المصالحة مقدمة لنشر مناخ أجواء السلام وما يجلبه من استقرار عام
المصالحة مقدمة لنشر مناخ أجواء السلام وما يجلبه من استقرار عام

أثمرت الجهود الحثيثة والوساطات العربية والغربية الحميدة أخيراً، في إيقاف واحدة من الأزمات الحادة التي امتدت إلى ما يقارب ثلاث سنوات بين كل من قطر من جهة، والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى، وأسفرت عن إيقاف المقاطعة مع قطر، ومصالحة معلنة تكرست في بيان "العلا" الصادر في ختام القمة الخليجية التي عقدت في العلا بمنطقة المدينة المنورة يوم الخامس من يناير الجاري .

أي مصالحة هي خيرٌ عام، أياً يكن الضرر الذي قد يقع على بعض الأطراف الجانبية الخبيثة، الخفية أو المعلنة، التي استفادت من هذا الخصام ونشطت في خلفيته، وأججت نيرانه أو حفرت لزيادة تصدعه.

أي مصالحة مرحبٌ بها، وهي مقدمة لنشر مناخ أجواء السلام وما يجلبه من استقرار عام على أصحاب الشأن، وشعوبهم وشعوب المنطقة والملفات الساخنة العالقة، فضلاً عن كل مايستتبع أي استقرار من فرص للانتعاش الاقتصادي والتنموي.

في استرجاع السنوات الثلاث الماضية من تاريخ هذه الأزمة، تحفل الذاكرة بمحطات كثيرة شهدت تطرفاً في سوء العلاقات بين الطرفين وتبادل الاتهامات والقرارات القاسية. وهي ذاكرة جماعية تراكمت بفعل الإعلام الخاص المرتبط بكلا الطرفين، اللذين أشهرا عبره هذه الأزمة للعلن، واستخدماه كمنفذٍ صوتي حاد، وذراع طيعة خدمت أجندة كل منهما. 

بسبب ثرائها كدول نفطية، وفهمها العميق لأهمية ودور الإعلام محلياً وعالمياً، تمكنت هذه الدول  المعنية منذ سنوات بعيدة، من امتلاك أكبر المنابر والمؤسسات الإعلامية العربية ذات التأثير في الشارع العربي، مثل محطات التلفزة  والصحف الورقية والمجلات والمنصات الرقمية ومؤسسات الإنتاج الدرامي التي تتبع لها في سياساتها العامة، وهو ما سهل على طرفي الأزمة سبل ترجمتها عبر هذه المنابر، وتسييس المحتوى الإعلامي المتعلق بها.

من المجحف القول أو التعميم بأن كل من يعمل في هذه المنابر الإعلامية التابعة لأحد طرفي هذه الأزمة، كان متورطاً في المشاركة به أو متبنياً له أو منحازاً أو مساهماً في ترسيخه.

كما أنه من المجحف ماتعرضت له بعض الأقلام الإعلامية المحايدة من خارج هذ الأزمة وغير المرتبطة بمؤسساتها، إذ لوحظ أن عين الرقيب السياسية التابعة لأحد طرفي الأزمة، قامت بعملية فرز من جانبها، وصنفت بعض الأسماء المحايدة كمناهضين محتملين لها. بحيث بدا انتقاد السياسة المصرية على سبيل المثال ولسبب ما يتعلق بمصر ذاتها، يُحتسب منتقدها على أنه موالٍ خفي للمحور القطري، أو يخدم الأجندة السعودية لو قام بانتقاد ما للسياسة التركية، وهكذا دواليك.  

في الوقت عينه، لايمكن تجاوز بعض الأقلام المأجورة التي مرت على هامش هذه الأزمة،   ووضع الخطوط الحمراء تحت أسمائها، وإشارات التعجب من قابليتها المرنة على التلون، ومساءلة نزاهتها واستقلاليتها الإعلامية.

وهم نماذج لمأجورين، وجدوا في كل زمان ومكان عبر التاريخ، تغويهم أكياس الذهب والفضة التي يجود بها أصحاب الشأن، فينشطون في تسخير أقلامهم، مدحاً له وهجاء لأعدائه، أو ينقلبون مع تبدل الأحوال ورياح السياسة، لخدمة الجهة المضادة، بمقدار مايتكدس أمامهم المال ويتضاعف.

في حالة  الأزمة الخليجية التي انتهت بمصالحة، وإن كان من الطبيعي العثور دوماً على الأقلام المسخرة لخدمة أحد الطرفين في المنابر الإعلامية اليومية سريعة الأثر، إلا أنه كان من المؤسف أن يطال تسييس المحتوى الإعلامي، الشق الإبداعي-الفني منه،  وبخاصة في حقل الدراما، التي تعتبر تعبيراً إبداعياً طويل الأثر وشديد التأثير، يصعب  التبرؤ منه أو محو التصاقه الوثيق بالسيرة الذاتية لأصحابه، وكان يمكن تلافي السقوط في فخ تسييسه، بقراءة مسبقة متعمقة ولماحة للمحتوى وحساسية التوقيت، والتضحية بالإغراء المالي، إكراماً واحتراماً لأهمية استقلالية الدراما ودورها الثقافي ما أمكن. 

ما تقدم كان يخص حالة الخصام، التي تفترض استخلاص الدروس المستفادة لخدمة أجواء المصالحة والسلام، وهي دروس تخص المتورطين آنفي الذكر أعلاه، وتتعلق بنزاهة واستقلالية الأقلام وجميع الأطراف التي تحابي أية حالة خصام أو نزاع، خدمة لحساباتها البنكية.

أما فيما يخص المصالحة بذاتها، يفترض منطق الأمور أن الدروس السياسية التي شكلت أبسط الخسائر قد تم استخلاصها والبناء عليها، والالتفات جدياً لترميم الخسائر المعنوية والأهلية التي تراكمت وكانت أكثر نفاذاً بكثير.

تبنى المصالحات على الثقة المتبادلة وأسس متوازنة وعادلة وثابتة وذات استدامة، تنجو من اختراقها أو تقويضها بالمقدار الذي يُحكم فيه بناؤها. على أمل أن تشمل هذه الأسس المصالحة الخليجية الأخيرة لخير الجميع، والتي تفترض إعادة النظر في السياسات الإعلامية المستقبلية، لحفظ ماء وجه الإعلام أولاً، وعدم توريطه كما حدث.

وإن كان لابد من إقحام الإعلام أو بعض وسائله، وهو أمر شائع في كل بلدان العالم، أن ينطلق برؤية جديدة وعقلانية، تخدم المجتمعات العربية وشعوبها التي أتخمت بالأزمات المتلاحقة، وتحتاج إلى لقمة العيش والاطمئنان والتنمية في هذا الزمن العسير.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.