثيوبيين الفرصة لاستغلال بعض مساحات الأرض في المنطقة عبر اتفاقيات مشتركة للاستثمار الزراعي تعود بالفائدة على الجانبين وتسمح بالتعاون بينهما على المدى الطويل وفقا لرؤية واضحة.

قد بلغت الأمور في الحدود بين البلدين حدا لم تعد تُجدِ معه سياسة التسويف وفرض الأمر الواقع على الأرض، باعتبار أن "طول الجرح يُغري بالتناسي"، حيث وضعت خطوة الخرطوم الأخيرة بالانفتاح على العديد من النقاط الحدودية داخل الأراضي السودانية الأمور في نصابها الصحيح، وأصبح أمام قيادة الدولتين النظر للقضية بحصافة ومسؤولية من أجل اتخاذ القرارات السليمة التي من شأنها الحفاظ على العلاقات التاريخية العميقة والمصالح المشتركة بين الشعبين السوداني والأثيوبي.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.