ترامب رفض إدانه أفعال أنصاره بشكل واضح
.

"الكل يرتكب أخطاء إنما فقط العقلاء يتعلمون من أخطائهم"، قول لرئيس الوزراء البريطاني الراحل، وينستون تشرشل، يحمل دروسا لدونالد ترامب، وهو في الأيام الأخيرة لرئاسته، وتحيطه صور الانهيار السياسي والشعبي لمناصريه في الكونعرس، واستقالات بالجملة من إدارته.

ترامب ظن أنه أكبر من الديمقراطية الأميركية وحاول التلاعب بنتائج الانتخابات التي خسرها بأكثر من عشر ملايين صوتا أمام جو بايدن. وحين فشل في القضاء، وابتزاز حكام الولايات، وفي الإعلام، توجه إلى الشارع وتهيأ له أنه "الزعيم" وأن هيبته ستكسر ديمقراطية بعمر الديمقراطية الأميركية وعقوده المالية ستقنع النواب ونائبه مايك بنس، بتغيير النتائج. 

وما هي إلا دقائق بعد إعلان مايك بنس بأن الدستور والناخبين وليس أي شخص في موقع السلطة يقرر النتيجة، وإذ بمناصري ترامب يقتحمون أبواب الكابيتول بهدف إيقاف الجلسة وإشاعة الفوضى وإنقاذ زعيمهم. المشهد كان غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة. عصابات بعضها بمظهر من جاء من الأدغال، وآخر محمل بقنابل مولوتوف وأسلحة وأعلام من التاريخ الكونفدرالي العنصري وحتى شعارات نازية وقمصان عليها تمجد معتقل "أشفيتز"، نجحوا في استغلال الانهيار الأمني في محيط الكابيتول وإيقاف الجلسة لخمسة ساعات.

نجاح "الغوغاء" في تدنيس رمز الديمقراطية الأميركية هي التي قصمت أعلنت نهاية ترامب. فالهيبة والقوة التي حاول إحاطة نفسه بها لأربع سنوات انهارت أمام صفعات الكونغرس، فوز بايدن بمباركة جمهورية، تجميد حسابات ترامب في مواقع التواصل الاجتماعي، استقالة وزراء ومسؤولين في البيت الأبيض، اعتقال 68 من مناصريه وتحقيق للأف.بي.أي ووزارة العدل لن يستثني أحدا وقد يطال الرئيس نفسه بعد خروجه في 20 الجاري.

ترامب راهن وجازف بالكثير لوصوله الرئاسة وخلال رئاسته. فمن أحداث شارلوتسفيل التي رفعت شعارات النازية في 2017، وحتى أحداث ميشيغان ومحاولة خطف حاكمة الولاية غريتشين ويتمر، امتنع ترامب عن انتقاد مناصريه. لا بل حرضهم في الكثير من المرات على كسر القانون، تهديد منافسيه، ضرب الإعلام والصحافيين، بهدف البقاء في السلطة.

أحداث الكونغرس هي نقطة تحولية لكل ذلك. فالجمهوريين أدركوا وللمرة الأولى ربما خطورة ترامب على المؤسسات الأميركية وأن شبح الأنظمة السلطوية من الشرق الأوسط إلى بيلاروسيا لم يعد غريبا على الولايات المتحدة. الأحداث أيضا حركت العصا القانونية والإعلامية والسياسية ضد ترامب، الذي تراجع تحت الضغوط وأقر للمرة الأولى ليل الخميس بخسارته السباق. 

ترامب يبدو اليوم نمرا من ورق، وهو محاصر سياسيا ومهدد قانونيا بدعاوى في نيويورك وأخرى قد تطاله من واشنطن بعد خروجه من الحكم. حتى الشخصيات المقربة منه مثل وزيرة الثقافة المستقيلة بيتسي دي فوس والسناتور ليندسي غراهام، أكدوا في بياناتهم بأن ترامب شوه أي انجازات رئاسية قام بها بسلوكه في الأسابيع الأخيرة وصولا لنقطة الانحراف يوم الأربعاء.

ماذا يبقى؟ الكونغرس قد يتحرك ويعزل ترامب مرة أخرى وإذا وافق مجلس الشيوخ هذه المرة فهذا سيمنعه من الترشح مرة أخرى. إلا أن الأعباء القانونية التي تنتظره قد تحيل دون ذلك، وهو قد يصدر عفوا عن نفسه في الأيام المقبلة يحصنه فدراليا إنما ليس من دعاوى نيويورك.

الغوغاء الذين اقتحموا مبنى الكابيتول حطموا هيبة ترامب قبل أي شيء آخر. الديمقراطية الأميركية أعرق ومؤسساتها أضخم من أن يكسرها ترامب. هذه نهاية مأساوية للجمهوريين وفرصة أمام بايدن لترميم الانقسام الأميركي في مرحلة ما بعد ترامب. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!