A woman stands outside Notre-Dame de l'Assomption Basilica in Nice on October 31, 2020, to pay tribute to the victims two days…
من يدعم الإرهاب؟

في العقود الماضية رأينا ورأى كثيرون إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة يأخذ العديد من الصور. فرأينا تفجيرات عملاقة على غرار الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، ورأينا تفجيرات انتحارية في لندن وأسبانيا وفرنسا، ورأينا عشرات آلاف من الأبرياء يتم ذبحهم بأيدي الإرهابيين في العديد من بقاع العالم.  

ويتجلى أمامنا أهم سؤال هنا، ألا وهو من يدعم هذا الإرهاب ومن يساعده على الانتشار؟

الرد السهل على هذا السؤال هو أن من يدعم   الإرهاب هم هؤلاء الذين يدعمونه مالياً ولوجستياً بمساعدة الإرهابيين على الحصول على سلاح ومعلومات تساعدهم على عمل العمليات الإرهابية!

ومما لا شك فيه أن الدعم المالي واللوجيستي للإرهابيين هو أحد وسائل دعم الإرهاب ولكن الحقيقة المرة هي أن هؤلاء يقومون بدور في دعم الإرهاب ولكن هناك آخرون يقومون بدور ربما كان أكثر خطورة من هذا النوع من الدعم.

فكل من يدعم ويروج الفكر الداعي للإرهاب مثل ما جاء في حديث البخاري "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، أو حديث "لقد جئتكم بالذبح"، أو مبدأ قتل إنسان بحكم الردة أو قتل إنسانة أو إنسان بحد الرجم - يدعم مبدأ الوحشية التي تفرخ وتنتج الإرهاب! ومن الجدير بالذكر هنا أن ما ذكره البخاري في هذا الشأن يتعارض تماما مع صريح القرآن الكريم والذي أعلن بوضوح عن حرية الفكر والعقيدة كما قال في محكم آياته " فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (سورة الكهف آية 29).

كل من أصدر فتاوى تبيح قتل المفكرين مثل فتوى الغزالي التى أباحت للمتطرفين قتل شهيد الكلمة والفكر الراحل فرج فودة هو أيضاً أحد داعمي الإرهاب

وبالإضافة إلى ماسبق فإن من يروج أويقبل قتال غير المسلمين على الإسلام أو الجزية أو القتل ويستبيح سبي النساء بإسم الإسلام يدعم الإرهاب! وكل من بجعل حرمة دم المسلم في منزلة أعلى من حرمة دم المسيحي أو اليهودي أو غير المسلم أياً كان دينه – فهو يضع أحد الأسس الفكرية التي تنتج الإرهاب.

من لايدعم تغيير الفكر والمناهج التعليمية التي تحارب الفكر المتطرف وتدعوا لقبول الآخر وتنشر مبادئ الخير والرحمة والإنسانية هو أيضاً – ولو بصورة غير مباشرة- يدعم الإرهاب!

وكل من يؤيد شيوخ التطرف وأفكارهم يشارك أيضاً في جريمة دعم الإرهاب. وكل من يضطهد المصلحين والمفكرين الدينيين مثل المستشار أحمد عبده ماهر وإسلام البحيري والراحل نصر حامد أبو زيد وغيرهم ممن يريدون عرض مفهوم جديد للإسلام يقاوم به التطرف والعنف والكراهية - هو في حقيقة الأمر يدعم الإرهاب!

وكل من أصدر فتاوى تبيح قتل المفكرين مثل فتوى الغزالي التى أباحت للمتطرفين قتل شهيد الكلمة والفكر الراحل فرج فودة هو أيضاً أحد داعمي الإرهاب. فلولا هذه الفتوى لما قتل فرج فودة!

وكل من يرفض إصدار فتوى أو فتاوى ردة أوأحكام ردة بحق الإرهابيين - مثل داعش وغيرها – هو أيضاً يدعم الإرهاب!

وكل من يصمت ولا يدين العمليات الوحشية والهمجية باسم الدين مثل إلقاء مواد حارقة على غير المحجبات ومثل قتل المثليين بوحشية ومثل قبول العنف ضد المرأة وضربها بإسم الشريعة - يساعد بصورة أو بأخرى على خلق فكر العنف الذي يغذي فكر الإرهاب

وبالإضافة إلى كل هؤلاء فإن من لايدعم تغيير الفكر والمناهج التعليمية التي تحارب الفكر المتطرف وتدعوا لقبول الآخر وتنشر مبادئ الخير والرحمة والإنسانية هو أيضاً – ولو بصورة غير مباشرة- يدعم الإرهاب!

وأخيراً وليس آخراً، فإن من يمجد الفكر المتطرف ويباركه على شبكات الإعلام أو في الصحف فهو الآخر يشارك في عملية دعم الإرهاب. ولا أقصد بهذا السياق أي شيء غير إثارة انتباه البعض أو الكثيرين إلى أن عملية دعم الإرهاب لا تقتصر فقط على دعم الإرهابيين بالمال والعتاد، بل أن لها عدة صور تحتاج أن نراجع أنفسنا حتى لا نكون من داعمي الإرهاب ونحن لا ندري! 

ومعرفة النقاط السابقة له أهمية خاصة إذا ما أردنا مواجهة الإرهاب في جميع محاوره وليس فقط في بعده المالي أو اللوجيستي. 

وللحديث بقية!
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.