بلغ ناتجها المحلي 395 مليار دولار عام 2019
بلغ ناتجها المحلي 395 مليار دولار عام 2019

من المفارقات الطريفة أن كلمة "صهيوني" و"صهاينة" تستخدم عند الأغلبية الساحقة من العرب بما فيهم من سياسيين ومثقفين كشتيمة، لكن هذه الكلمة نفسها تعتبر عند المقصودين بها وهم اليهود المؤيدون لدولة إسرائيل مصدرا للفخر، لذلك هم يطلقون تسمية صهيوني على أحزابهم السياسية ومنظماتهم المدنية وشوارعهم ومدارسهم، والسبب في هذا التناقض أن أغلبية العرب الذين يستخدمون هذه العبارة لا يعرفون الكثير عنها لا من ناحية أصلها التاريخي ولا من ناحية مدلولها وتطوره مع الزمن.

فصهيون هو تل في أورشليم القدس يقع جنوب غرب المدينة القديمة، وورد ذكره في عدة أسفار من العهد القديم كإشارة إلى مدينة داوود، ثم أصبح يشير إلى جبل الهيكل، لكن التسمية تستخدم أيضا للدلالة على أرض إسرائيل، ولذلك تم تسمية الحركة التي نشطت في أوروبا في القرن التاسع عشر والتي دعت إلى عودة اليهود إلى فلسطين الحركة الصهيونية، وفي ذلك الوقت كانت فلسطين خاضعة للحكم العثماني ويقيم أغلب اليهود فيها في أربعة تجمعات رئيسية هي القدس وصفد والخليل وطبرية.

وكنتيجة لجهود هذه الحركة أقيم في عام 1883 أول استيطان يهودي "ريشون لتسيون، صهيون أولا" في وسط البلاد والتي أصبحت اليوم رابع مدينة في إسرائيل، أعقبها بعد عام مؤتمر "لمحبة صهيون" في مدينة كاتويتس الألمانية الذي قام بشراء أراضي على السهل الساحلي واستصلاحها وتأسيس بلدة الخضيرة، وفي عام 1897 عقد في بازل سويسرا أول مؤتمر صهيوني برئاسة تيودور هرتزل دعا للهجرة إلى فلسطين، وفي 1909 تم إنشاء أول كيبوتس على ضفاف بحيرة طبرية أطلق عليه اسم دغانيا كما تم تأسيس مدينة تل أبيب، وفي عام 1917 صدر وعد بلفور الذي تضمّن أن حكومة بريطانيا تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي أيار- مايو 1948 أعلن ديفيد بن غوريون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية قيام دولة إسرائيل، أي أن جهود الحركة الصهيونية قد تكللت بالنجاح بعد نصف قرن فقط من أول مؤتمر صهيوني وهو وقت قياسي يدعو للبحث عن أسبابه، إذ رغم أن التاريخ مليء بقصص هجرات الشعوب من منطقة إلى أخرى بحيث أن أغلبها لا يعيش اليوم على أراضيه التاريخية، ولكن المشروع الصهيوني كان مختلفا لأنه بدأ كحلم لمجموعة أفراد نذروا حياتهم في سبيله وعملوا على تحقيقه بإخلاص ونكران للذات.

فقد كان الأثرياء اليهود يقدمون قسما كبيرا من أموالهم في سبيل المشروع الصهيوني بدون ضجيج ودون أن ينتظروا جزاءً أو شكرا من أحد، وفي المقابل في الجانب العربي إذا تبرّع أحد الأثرياء بجزء بسيط من أمواله لشعبه الجائع كان يحرص على أن ينقل الإعلام "مكرمته" تلك، كما كان يعتقد أن من حقّه بأن ينال منصبا قياديا في دولته تقديرا "لكرمه"، أما إذا استثمر جزءا من أمواله في بلده وحقق من ذلك أرباحا طائلة فقد كان يعتبر نفسه صاحب فضل في إعمار بلده وإيجاد فرص عمل للشباب بما يدل على أنه لا يشعر بأنه يقوم بواجبه كواحد من أبناء البلد، كما كان عمل المنظمات الصهيونية شفافا وأغلبه ذو طبيعة تطوعية ولذلك كان محل ثقة الجميع، حيث يعرف المتبرّع أن أمواله ستذهب إلى المكان المقصود، وليست جمعيات ومنظمات تذهب أغلب مواردها رواتب لموظفيها وتحوم حولها شبهات فساد كما هو حال الكثير من المنظمات العربية والتي يتم إنشاء بعضها من البداية كبزنس تجاري.

كما تقدّم الكيبوتسات وهي أهم مؤسسة استندت عليها الحركة الصهيونية أحد الأمثلة عن سبب نجاح المشروع الصهيوني، وهي عبارة عن مزارع أو قرى تعاونية 80 في المائة منها مكتفية ذاتيا وتقوم بإنتاج ما يلزمها، ولا توجد فيها ملكية فردية وتتساوى فيها مكانة ومستوى حياة العاملين بغض النظر عن مؤهلاتهم العلمية أو مهارتهم، ويتم فيها تنشئة الأطفال بشكل جماعي ولا يشاهدهم أهلهم سوى لفترات محدودة، وفي الكيبوتسات كانت تتم عملية الاندماج الثقافي للقادمين الجدد وتعلم اللغة العبرية وأداء الخدمة العسكرية.

والكيبوتسات تعتبر تجربة فريدة اقتصرت على المشروع الصهيوني ولم توجد في أي مكان آخر والصور والشهادات التي خرجت منها كانت توحي بحياة قريبة من اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة التي يذوب فيها الفرد في الجماعة ويقوم بما يستطيع للدفاع عنها وتحقيق ازدهارها، ومن الكيبوتسات خرج الكثير من قادة إسرائيل الأوائل مثل بن غوريون وموشي ديان وشيمون بيريز، ونتيجة هذا النجاح فقد اجتذبت هذه التجربة الفريدة  مئات آلاف المتطوعين من مختلف بلاد العالم للمشاركة في معسكرات صيفية فيها، ولكن في ثمانينات القرن الماضي تراجع دور الكيبوتسات وطرأت تعديلات كبيرة على الحياة داخلها تتناسب مع تطور العصر.

 كما أن دولة إسرائيل بعد ولادتها لم تكن هذا الكيان الضعيف، وكان جيشها تحديدا مثالا واضحا على تفوقها، فقد خاضت معها الدول العربية التي تفوقها عددا بعشرات الأضعاف عدة حروب وكان مصير هذه الدول الهزيمة وراء الهزيمة، التي كان يتم تبريرها في كل مرة بكذبة مختلفة، ففي حرب 1948 كان سبب الهزيمة الأسلحة الفاسدة وفي حرب 1967 كان السبب "انتظرناهم من الشرق فأتونا من الغرب"، في ادعاء كاذب يقول أن طائرات بريطانيا وأميركا شاركتا في هذه الحرب، أما فيما بعد في حروب 1973 و1982 وتموز 2006 ومعارك غزة، فقد توصل العرب إلى نتيجة مفادها أن الأفضل هو ادعاء الانتصار بالحرب بدل الاعتراف بالهزيمة ثم محاولة إيجاد مبررات لها.

وسبب هذه الانتصارات ليس الدعم الخارجي كما يكرر باستمرار الإعلام العربي، بل لأن إسرائيل تنتج بنفسها الكثير من أسلحتها خصوصا الأجزاء المتطورة والدقيقة، وحتى الأسلحة التي تشتريها من الولايات المتحدة فهي تدخل عليها تحسينات تجعلها أكثر قوة وفاعلية، كما أن مكان قائد الوحدة في الجيش الإسرائيلي دوما في المقدمة ويشير لجنوده بأن يتبعوه ولذلك فإن خسارة إسرائيل من الضباط مرتفعة، بينما يختبئ قائد الوحدة في الجيوش العربية في موقع محصّن في المؤخرة ويصدر أوامره لجنوده الذين تتم سرقة مخصصاتهم وطعامهم ورواتبهم بالهجوم، لذلك من الطبيعي أن يبحث الشباب العربي عن أي طريقة للهروب من الخدمة في الجيش حتى لو دفعوا في سبيل ذلك أموالا طائلة.

كما كانت إسرائيل معجزة حقيقية في النواحي العلمية والاقتصادية، إذ رغم صغر مساحتها وقلة مواردها الطبيعية ومناخها الجاف فإن متوسط دخل الفرد فيها غير بعيد عن دول الغرب، كما بلغ ناتجها المحلي 395 مليار دولار عام 2019، كذلك يحاول العرب إرجاع ذلك إلى الدعم الخارجي، لكن المساعدة الأميركية السنوية لإسرائيل هي بحدود 3.3 مليار دولار وهو رقم ضئيل مقارنة مع ناتجها الوطني، بينما في المقابل هبطت على الدول العربية من السماء ثروة النفط التي بلغت قيمتها عشرات تريليونات الدولارات ولكنهم أضاعوها على مغامرات عسكرية وشراء زعامات وصراعات بينيّة ومظاهر بذخ فاحش.

فما هو سر نجاح المشروع الصهيوني ولماذا تمكّن من بناء دولة قوية مزدهرة خلال فترة قصيرة، هل هي الآليات الديموقراطية حيث مازالت إسرائيل لليوم واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، بينما بقية الكيانات السياسية في الشرق الأوسط لم تتجاوز بعد مرحلة الطائفة والقبيلة، ولذلك تفكك بعضها وبعضها الآخر على الطريق، أم أن امتزاج مجموعة ثقافات من مختلف مناطق العالم في إسرائيل قد أدّى إلى هذا الغنى الفكري والثقافي والحضاري، بينما تسعى الدول المحيطة بها للتحول إلى مجتمعات "متجانسة" من لون واحد عرقي أو طائفي مما جعل الفشل يحاصرها من جميع الجهات، ولذلك ربما من الأفضل على العرب والفلسطينيين بشكل خاص دراسة الحركة الصهيونية والاستفادة من تجربتها الناجحة  بدل الاستمرار في  ترديد كلمة صهيوني بشكل آلي ودون تفكير كشتيمة.
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.