مستوطنة إسرائيلية في رام الله
"الصراحة التي تميز نقاش غودمان تتجلى في اعتباره أن لا تسوية ترضي كل الأطراف الاسرائيلية والفلسطينية"

أعلن الرئيس الجديد للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، الديمقراطي، غريغوري ميكس، أنه ينوي العمل مع  الرئيس (المنتخب) جو بايدن، الديمقراطية كذلك، لإعادة التمويل الذي كانت حجبته إدارة الرئيس الجمهوري، دونالد ترامب، عن السلطة الفلسطينية وعن وكالات الأمم المتحدة المخصصة لغوث اللاجئين الفلسطينيين.

وعودة الديمقراطيين إلى الحكم في واشنطن تعني نهاية ”صفقة العصر“ التي قدمتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي كانت تقضي بحكم ذاتي فلسطيني، على أضيق رقعة أرض ممكنة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مقابل تكثيف الدعم المالي والاقتصادي لتحسين حياة الفلسطينيين، وتوقيع الفلسطينيين على "وثيقة إنهاء الصراع".

عودة الديمقراطيين تعني كذلك إمكانية إعادة إحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية للتوصل إلى حل الدولتين، وهي التسوية التي صادقت عليها "جامعة الدول العربية" في قمة بيروت في العام 2002، ومثلت افتراقا عن لاءات الخرطوم الثلاث للعام 1967، والقاضية بـ ”لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض“ مع إسرائيل.

ويندر أن صاحَب التغير في الموقف الرسمي العربي نقاشا شعبيا، أو نخبويا على الأقل، حول ما ينشده العرب وما يمكن التوصل اليه بالاتفاق مع إسرائيل، بل أن شريحة من العرب تابعت ممارسة عدائها المتجذر، لا للإسرائيليين فحسب، بل لليهود ككل، غالبا وفق تفسيرات متطرفة لنصوص قرآنية. وساهم في توسيع العداء العربي لليهود، انتشارُ الاسلام السياسي، خصوصا منذ ثورة ايران في العام 1979، وهو ما حوّل اتفاقيات مصر والأردن للسلام مع إسرائيل إلى اتفاقيات باهتة باردة، أقرب إلى هدنة منها إلى سلام.

أما في إسرائيل، فلم يتوقف النقاش حول كيفية التعامل مع المحيط العربي والفلسطينيين، وكان آخره كتاب "عقدة 67" لميكا غودمان، الذي حاز اهتماما واسعا في الأوساط الإسرائيلية، وتمت ترجمته إلى الإنكليزية. والعنوان استعارة من رواية أميركية شهيرة "كاتش 22"، ويرمز إلى وضع معقد لا تسوية له. أما استخدام رقم 67، فلإظهار محورية حرب 1967، والتي كانت نتيجتها سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان وغزة وسيناء، قبل أن تعيد سيناء لمصر، بعد سنوات، وتنسحب من غزة.

وغودمان حائز على دكتوراه، ويعمل كباحث في معهد شالوم هارتمان في القدس، وتظهر كتاباته — التي كان آخرها "اليهودي المتأمل" الصادر قبل أسابيع — معرفة عميقة بتاريخ الصهيونية وتأسيسها، وبقيام دولة إسرائيل وتاريخ تياراتها من اليمين واليسار، وهو في كتبه يسعى دائما لاستعراض وجهات نظر الطرفين، اليمين واليسار، وإظهار نقاط القوة والضعف فيهما، ثم محاولة التوصل إلى حل وسط.

في "عقدة67" يستعرض غودمان النقاط التي يقدمها اليسار العلماني الإسرائيلي، التي تشبه إلى حد بعيد الموقف الفلسطيني، ومفادها أن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة والقدس الشرقية غير أخلاقي، ويلطّخ سمعة إسرائيل وصورتها حول العالم. ويشير غودمان إلى المشكلة الديموغرافية، ويقول إن الخطة الصهيونية الأساسية كانت تهدف لإقامة غالبية سكانية يهودية في فلسطين، لكن قيام النازية بقتل ستة ملايين يهودي أفقدت الصهاينة القدرة على إقامة غالبية سكانية واضحة.

وأضاف غودمان أنه لو قيض لليهود ضمان الغالبية، لكانوا وافقوا على منح الفلسطينيين الجنسية الاسرائيلية بدون الخوف الديموغرافي من أن يصبح العرب أكثرية، وأن تسمح هذه الأكثرية للعرب بتسلم السيادة على اليهود، ديمقراطيا، إذ أن في صلب إقامة اليهود دولتهم هو حصر السيادة في أيديهم، والتخلي عن آلاف السنوات التي عاشوها بذلّ تحت حكم غير يهود.

كذلك يستعرض غودمان نقاط اليمين الديني الإسرائيلي الداعية للإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي في الضفة، ويقول إن الوضع القانوني ليس احتلالا، لأن إسرائيل لم تغزُ الضفة، بل وجدت نفسها تحكمها على إثر حرب دفاعية، لكن غودمان يصفه احتلالا من الناحية الاخلاقية، إذ لا يجوز أن تكون إسرائيل ديمقراطية داخلها فيما تحكم آخرين عسكريا خارجها، وتحرمهم الديمقراطية.

دفاع اليمين عن احتلال الضفة يتمحور حول نقطتين: أن الأرض منحة إلهية لليهود والتخلي عنها كفر، وأن الحفاظ على الأرض ضروري لغايات استراتيجية دفاعية. ويردف غودمان القول إن الأرض كانت منحة المجتمع الدولي لليهود، وأن نبوءة التخلي عن الأرض أمر مستحيل أظهرت بطلانها مع انسحاب إسرائيل من سيناء وغزة، وتفكيكها المستوطنات فيهما.

الصراحة التي تميز نقاش غودمان تتجلى في اعتباره أن لا تسوية ترضي كل الأطراف الاسرائيلية والفلسطينية، وهو ما يدفعه للبحث عن قاسم مشترك يرضي الجميع، بدون ضرورة إضفاء طابع النهائية عليه.

يقول غودمان إنه يمكن لإسرائيل الانسحاب من معظم الضفة، وإبقاء وجود عسكري في حوض الأردن وعلى قمة التلال حيث المستوطنات الاسرائيلية الكبيرة الأقرب من الساحل. ويمكن لإسرائيل ضمان أن أراضي الفلسطينيين متواصلة، ويمكن لهم التجول فيها بحرية بدون المرور عبر نقاط اسرائيلية أو التعاطي مع إسرائيليين.

وعلى عكس الحكمة الاسرائيلية الحالية المعارِضة لقيام دولة فلسطينية، يقول غودمان إن من مصلحة إسرائيل تعزيز قدرات الفلسطينيين على حكم أنفسهم وتحسين حياة مواطنيهم، ويمكن لإسرائيل تقديم أحياء في القدس لا يسكنها يهود وجعلها عاصمة الفلسطينيين.

أما المطلوب من الفلسطينيين، مقابل التنازلات الإسرائيلية، فسلام، دون التوقيع على وثيقة إنهاء صراع. يعي غودمان أن حماس قد توافق على هدنة عشر سنوات، على غرار هدنة الحديبية التي عقدها رسول المسلمين مع حكّام مكة. هكذا، يحصل الفلسطينيون على أقرب ما يمكن للدولة والحياة الكريمة، دون تنازلهم عن حق العودة ومطالبهم الأخرى، وينهي الإسرائيليون المعضلة الأخلاقية المتمثلة بحكمهم فلسطينيين عسكريا.

ويقول غودمان إن التسوية التي يقدمها لا تخوض في وضع عرب إسرائيل.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، انغمس الإسرائيليون في نقاش حول شكل التسوية الممكنة، وقدموا أفكارا متنوعة وكثيرة. أما العرب، فلا نقاش، بل هتافات وشعارات حول "حقوق شعبنا كاملة"، ولعن الاحتلال، بلا حلول.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.