مشهد درامي مُربك وقعت أحداثه أمام مجلس الأمة في الأردن، فبينما كان رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة يهم بإلقاء بيانه الوزاري لنيل ثقة مجلس النواب، ويؤكد بشكل صريح لا يحمل اللبس على "ملاحقة المُعتدين على حقوق الإنسان دون تهاون" كان رجل أمن يمنع نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة من الدخول إلى البرلمان رغم محاولات العديد من النواب لإقناعه أن لا مُبرر لرفضه، وتمسك النواصرة بحقه باطلاع مُمثلي الشعب على تفاصيل قضية نقابة المعلمين.
انتهى المشهد بدخول النواصرة ولقائه بلجنة التربية والتعليم في مجلس النواب، ولكن دهشة السؤال عن الحقوق البسيطة جدا لأي مواطن ظل صداها يتردد خاصة حين تُطلق الحكومة شعاراتها وتعهداتها بصون الحقوق.
قبل هذه الحادثة بأيام، كان قاضي محكمة صلح في عمّان يُصدر قرارا قضائيا بحل نقابة المعلمين وما يتبع لها من مجلس نقابة، والهيئة المركزية، والفروع، وكذلك بسجن كل أعضاء مجلس النقابة لمدة عام بجرم التأثير على الانتخابات، والتحريض على التجمهر غير المشروع، بالتأكيد هذا القرار يُمكن الطعن به وليس باتّا ونهائيا.
تداعيات قضية نقابة المعلمين كانت وما زالت الأكثر إشكالية وتأزيما في المشهد الأردني في عامي 2019 و2020، وهي قضية ورثتها حكومة الخصاونة من الحكومة الراحلة التي قادها الرئيس عمر الرزاز، وتفاصيلها منذ فض اعتصام المعلمين بالقوة عام 2019، مرورا بتوقيفهم مع بدايات جائحة كورونا العام الماضي تشي بحالة حقوق الإنسان في البلاد.
هذه القضية لم تغب عن التقرير السنوي الذي أصدره المركز الوطني لحقوق الإنسان مؤخرا، ويوثق الحالة الحقوقية لعام 2019، ويرصد -رغم تأخر صدوره- الانتهاكات التي وقعت، ويُقدم توصياته لمرجعيات الدولة للنهوض وتكريس نهج حقوق الإنسان.
ما يُميز تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان أنه يصدر عن مؤسسة وطنية أنشأتها الدولة؛ وبالتالي لا يُمكن الطعن أو التشكيك بتقاريرها، أو العمل على شيطنة العاملين والعاملات فيه وتخوينهم مثلما يتعرض الناشطون والناشطات في مؤسسات المجتمع المدني.
يصدر تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان كما يقول في مقدمته "في ظروف بالغة التعقيد والحرج على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والعالمية، والتي تُلقي بظلالها على حالة حقوق الإنسان بكل تأكيد، إذ لا يستشعر المواطن تقدما ملموسا في المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والإنتاجية، ويُساور الشك معظم شرائح المجتمع من المستقبل القادم الذي تلوح في أفقه نُذر الغموض والتشاؤم".
التقرير -كما يراه مُعدوه- "إحدى أدوات التقويم لمسيرة الدولة على الصعيد التشريعي والتنفيذي؛ بما يُساعد هذه المؤسسات على أن تكون متلائمة مع المعايير الإنسانية المُعتمدة من منظور حقوق الإنسان".
تتسلم كل سلطات الدولة هذا التقرير سنويا، وأحيانا تُصدر الحكومات تعليمات مُشددة بأهمية الاستجابة لتوصياته، ولكن الحقيقة المُرّة أن الانتهاكات ذاتها تتكرر، وربما تتزايد، ويستمر الإفلات من العقاب.
في الصورة العامة لا تبدو الدولة الأردنية بحكوماتها المتعاقبة مُعادية لحقوق الإنسان، وقد تكون أكثر الدول العربية تجاوبا مع التوصيات الأممية في ميدان حقوق الإنسان، ولا تغيب عن محافلها ومؤتمراتها، والإشكالية لمن يقترب من الصورة أكثر أن خطابات العلاقات العامة الناعمة وتحسين السمعة، والقرارات الكثيرة التي تصدر على الورق لا تُنفذ على أرض الواقع، ولا تحتكم السياسات والممارسات الحكومية لنهج حقوقي يُرشدها.
أنجز مركز الحياة-راصد في شهر فبراير من العام الماضي 2020 مراجعة للخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان التي أقرت عام 2016 وحتى 2025، وتبين في التقييم أن الحكومة أنجزت من خطتها 21 بالمئة، و36 بالمئة لم تبدأ بتنفيذها، و43 بالمئة جارٍ تنفيذها، وبمراجعة توصيات الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان التي وافق عليها الأردن عام 2018 في مجلس حقوق الإنسان في جنيف يظهر أن الحكومات المُتعاقبة رغم مرور عامين لم تُنفذ سوى ثلاث توصيات من أصل 149 توصية حسب تقرير رقابي أصدره مركز حماية وحرية الصحفيين، و45 لم تُنفذ إطلاقا، و101 توصية قيد التنفيذ ولا يُعرف إن كان سينتهي إنجازها قبل موعد المراجعة الدورية القادمة سنة 2022.
في خطاب الثقة الذي قدمه الرئيس الخصاونة قبل أيام أمام البرلمان، ثمانية التزامات فقط مُتعلقة بحقوق الإنسان ودعم القضاء، وخمسة أخرى متعلقة بالإعلام والشفافية، من بين 157 التزاما وثقها مركز الحياة-راصد، والمُثير للغرابة أن الحكومة التي تتعهد بالشفافية والانفتاح والتواصل مع وسائل الإعلام لم تتحرك أو تُصدر موقفا حين جرى توقيف الصحفي جمال حداد قبل أسبوع، بقرار من مدعي عام محكمة أمن الدولة، وعلى خلفية مقال صحفي يتضمن تساؤلات يطلب من الحكومة الإجابة عليها.
تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان وتوصياته اختبارٌ لجدية حكومة الخصاونة في احترام حقوق الإنسان وتكريسها كنهج، ومن الضروري إعطاء الحكومة الجديدة فرصة لتلتقط أنفساها وتُراجع ملفاتها ووثائقها، ومن المهم أن يكون تقرير المركز الوطني على رأس أجندتها.
في التقرير جديد قديم يتكرر، فالتوقيف الإداري المُستند لقانون منع الجرائم الموجود منذ عام 1954 تزايد حتى بلغ 37853 موقوفا وموقوفة مقارنة بـ 37685 في عام 2018، وحتى التوقيف القضائي توسع ليصل إلى 45516؛ مما اعتبره التقرير إهدارا لمبدأ قرينة البراءة، وإخلالا بمعايير الحق في المحاكمة العادلة.
يُعرّج التقرير إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فيُشير إلى القصور في الحق بالصحة، وتدني الخدمات الطبية في المراكز الصحية، ويُنبه إلى مخاطر تزايد أرقام الفقر والبطالة.
التقرير يتضمن بالتفصيل ما توصلت له لجنة تقصي الحقائق في اعتصام المعلمين الذي نُفذ في شهر سبتمبر عام 2019، ويستخلص أن السلطات اعتمدت الحلول الأمنية بديلا للحلول التوافقية، وأن استخدام القوة لم يستند لمُبررات موضوعية مثل تهديد النظام العام.
وسط التوثيق المُقلق للانتهاكات، يُضيء التقرير أيضا على التوجهات الإيجابية في قضايا المرأة، وخاصة التعديلات التشريعية المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية، والقانون المُعدل لقانون العمل، كما وثق السياسات الداعمة لحقوق الطفل، وتحديدا إطلاق الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، وكذلك الأمر ما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة.
فاقمت جائحة كورونا من أزمة حقوق الإنسان في كل مكان، ولا يبدو الأردن استثناءً من الصورة، فالحريات والحقوق الشخصية تعرضت لقيود تحت ذريعة حماية الصحة والسلامة العامة، ولهذا فإن صدور تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان في هذا التوقيت الذي تتسلم به حكومة بشر الخصاونة سلطاتها الدستورية قد يكون الشمعة التي تضيء الطريق بدلا من الاستمرار في لعن الظلام، وعلى الحكومة أن تُثبت بالأفعال وليس بالأقوال أن حقوق الإنسان ليست شعارات للتصدير والمتاجرة، بل هي في صُلب قيمها وسياساتها ومُمارساتها، وأنها ستلتزم بتعهداتها الوطنية والدولية.
بين يديّ حكومة الخصاونة تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان وتوصياته باعتباره خارطة طريق لتحسين حالة حقوق الإنسان، فهل ستعتبره هاديا ووثيقة مرجعية لأعمالها، وهل ستُضيء شمعة في درب حقوق الإنسان أم تستمر في سياسات مواربة، وتمضي في شراء الوقت، وكل حكومة تُرّحل إلى من يخلفها إرثا من الإخفاقات في الإصلاح السياسي والحقوقي؟
لن نتعجل في إصدار الأحكام على حكومة الخصاونة، ونعلم أن رئيسها خبير في القانون وسيادته، وسننتظر حتى ينجلي غُبار الثقة؛ لنرى متى سيوضع ملف حقوق الإنسان على طاولة التنفيذ؟

