متظاهر عراقي يسير بين الإطارات المحروقة في كربلاء بشهر يناير 2020
"بقي العراقيون يستشعرون الحاجة إلى وجود الدولة بعد أن تلمسوا مأساة غيابها"

في وداع عام 2020 واستقبال عام 2021، صرح رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بالقول: "لقد اتخذت القرار وانتهى. التجاوزات على الدولة تحت أي عنوان غير مقبولة، ولكن دون تهور وإنما بالحكمة والصبر والحسم".

وقد يجمع هذا التصريح بين المتناقضات: عدم القبول بالتجاوزات على الدولة من جانب، والحكمة والصبر والحسم من جانب آخر. 

في العراق، ومنذ 2003 لم يكن الصراع بين القوى، التي تمثل الطبقية السياسية، قائماً على أساس مشروع بناء الدولة، وإنما الصراع كان ولا يزال يدور حول السيطرة على الدولة بين أطراف العمليّة السياسية.

ولذلك قدمت الأحزاب والقوى السياسية نفسها بعناوين ما قبل الدولة: الطائفية أو القومية أو العشائرية. ومنذ ذلك الحين، بقيت تلك العناوين حاضرة في نقاشات وسجالات تقاسم المؤسسات على أساس نفوذها السياسي ومواردها الاقتصادية وغُيّب تماماً عنوان الدولة.

وفي معركة العراقيين ضدّ قوى الإرهاب، كان حضور الدولة في هذه المعركة هو الأضعف. إذ لم يتم تسويق أيديولوجيا الدولة ومحاولة رفع رايتها، وإنما كانت الكثير من القوى الفاعلة في المجال السياسي تعتبرها حرباً بين المكونات الطائفية، ومعركة بين من يرفض معادلة الحكم الجديدة باعتبار السلطة قد أصبحت بيد شيعية، في قبال قوى سنيّة متطرفة ترفض الاعتراف بهذا الواقع الجديد، وتريد العودة بالتاريخ إلى ما قبل 2003.

وحتى في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي كان خطاب التحشيد لهذه الحرب بعنوان حرب الدولة ضد الجماعات الإرهابية هو الأضعف!

رغم ذلك، بقي العراقيون يستشعرون الحاجة إلى وجود الدولة بعد أن تلمسوا مأساة غيابها. ولذلك بدأ التحول في خطاب الطبقة السياسية، لكنه لم يتحول إلى سلوك عملي في المواقف السياسية.

وقد يبدو نوعاً من السذاجة والبلاهة تصديق تلك الخطابات، فالمافيات السياسية لا يمكن لها أن تحمل مشروع بناء الدولة؛ لأن غياب الدولة عن المجال العام هو الفردوس بالنسبة لها، ووجود الدولة القوية يعني نهاية نفوذها وهيمنتها. 

في تاريخ تشكل الدولة في الشرق الأوسط، كانت القوى التي تهيمن على الدولة، كما يصفها المفكر اللبناني غسان سلامة، تشبه إله الإغريق (جانوس) الذي يحمل وجهَين، فهي، بالوجه الأول، تشيّد المؤسسات، وتحمي القطاع العام، وتقوي المؤسسة العسكرية، وتدافع عن الوطن، ولكنها أيضاً، وفي الوجه الثاني لها، لا سيما عندما يداهمها خطر انزلاق السلطة من بين يديها، تعود وتنكفئ على ذاتها، وتضرب من حولها ذات اليمين وذات اليسار، فتستغل مؤسسات الدولة حتى تعريضها للخطر، وتركب حصان العسكر للدفاع عن نفسها لا عن الوطن، وتعيث فساداً في الاقتصاد. 

القوى السياسية التي هيمنت على مقاليد السلطة في العراق، بعد 2003، احتفظت بالوجهين، لكنها غيَّرت في وظيفتهما، إذ غُيّبَ تماماً الوجه الذي يقوم بوظيفة ببناء المؤسسات وتقديم الخدمات للمواطن، وبات لها وجه تنحصر وظيفته في خلق كيانات موازية تقوم بسلب الدولة، ووظيفتها تعمل على تدمير ثقة المواطن بالدولة. أما الوجه الثاني، فوظيفته سلب ونهب الدولة لصالح مافيات سياسية تعظم مواردها من خلال التعامل مع اقتصاد الدولة بمنطق الغنيمة.

وأصبحت وسائل القوى السياسية بالهيمنة على الدولة ومصادرة وظائفها، تتم من خلال تهجين الأمن بخلق كيانات مسلّحة موازية لمؤسسات الدولة الأمنية، ودخولها حلبة التنافس السياسي والحصول على مقاعد في البرلمان ومناصب عليا في الحكومة. ولذلك أصبح من يأتي إلى السلطة أسيراً لمعادلة نفوذ الزعامات السياسية التي تملك المال والسلاح. 

قوى اللادولة التي حوَّلت مؤسسات الدولة إلى هياكل خاوية وديكورات فقط، لأن من يتحكم بالقرار السياسي في العراق هم زعامات قوى اللادولة. ومن ثم، بالتأكيد سترفض تلك القوى وزعاماتها أي مشروع للاحتواء السياسي والحكومة الأمنية، لأنها تعتقد أن نهاية نفوذها وسطوتها على الدولة ستكون بتنازلها عن سلاحها الخارج عن القانون.

ولذلك لا يمكن الوثوق بالنفاق السياسي، الذي يبدو واضحاً في خطابات الطبقة السياسية عندما تتحدث عن (هيبة الدولة) أو (بناء الدولة) أو (سيادة الدولة)، فهذه المفردات للترويج الإعلامي، ولا مكان لها في الجلسات والاجتماعات بين القوى السياسية، إذ يتم استبدالها بحوارات ونقاشات تدور حول تقاسم الموارد الاقتصادية للدولة ومؤسساتها السياسية. 

ووفقاً لهذه المعطيات لا يمكن الحديث عن استنساخ تجارب من دول أخرى لكسب معركة استعادة الدولة، لأن هذه المعركة ذات طابع مركب؛ لأن معطياتها أمنية وعسكرية، وأبعادها سياسية. ولذلك حلولها لا تنحصر بنزع سلاح الجماعات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون واعتماد سياسات التسريح وإعادة الدمج. ورغم أنها قد تمثّل البداية الصحيحة، لكنها لن تكون ممكنة التطبيق إلا بالمواجهة المسلحة مع جميع الكيانات التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة.

ويبدو أن تكلفة المواجهة المسلحة مع الجماعات الموازية للدولة ستكون عالية، لكن ما يمكن أن يخفض من تكاليفها وخسائرها هو التحالف بين قائد سياسي يؤمن بمشروع الدّولة وبين قائد عسكري يؤمن بضرورة استعادة وظيفة المؤسسة العسكريّة في حفظ أمن الدولة ومؤسساتها بعيداً عن الطموح السياسي ويرفض خضوعها لقوى اللادولة.

خارطة الطريق لاستعادة الدولة ليست بالمهمة المستحيلة، لكنها لا يمكن أن تكون معركة رابحة إلا بتحقيق التوزان بين استخدام أذرع الدولة الأمنية برمزية الانتصارات على قوى الإرهاب وتنظيم داعش، وبالتوازي مع ثلاث خطوات رئيسة، الأولى: كسب ثقة المواطن وجعله شريكاً وحليفاً للحكومة في معركتها ضد قوى اللادولة بكل عناوينها. أما الثانية: فهي تقوم على أساس استدراج القوى السياسية التي ترفض البقاء ضمن ثنائية الصراع بين الهيمنة على الدولة ومحاولة إضعفاها واستلاب وظيفتها ودورها في المجتمع. والخطوة الثالثة: هي إقناع القوى الإقليمية أن دعم الحكومة سيكون أكثر جدوى من الرهان على توفير الإسناد للقوى التي تعمل على إضعاف الدولة.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.