فيديو لحسن نصرالله يعود لعام 2016 يهدد فيه إسرائيل باستهداف مخزون نيترات الأمونيون  في حيفا
.

في كلمته في الذكرى السنوية الأولى لمقتل الجنرال قاسم سليماني، عدد أمين عام حزب الله حسن نصرالله مكامن "قوة" لبنان، وأعادها إلى "المقاومة وسلاحها". قال إن لبنان قوي بسبب هذا السلاح وتمكن عبر هذا السلاح من حماية نفسه، وأنه ما كان ممكناً أن يصل إلى نفطه وغازه من دون سلاح المقاومة. 

والحال أن كلام نصرالله لم يثر ذهولاً إلا في أوساط خصومه ممن اعتادوا واعتدنا على ذهولهم في كل إطلالة لخصمهم. لكن لماذا لم يؤد كلام نصرالله إلى صدع في علاقته مع جمهوره؟ ذاك أنه انطوى على استخفاف فعلي بذكاء مستقبليه! أين يمكن أن نعثر على أثرٍ لـ"قوة لبنان"؟ وأين تمكن لبنان من حماية نفسه؟ وهل صحيح أنه سيتمكن من أن يصل إلى نفطه وغازه في ظل الفساد والمحاصصة اللذين يحميهما سلاح المقاومة؟

نصرالله تحول إلى "رادود" يستعين في أراجيزه الخطابية بمخزون صار فعلاً مادة بالية ولا تقنع طفلاً، لكن لكلامه صدى يجب البحث عن أسبابه. فالرجل أكثر شخصية في لبنان وربما في الإقليم يعتمد عليها خطاب "الممانعة والمواجهة" لصياغة لغة "المحور"!

لبنان في أضعف أيامه بسبب سلاح المقاومة، ولبنان عاجز عن حماية مواطنيه في منازلهم، بسبب سلاح المقاومة، ولبنان لن يتمكن من الوصول إلى نفطه وغازه، بسبب سلاح المقاومة. بإمكان نصرالله أن يقلب الحقائق، ولن يجد من يحد من ميله هذا، ذاك أنه يخاطب وعياً يعيش انفصالاً ونكراناً للواقع. صحيح أن مستقبلي الخطاب في تناقص، لكنه تناقص بطيء وليس بحجم المفارقة، فما يحد منه شقاق أقوى منه. من يطربهم كلام نصرالله يستعينون على خوائه بهذا الشقاق. وأن يسلموا بخوائه فهذا يعني خواء الفصام الذي رسمه لهم وما عادوا يجيدون شيئاً غيره.

في مقابل ما يعيشه أهل "المحور" من خواء، ثمة خواء موازٍ، هواء خواء أهل خصوم "المحور"، وهؤلاء فقدوا، جراء الذواء المأساوي لخطابهم، اسمهم وتعريفهم وصفاتهم. صاروا خصوم نصرالله، وخصوم "المحور". لا يملكون تعريفاً سياسياً سوى هذا التعريف، ولا يجيدون لغة ثالثة يقدموا عبرها أنفسهم. وهنا تماماً مكمن قوة خطاب الخواء الأصلي، ذاك أنه تمكن من تثبيت خصوم وهميين، وجعلهم أصناماً يسدد عليهم سهام خطبه، وهذه مهمة لا تتطلب عقلاً ولا رشداً ولا موازنة بين الممكن وغير الممكن. الخصوم يقولون إن لبنان مهدد بسبب سلاح المقاومة، فنرد عليهم بأن لبنان قوي بسبب سلاح المقاومة. لا حاجة للعقل هنا! غرائز الانقسام تكفي لتثبيت المعادلة. هذا ما يفسر تمسك نصرالله بخصومة، وتلويحه باصبعه في وجه من قال: "كلن يعني كلن"، وذلك حين ظهر من يريد المواجهة من خارج الشقاق ومن خارج الانقسام. فأن نجرد المعادلة الوهمية التي صاغها، والمتمثلة بأن لبنان "بلد قوي"، من خصومٍ مذهبيين وسياسيين، فهذا يعني بقاءها لوحدها في العراء في مواجهة حقيقة أنها لا تتعدى إرجوزة انقضى زمنها ولم تعد تقنع أحداً.

لكن على رغم السياق المنطقي الذي يجعل من مفاتحة اللبنانيين بأن بلدهم "قوياً" أمراً ممكناً في ظل الانقسام، يبقى أن جرأة استثنائية يحتاجها هذا القول. "لبنان قوي"! هذا استنتاج لا يستدرج ضحكاً وهزءاً، ذاك أن صاحبه قادر على تحريك أمم وشعوب! علينا إذاً أن نتجاوز الذهول إلى التأمل في أحوالنا. بعد انهيار مالي غير مسبوق، وانفجار هو الأكبر في التاريخ، وعجز عن تشكيل حكومة، وفشل هائل في مواجهة جائحة كورونا، جاء من يقول لنا أن بلدنا قوياً، ووجد قائل ذلك من يصفق له، ومن يهدد المتحفظين عليه. 

وحين تجد هذه المعادلة المذهلة سياقاً "منطقياً" لها، فهذا يعني أن الناس لم تعد معنية بحجم الكارثة التي تُلم بها بقدر اكتراثها بما يمثله اعترافها بوقوع الكارثة من هزيمة للوجدان المذهبي. فهل يعقل أن يقول نصرالله غير الحقيقة، حتى لو قال أن لبنان قوياً؟ ربما كان بحوزته ما ليس بحوزتنا، وربما يعرف ما لا نعرفه عن "قوتنا"، وربما ما نشعر به ليس جوعاً، ولكن شُبه لنا!

الجوع على الأبواب يا سيد، وسلاحك لا يمكن أن يتحول خبزاً ودواءً، والنفط الذي تبشرنا به لن نستخرجه، في وقت باشر عدوك وعدونا في استخراجه بعد أن أكمل عملية تلقيح مواطنيه ضد وباء كورونا، فعن أي قوة تتحدث، وبأي نصر تبشرنا ونحن في ظل سلاحك عاجزون عن تشكيل حكومة تلملم من يمكن لملمته من فساد وفشل وهزائم.       

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.