تركيا تعتبر نفسها بأنها "شريكة استراتيجية" لمجلس التعاون الخليجي
العلاقات التركية القطرية أحد الملفات التي تم تجاهلها في المصالحة الخليجية

ثمة قراءات مختلفة لما جرى في القمة الخليجية قبل أيام، بين من يعتبره مجرد مصالحة سعودية قطرية وبين من يعتبره مصالحة خليجية وإن بالتدريج، وبين من يرى أنه لا يعدو أن يكون بالون اختبار، إذا نجح فيمكن البناء عليه وإذا فشل فسوف تعود الأمور إلى سابق عهدها.  

مصالحة شاملة أم جزئية؟

لكن أيا تكن حظوظ هذه القراءات من الصحة، فإن الحقيقة الواضحة هي أن ما أعلن في هذه القمة كان إنجازا كبيرا، يسجل للدبلوماسيتين الكويتية والأميركية، لا سيما أن جميع دول الخليج، إضافة إلى مصر، وقعت على بيان قمة العلا الذي ينص على طي صفحة الخلافات وعودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. وهو أمر لم يكن من الممكن تصور حدوثه قبل أسابيع قليلة فقط. 
وإذا كان من المبكر في هذه المرحلة الحديث عن السيناريوهات الأكثر إيجابية، لا سيما عودة العلاقات الطبيعية وفتح الحدود والأجواء واستئناف تنقل المواطنين وما شابه، فإن السؤال الذي يظل أكثر إلحاحا هو ما الذي حدث وأدى إلى هذا الاختراق الكبير في العلاقات الخليجية؟ وهل تم الاتفاق على تسوية ما بشأن المبادئ أو المطالب التي رفعتها الدول المقاطعة لقطر، بحيث لا تعود القضايا التي بنيت عليها تثير المشاكل وتعكر صفو ما تم الاتفاق عليه؟ أم أنه تم تجاوز تلك المطالب واعتبارها جزءا من الماضي، مع تغير الديناميكيات والمعادلات الإقليمية والدولية؟  وهل تم تقديم تعهدات مكتوبة أو شفوية بتغيير النهج والسياسات التي أدت إلى القطيعة؟
يصعب القطع بما تم التوصل إليه قبل القمة من اتفاقات بين قيادات السعودية وقطر، وما إذا كانت هناك تفاهمات لإنهاء الخلاف لم تتطرق إليها وثائق القمة؟ إلا أنه من الطبيعي توقع حدوث مثل ذلك في مثل هذه الحالات. وهناك عدد من المجالات التي يتوقع أن تشملها مثل هذه التفاهمات. 

الموقف من الإخوان المسلمين

يعتبر الدعم القطري الرسمي لجماعات الإسلام السياسي وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين ومن ضمنها حركة حماس، في صلب الخلاف القائم بين الدول الأربع وقطر. ولا يمكن تصور حدوث مصالحة حقيقية، في حال استمر الدعم القطري للإخوان والذي يتخذ أشكالا متنوعة ما بين توفير الملاذ الآمن إلى الدعم المالي والسياسي المباشر، إلى تمويل الشبكات الإعلامية والمراكز الدعوية.
أقول من الصعب تصور استمرار ذلك في الوقت الذي تصنف فيه السعودية والإمارات والبحرين ومصر الإخوان جماعة إرهابية، بل وتعتبر نفسها في حالة حرب معها. ليس من المستبعد إذن مطالبة قطر بالحد من هذا الدعم أو على الأقل منع قادة هذه التنظيمات الموجودين على أراضيها أو من يتلقون الدعم المالي منها من ممارسة أنشطة موجهة ضد الدول الأربع. وليس من المستبعد أن تكون قطر قد أبدت تفهما لهذه المطالب.
وقد كان لافتا على نحو خاص أن جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يتخذ من الدوحة مقرا له، قد سارعوا جميعهم في يوم القمة نفسه إلى إصدار بيانات تؤيد المصالحة الخليجية، وذلك لقناعتهم بأنهم معنيون مباشرة بما يجري.
بالنسبة للعلاقات مع تركيا والوجود العسكري التركي في قطر، والذي كان أيضا مثار خلاف مع الدول الأربع، يبدو أنها لم تعد قضية إشكالية واعتبرت ضمن المسائل السيادية. وهذا التحول جاء بسبب تغير موقف أنقرة، التي سعت في الفترة الماضية إلى التقارب مع السعودية ومصر وتحسين العلاقات مع إسرائيل.

توجهات إدارة بايدن

هذا ينقلنا بدوره إلى الصورة الأكبر التي تتم فيها هذه المصالحة، وأقصد بذلك وجود إدارة أميركية جديدة في البيت الأبيض. ما يميز إدارة بايدن الديمقراطية، هو ليس فقط مقاربتها المختلفة عن إدارة ترامب لقضايا المنطقة بشكل عام ولكن أيضا موقفها المعلن من بعض الدول وبعض النزاعات.
فليس خافيا أن الرئيس بايدن وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالأوتوقراط بسبب تفرده بالسلطة وانتقد ممارساته تجاه الأكراد وقال بأن عليه أن يدفع ثمن ذلك. كما اقترح على الولايات المتحدة أن تدعم المعارضة التركية للإطاحة بأردوغان في أية انتخابات قادمة.
وهذا هو السبب الذي جعل تركيا تهرول إلى تحسين علاقتها بخصومها السابقين.
كذلك أعلنت إدارة بايدن أنها تعتزم العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وإن لم يكن واضحا بعد ما إذا كانت تعتزم القبول بالاتفاق السابق أم التفاوض على اتفاق جديد يأخذ بعين الاعتبار مخاوف وهواجس دول المنطقة من السياسات الإيرانية.  
ثمة تأكيد واضح أيضا من إدارة بايدن بأنها تريد رؤية نهاية قريبة لحرب اليمن، وهناك حديث متزايد عن عودة الولايات المتحدة للعمل الدبلوماسي المكثف في المنطقة واعتبار الالتزام بحقوق الإنسان معيارا للحكم على سياسات الدول.
بعبارة أخرى، ثمة إدارة جديدة في البيت الأبيض ودول المنطقة تسعى لإعادة ترتيب بيتها الإقليمي على النحو الذي يقوي من أوراقها في مواجهة التحديات التي قد تفرضها توجهات هذه الإدارة. ويمكن اعتبار المصالحة الخليجية محاولة في هذا الاتجاه. دون أن ينفي ذلك أيضا وجود عوامل محلية وإقليمية ساعدت في حلحلة الأزمة الخليجية.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.