من المستغرب أن يطلق القادة الروس العنان لانتقاد مؤسسات الدولة الأميركية
من المستغرب أن يطلق القادة الروس العنان لانتقاد مؤسسات الدولة الأميركية

مما لا شك فيه أن أحداث اقتحام أنصار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته مبنى الكابيتول هيل ستترك أثرا عميقا على الحياة السياسية الأميركية بالعام، وعلى الحزب الجمهوري بالخاص، إلا أن المجتمعات الديمقراطية المتنوعة والتي تحتكم إلى سلطة القانون والمساءلة والمراجعة قادرة على تصحيح مساراها، هذه طبيعة الديموقراطيات العميقة المتحركة وفقا لخصوصياتها المجتمعية والاقتصادية والسياسية. لكن من المستغرب أن يطلق القادة الروس العنان لانتقاد مؤسسات الدولة الأميركية ويغلفوها بغطاء النقد والتحذير من مستقبل الولايات المتحدة والتخوف من حرب أهلية.

من الملفت الانتقادات التي وجهها سكرتير الحزب الشيوعي غينادي زوغانوف الذي لم يزل في منصبه منذ سنة 1993 وحتى الآن دون أن يقوم الحزب بمراجعة لسياساته ولحضوره بعد خسارته السباق الرئاسي سنة 1996، زوغانوف لم ير في اقتحام مبنى الكابيتول إلا تجرع واشنطن للسم الذي زرعته للخلاص من عدة أنظمة معادية لها، وعلق قائلا "لقد كانوا هم الذين أطلقوا الثورات الملونة، خلال خمسين عامًا نفذوا ثلاثين، إن لم يكن أكثر، لقد أطاحوا بالزعماء في شمال إفريقيا ويوغوسلافيا وأطاحوا بحكومة طبيعية في أوكرانيا، وكانوا قد ذهبوا إلى بيلاروسيا العام الماضي. حسنًا، الآن يدفعون ثمنها "، هاجس الثورات الملونة وارتدادها على واشنطن جاء أيضا على لسان رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما ليونيد سلوتسكي الذي اعتبر "أن الاضطرابات في مبنى الكابيتول هيل التي أوقفت الإقرار الرسمي للأصوات الانتخابية في الكونغرس تلقي بظلالها بالتأكيد على عملية الانتقال الديمقراطي للسلطة بأكملها فكما نرى، ارتداد " الثورات الملونة "في فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي تعود إلى الولايات المتحدة وكل هذا يهدد بالتحول إلى أزمة نظام القوة الأميركية في القرن الجديد".

 مواقف المسؤولين الروس المضخمة من حادثة الكابيتول هيل، تأتي في سياق محاولة تغطية الروس لقلقهم على مستقبل العلاقة مع واشنطن بعد استلام الرئيس المنتخب جون بايدن السلطة في عشرين الشهر الحالي، حيث من المحتمل أن تواجه موسكو سياسة ضغط استراتيجي من قبل واشنطن تختلف جذريا عن كيفية تعاطي إدارة دونالد ترامب مع سياسات التوسع الروسي، وتؤدي إلى انخراط أميركي أكثر في جوار روسيا الإقليمي الأوروبي والآسيوي، مع احتمال التصعيد في ملفات جمهورية قرغيزيا في آسيا الوسطى وبيلاروسيا بعد تصاعد المعارضة ضد السلطات القريبة من موسكو في هذين البلدين، إضافة إلى ملفات شائكة أخرى أبرزها انخراط أكثر لواشنطن في أزمة أوكرانيا مع استلام انطوني بليكن وزارة الخارجية والذي دعا سابقا إلى تسليح أوكرانيا. كما أن مناطق ما وراء القوقاز (جورجيا، أرمينيا وأذربيجان) ستكون أحد عوامل التشنج ما بين البلدين، حيث ستزيد من أعباء الأمن القومي الروسي ومن كلفة حماية المصالح الروسية والنفوذ المتصدع في هذه المنطقة.
 
المأزق الجديد الذي ستواجه روسيا من بحر قزوين إلى البحر المتوسط هي في إرضاء أنقرة، التي ستعود إلى لعبة الابتزاز من أذربيجان إلى ليبيا مرورا بسوريا حيث تزداد حاجة الكرملين إلى لاعبين إقليميين غير موثوقي الموقف، وقد تختلف تقديراتهم مع الإدارة الجديدة إذا قررت الانخراط أكثر في منطقة الشرق الأوسط خصوصا في سوريا التي سيكون تحجيم الدور الروسي فيها أولوية أميركية، وهذه أحد العوامل المقلقة للكرملين الذي فشل في انتزاع بعض التنازلات من الإدارة الراحلة التي تتهمها بعض الأوساط السياسية الأميركية بمهادنة روسيا، فيما لا يستبعد الكرملين بأن تستخدم الإدارة الجديدة كافة أدوات الضغط من أجل انتزاع تنازلات روسية حقيقية في سوريا وإن لم تنجح فإن من المحتمل أن تستمر عملية الاستنزاف الطويلة.

التصريح الروسي الأبرز حول أحداث واشنطن جاء على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا التي قالت إن "الأحداث في واشنطن تظهر أن العملية الانتخابية الأميركية قديمة ولا تلبي المعايير الحديثة وعرضة للانتهاكات" وأضافت "نتمنى أن ينجو الشعب الأميركي الودود من هذه اللحظة المأساوية في تاريخه بكرامة". المضحك المبكي في تصريح زاخاروفا أنها توّجه انتقادات لنظام انتخابي برغم ما فيه من شوائب، إلا أنه يضمن تداول السلطة وتطوير المؤسسات، فيما قامت بلادها في العام المنصرم بتعديل دستوري يضمن للرئيس البقاء في السلطة حتى 2034 دون القدرة على محاسبته على إخفاقات الفترة السابقة وفشل إدارته في تحسين حياة الروس.
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.