تم توجيه 70 اتهاما حتى الآن وتوقعات بارتفاع هذا العدد
تم توجيه 70 اتهاما حتى الآن وتوقعات بارتفاع هذا العدد

كنت في البداية سأكتب العنوان على النحو التالي: "القراءة الشرقية للديمقراطية الأميركية"، ولكن رأيت أن مصدر الإشكالية في هذه القراءة/ القراءات لما يحدث مؤخرا في الولايات المتحدة، أنها تصدر عن رغبة ابتداء؛ ثم تُسَاق الشواهد والمُؤكِّدات؛ بغية إثبات صدق الرغبة؛ وكأن هذا الإثبات النظري الرغبوي المُمَاحِك، كفيل بتحويل مُجْرَيات الأحداث الواقعية من حال (يرفضه القارئ الرغبوي) إلى حال آخر (يتماهى معه القارئ الرغبوي)؛ بينما الواقع يؤكد أن "الرغبات والأحلام والأمنيات" التي تفيض بها ألسنة وأقلام أولئك البعيدين جدا ـ جغرافيا وفكريا ـ عن مسار الأحداث، لا تأثير لها على الإطلاق في مسار الأحداث.

لكن، ما موقع صفة: "الشرقية" ـ تلك الصفة المؤجلة ـ من مجال تخلّق هذه الرغبات وتصديرها واستهلاكها؟ بمعنى، هل هي قراءة شرقيّة؛ لأنها قراءة رغبوية في الأساس، أم على العكس، هي قراءة رغبوية لأنها قراءة شرقية في الأساس؟

الحقيقة أن ثمة تداخلا وتفاعلا بين هذا وذاك، من حيث كون "الشرقية" أقل عقلانية وأكثر عاطفية، إذ تدفع باتجاه الرغبويات الواعية واللاواعية، التي تقوم في الأساس على قاعدة من العوز العقلاني والثراء العاطفي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالموضوع محل القراءة (المشهد الديمقراطي الأميركي الأخير) ينتمي ـ وَعْيا ووَقائعا ـ إلى عالم غربي له مسار ثقافي خاص متمايز عن المسار الثقافي الشرقي الذي لم يتقاطع ـ إيجابيا ـ مع التقاليد الديمقراطية/ الحريّاتية في يوم من الأيام.

إذا، تخطئ كثير من هذه القراءات العربية للمشهد الديمقراطي الأميركي؛ لأنها تبتعد عنه ـ فهما وتفهما ـ بمستويين: مستوى سيطرة الرغبة الواعية واللاواعية، ومستوى البُنْية العامة للتصورات التي تعجز عن فهم التقليد الديمقراطي الغربي؛ حينما تُقارِبه بتقليد شرقي/ غير ديمقراطي، منغرس في عمق التاريخ، ولا يزال حَيّا/ فاعلا في الوعي الكلي/ العام إلى الآن؛ بوصفه جزءا أصيلا من مكونات الذات.

قبل ثمانين عاما، أقلقت هذه التقابلية بين الشرق والغرب أحَدَ أكبر رموز التنوير العربي/ طه حسين، بعد أن تقرّر لديه أن ثمة عقلا غربيا له طابعه الخاص، مقابل عقل شرقي مغاير له، وله طابع خاص أيضا. آنذاك، وفي مسار تنويري واضح، أكّد طه حسين على أن العقل المصري ينتمي إلى نطاق العقل الأوروبي، وكان يريد من وراء هذا التأكيد المتكرر فتحَ الأعين والعقول على واقع يراه متجذرا في التاريخ، ليخلص من هذا التاريخ إلى راهن ومستقبل يريد منهما أن يكونا نتاجَ هذا التاريخ، الحقيقي أو المتخيّل.

يقول طه حسين في صدر كتاب من أهم كتبه: "أمصر من الشرق أم من الغرب؟ وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي، وإنما أريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي"، ثم يتساءل أيضا على سبيل التقرير الذي يتضمن الإجابات المؤكدة: "فهل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء. وبعبارة موجزة جلية، أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الانكليزي؟" (مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، ص12 و13).

لكن طه حسين بعد أن يؤكد غربيّة/ أوروبية العقل المصري، مستشهدا بأن علاقة مصر بالشرق الأقصى: الصين واليابان والهند، كانت عبر التاريخ ضعيفة جدا مقارنة بعلاقتها باليونان والرومان، يرتدّ إلى الواقع الراهن، أي واقع المصريين، وكيف أنهم يتصورون أنفسهم شرقيين تحديدا. يقول: "فأما المصريون فيرون أنهم شرقيون، وهم لا يفهمون من الشرق معناه الجغرافي اليسير وحده، بل معناه العقلي والثقافي. فهم يرون أنفسهم أقرب إلى الهندي والصيني والياباني منهم إلى اليوناني والإيطالي والفرنسي"(مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، ص18) 

وفعلا، ما يذكره طه حسين هنا من تَشرّق المصريين، وبقية العرب، كان هو السائد ثقافيا منذ بدايات النهضة العربية الحديثة أوائل القرن التاسع عشر. وقد ارتفعت حِدّة هذا الشعور أواخرَ هذا القرن وبداية القرن العشرين، وما قصائد الشعراء العرب، والمِصْريين منهم خاصة، التي كانت تبتهج بالانتصارات العسكرية اليابانية على الغرب إلا دليلا على تمثّلهم لأنفسهم كشرقيين في معسكر حضاري شرقي، مقابل الغرب الذي كان هو المستعمر آنذاك، وكان لاستعماره ـ بلا شك ـ دور في هذا التمثل الوجداني الذي جعل أكبر شعراء العرب في العصر الحديث/ أحمد شوقي يهتف من أعماق وجدانه بـ “ولكن كُلّنا في الهَمّ شرق"؛ لتتردد أصداء هذا على امتداد النطاق الجغرافي للناطقين بالعربية. وهذا ما جعل طه حسين ـ وربما كردة فعل على كل هذا التمثل الوجداني الصارخ للشرق في مصر ـ يهتف في الاتجاه المضاد، وعلى ذات الدرجة من المبالغة في إرادة التمثّل، قائلا: إن سبيلنا إلى التقدم هو "أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقتهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب. ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع"(مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، ص44).

للأسف، سار العربُ في الاتجاه المضاد لرؤية طه حسين، وعُدّ رأيه هذا مثالا صارخا على التغريب المرفوض، بل المرذول في تصوّر الذهنية العامة/ السائدة التي بقيت تقليدية؛ منغلقة على شرقيّتها، أو متشرنقة في شرقيّتها. وهذا ما جعلها على الدوام، وطوال الثمانين عاما التي تلت إصدار طه حسين لكتابه هذا، عاجزة عن فهم الغرب؛ وبالتالي؛ عاجزة عن تفهمه؛ حتى أصبح بالنسبة لها مصدر تأزم لا ينقطع؛ في علاقتها مع نفسها، وفي علاقتها مع الآخرين.

إن سيادة هذا التشرّق الذي بقي تشرّقَ تصوّراتٍ وقيمٍ ومبادئَ بدا وكأنه يُعِيق مسارات التغرّب العقلاني المتضمن لصيرورة تحرر إنساني فريد. إن سيادة هذا التشرق لا ترفع من مستويات العاطفة على حساب التعقّل فحسب (العاطفة التي يتأسس عليها التفكير الرغبوي)، وإنما تؤسس لتصورات وقيم مبادئ تقع على مسافة بعيدة جدا من التصورات والمبادئ التي ينهض عليها العالم الغربي. ما يعني أن الفهم ـ في مثل هذه الحال ـ سيصبح صعبا، بل ومستحيلا، خاصة في السياق الأكثر خصوصية للغرب/ الأكثر غربية، وهو السياق الديمقراطي الذي هو فرع على السياق الأعم للتحرر الإنساني الذي تشكل على تراث عصر الأنوار.

يقول لاري دايموند ـ في كتابه (روح الديمقراطية، 35) ـ: "ليست الحرية ولا الديمقراطية قيمتين كونيّتين، بل هم تصوّران غربيان، فالثقافة تحد من مدى قدرتهما على الامتداد". يقصد، أنهما يتمددان في نطاق ثقافي غربي، أو متلائم مع الثقافة الغربية، بينما يتعذر تمددهما في نطاق ثقافي مختلف؛ كما هو الحال مع ثقافة الشرق، خاصة الشرق الأقصوي. ولهذا يستشهد برأي لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة، الذي أكد على القيم الآسيوية، وطالب الآخرين (ويقصد الغرب) بأن لا يطالب بفرض نظامه؛ لأن نظامه لا يمكن أن يشتغل على الواقع الشرقي المختلف عن الغربي بنجاعة. ومع أن رايموند لا يقوده هذا إلى اليأس، إلا أنه لا يكف عن ملاحظة كيف أن "روح القيم" الآسيوية تخترق ـ بدرجات متفاوتة ـ حتى تلك النظم التي استوردها الشرق، وخاصة الشرق الأقصى، من الغرب.  

أيضا، يستعين لاري دايموند برأي لوسيان باي، وهو أحد أهم المتخصصين في دراسة آسيا، حيث حاول في كتاب له صدر عام 1985 أن يبرهن على أن المجتمعات الآسيوية عموما تفتقر إلى النزعة الفردانية والشك في السلطة الذي أدى إلى الديمقراطية في الغرب، وحسب رأيه، المجتمعات الآسيوية تؤكد ولاءها للعائلة والجماعة على حساب الحرية والحاجيات الفردية"(روح الديمقراطية، ص36و37).

والمقصود من كل هذا، أن من لم يستطع أن يتجاوز ـ وعيا؛ وبصورة شبه جذرية على المستويين: المعرفي والوجداني ـ التصوّرَ الشرقي؛ ( ليس فقط التصور الشرقي للقيم الشرقية، وإنما أيضا التصور الشرقي للقيم الغربية/ الديمقراطية)؛ فإنه حال قراءته للغرب عموما، وللديمقراطية الغربية خصوصا، لا بد وأن يُسِيء الفهم؛ حتى في حال استطاع الوعي بالدوافع الرغبوية لديه، واشغل على تجاوزها إرادة ومعرفة؛ فكيف إذا لم يتجاوز هذه الدوافع، وبقي أسيرها إرادة ومعرفة، مشتغلا على تأكيد مقدماتها؛ ولو بمعاندة بديهيات الواقع، وبديهيات التاريخ.

إن الإعلاميين/ المحللين/ المفكرين العرب الذين يتحدثون عن الانتخابات الأميركية الأخيرة، مُسْتَصْحبين مصطلحات "الانقلاب"، و"التزوير"، و"انهيار المؤسسات"، و"التآمر" و"الحروب الأهلية"...إلخ، إنما يتحدثون ـ غير واعين ـ عن الشرق بلغة الشرق؛ في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم يتحدثون عن الغرب (بل وعن أكثره غربية: الولايات المتحدة)، وعن مؤسسات الغرب، وعن حضارة الغرب. الخريطة الإدراكية لهؤلاء ـ وهي شرقية/ عالم ثالثية بامتياز ـ لا تمكنهم من إدراك ما جرى ويجري بوضوح؛ حتى لو أرادوا ـ برغبة حقيقية ـ أن يدركوا ما جري ويجري بوضوح.

لن تسقط الولايات المتحدة، لن تتفتت، لن تنقسم على نحو ما يحدث في العالم الثالث، لن تسيطر عليها الانقلابات العسكرية؛ مهما تنامت أحداث الشغب، ومهما تضخمت المظاهرات. وهذا لا يصدق على الولايات المتحدة فحسب، بل على الغرب عموما، وقد قلت مثل هذا عن أحداث فرنسا (... السترات الصفراء!)، لن تسقط ألمانيا، ولن تنهار بريطانيا.

لن يحدث للعالم الأول ما يتوهّمه أو يتمنّاه المحبطون من أبناء العالم الثالث. بل إن ما يجري في العالم الأول (فيما يبدو ظاهريا وكأنه يشبه بعض أحداث/ وقائع العالم الثالث)، هو حقيقة لا علاقة له بها، ولا يُشْبِهه بحال؛ رغم كل صور التشابه على مستوى السلوكيات الفردية/ الشخصية. ومقاربة العالم الأول على ضوء ذلك الإحباط، وباستصحاب هذا التشابه، إما أنه اعتقاد راسخ أن المقاربة/ التحليل هو تعبير عن موقف (مع أو ضد)، بينما المقاربة/ التحليل يتجاوز كونه تعبيرا عن موقف (ومثل هؤلاء يريدون التعبير عن مواقفهم ببلورة تحليلات تسند هذه المواقف)، وإما هم أسرى "التفكير اللحظوي"، أي ذلك التفكير الذي تشده وقائع "اللحظة" معزولة عن سياقاتها التاريخية وعن تمدّداتها الجغرافية، وإما هو "تفكير رغبوي" تحفزه الأيديولوجيا أو المصالح المباشرة؛ على سبيل التحقّق أو التوهّم.

على أي حال، تضيق المساحة عن مقاربة كل تعقيدات المشهد الإشكالي، ولكني أختم هنا بنص تغريدة كتبتها قبل أيام، وأعتقد أنها تختصر فكرة هذا المقال: "إذا أردت فهم ما حدث، ويحدث، وما سيحدث؛ في أميركا، ضَعْ جانبا كل أدواتك التحليلية وكل تصوراتك المُسْبقة التي اعتدّت بها مُقارَبة الأحداث والوقائع في العالم الثالث. المؤسسات الحضارية الراسخة (المُدجّجة بوعي تنويري تحررّي مُتجذّر في أعماق الوعي الكلي)؛ يستحيل اختراقها برعونة مُصارع".

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.