الجيش العراقي أطلق عملية الأسد المتأهب في شمالي البلاد ضد داعش في مارس الماضي
"يمثل الكاظمي طيفاً واسعاً من النخبة السياسية والحزبية والعسكرية العراقية، الذين يُمكن إدراجهم في خانة "عُباد الجيش""

في كلمته الاحتفالية بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجيش العراقي قبل أيام قليلة، أطلق رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، فيضاً من عبارات المديح والتمجيد والافتخار والتقديس بالجيش العراقي، صانعاً من الاحتفالية أجواء تشبه خطابات قادة الانقلابات العسكرية التقليديين وفضاءات زعماء الأنظمة الشمولية.

فعل الكاظمي ذلك في دولة تغرقُ مع مجتمعها الداخلي في كل أشكال الخراب: فشل اقتصادي مُريع، يفرز يومياً آلاف العاطلين عن العمل، يعيشون تحت هيمنة المئات من الفصائل الميليشيوية الطائفية، التي تمارس عُنفاً أهلياً ونهباً عاماً دون حدّ، مع قروح مريعة في الذاكرة الجمعية للجماعات الأهلية، المُتخمة بدماء سُفكت فيما بينها طوال عقود كاملة، وعلى جنبات ذلك مُدنٌ مُدمرة وملايين من المهجرين وضحايا لا يُعدون ولا يُحصون.

تذهب كل الدلائل والمعطيات والشواهد إلى أن الجيش العراقي كان فاعلاً ومنفذاً حاضراً في كل هذا الخراب العراقي طوال قرن كامل مضى. فقد كان هذا الجيش العراقي يُعيد إنتاج نفس الأنماط من السياسات والأدوار في الحياة العامة العراقية، خلال مختلف مراحل وأنظمة حُكم الدولة العراقية، التي كانت بالضبط مجرد مزيج واضح من الانقلابات على الحياة السياسي وقيادة جماعة أهلية عراقية ما للفتك بأخرى، اقتراف مقبرة جماعية هنا وتشييد سجون سرية هناك.. إلخ. 

تكررت أفعال وأدوار الجيش العراقي تلك بشكل نمطي ورتيب. وحيث أن تكرار وتطابق أفعالها، إنما يثبت وجود بنية وهوية داخلية واضحة لهذا الجيش، لا يمكن تغليفها أو ردها أو تبريرها بوجود نظام سياسي أو زعيم شمولي حكم العراق خلال فترة ما من هذا القرن. فالجيش العراقي بهذا المعنى إنما هو ذات فاعلة بنواته وكينونته الصلبة، تتغير بعض ملامحه وعقائده ورموزه وخطاباته الظاهرة بين مرحلة وأخرى، لكنه، جوهراً، يبقى نفس الكائن الذي أنتج طوال مراحله الأفعال نفسها. 

ما فعله الكاظمي هو القفزُ "البسيط" فوق كل ذلك: التبرئة المُطلقة للجيش العراقي من كل هذه التركة الجهنمية، وكأنه كان خارج الزمن والفاعلية إلى أن وصل العراق لما هو عليه. 

يمثل الكاظمي طيفاً واسعاً من النخبة السياسية والحزبية والعسكرية العراقية، الذين يُمكن إدراجهم في خانة "عُباد الجيش"، إذ تراكمت أفكارهم وتنظيماتهم وخياراتهم العامة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الآن، المتمركزون حول مؤسسة الجيش العراقي، التي يرونها حامياً وضامناً وحيداً لوحدة واستمرار الكيان العراقي، الكيان الذي يحفظ لهذه النُخبة مواقعها المتمايزة اجتماعياً واقتصادياً وسلطوياً ضمن هذا الكيان، مقابل غضهم النظر تماماً عن أي شيء قد يقترفه هذا الجيش، بحق البلاد وسكانه الداخليين.

في عهده الملكي، نفذ الجيش العراقي انقلابين عسكريين. أطاح أولهما، الذي قاده بكر صدقي عام 1936، بكل الحياة السياسية المدنية في البلاد، بعد أن كان الضابط العسكري نفسه قد اقترف "مذبحة عامة" بحق أبناء القومية الآشورية في "بلدة سيمل" شمال البلاد قبل ثلاثة سنوات فحسب.

الانقلاب الثاني، هو الذي قاده الضابط ذو الميول النازية، رشيد عالي الكيلاني عام 1941، لكن حُسن طالع العراقيين وحده من أنقذهم من براثنها، بفضل الاحتلال البريطاني. بين الانقلابين وبعدهما، كان الجيش العراقي في الزمن الملكي يقضي بين فينة وأخرى على الحركة القومية الكردية، وفقط عبر محق المقاتلين وقصف وتفريغ القُرى الكردية في منطقتي السليمانية وبارزان من سكانها المدنيين. 

في عهد عبد الكريم قاسم، تفتحت براعم سلطة الجيش العراقي بمذبحة العائلة المالكة، ومن ثم دشنوا ثقافة سحل جثث المعارضين في الشوارع، واستقروا على اجتراح شراكة الجيش دموية بين ضباط الجيش وطبقة "الرعاع".

العسكر القوميون، الذين انقلبوا على قاسم بعد خمسة سنوات فحسب، أعدموا قاسم وصحبه في مبنى الإذاعة، وما أن غسلوا أياديهم من جثته، حتى بطشوا ببعضهم البعض، وفي الطريق استمروا في حروبها الأبدية تجاه الشعب الكردي لتطويعه.

عساكر البعث، الذين انقلبوا على شركائهم القوميين عام 1968، عملوا كمدحلة عامة محقت كل شيء في طريقها، من تصفية كل الضباط القوميين، مروراً بحرب أهلية مغلفة، ضد "القواعد الشيعية" التي كانت توالي الحزب الشيوعي العراقي، وأضافوا المتدينين الشيعة إلى القوميين الأكراد في هواية "الإبادة الجماعية"، التي ما وفرت الأسلحة الكيماوية وقصف المدن مروراً بالحصار حتى الموت العام. 

في عهده الأخير، بعد العام 2003، كان الجيش العراقي كائناً وحشياً لحماية هيكل الدولة الطائفية، لتكون طيعة وترعى ولاء/تابعية الدولة العراقية بكاملها لدولة أخرى، منفذاً تفاصيل ما يُطلب منه كجهاز تنفيذي لما ترسمه وتفرضه الأحزاب الطائفية الحاكمة.

 لم يرَ الكاظمي في كل ذلك أي موجبات لإعادة التفكير بهوية وأفعال الجيش العراقي، وربما الاعتذار الرمزي، ولو لمرة، لأنه القائد العام لهذا الجيش، خصوصاً وأنه القادم من عالم الثقافة والمعارف وحقوق الإنسان وإحصاء المجازر الجماعية التي نفذها هذا الجيش. لكنه، مثل غيره ممن قد يأتي لحُكم هذه البلاد، لن يفعل ذلك، لأنه يمس جوهر وعيهم ومصالحهم ومواقعهم في هذا الكيان العراقي. 

فالجيش العراقي الذي تأسس قبل قرن من الآن، إنما تكوّن كنواة حُكم سابقة للتأسيس الرسمي النهائي للدولة العراقية نفسها. كان هذا الجيش يتألف من نُخب عسكرية خارجية، خولها الاحتلال البريطاني مهمة الحفاظ على الدولة العراقية، التي أسسها البريطانيون من تركيب جغرافي وأهلي شديد الغرابة وحتى التنافر عن بعضهم البعض.

بقيت هذه المهمة والهوية كثيرة الأصالة والفاعلية في بنية الجيش العراقي على الدوام، كذات تعتبر نفسها حارساً على سياج كيان لا حدود لتركيبه الغرائبي، وفي سبيل ذلك مستعد لفعل كل شيء، بما في ذلك قتل سكان مدينة كاملة كسيمل الآشورية أو حلبجة الكردية بين ليلة وضحاها. 

كذلك كان هذا الجيش سدنة لهيمنة جماعة أهلية عراقية ما على الأخريات من الجماعات الأهلية، وعلى البلاد. كان العرب السُنة التشكيل التقليدي الذي حفظ لهم الجيش مكانتهم تلك لأكثر من ثلاثة أرباع قرن، العرب الشيعة بعد العام 2003 أخذوا المكانة نفسها، ومارس الجيش مهامه التقليدية ذاتها، كحافظ لتمايز مكانة جماعة أهلية عراقية على الأخريات. 

بهذا المعنى، وحتى يحافظ الجيش على مكانة "جماعته" الاهلية في سدرة حُكم البلاد، فإنه ما توقف بتاتاً عن خوض حروب أهلية مقنعة. 

فوق الأمرين، فإن الجيش العراقي كان على الدوام المؤسسة الأكثر عطالة في بلدٍ كثير النفط. فزيادة الموارد، منذ أربعينيات القرن المنصرم، دفعت مختلف السلطات الحاكمة للبلاد لتحويل الجيش إلى أكبر فضاء لاستيعاب البطالة الريعية المقننة، هذا الاستيعاب الهائج دفع الجيش لأن يكون غولاً من الضباط والعناصر الشعبويين، الذين كانوا يُفرغون فائض قوتهم وبطالتهم في حروبهم الإقليمية أو مذابحهم الداخلية. 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.