التاريخ الطويل من المصالحات العربية الفاشلة يدعو للتأنّي والحذر قبل الإعلان عن نجاح قمّة العلا، خصوصا لأن البيان الختامي لهذه القمة لم يوح بأنها قد أوجدت حلولا لأساس مشكلة الخلاف مع قطر والذي يتمحور حول علاقاتها مع إيران وتركيا وتنظيمات الإسلام السياسي السنّي والشيعي، ولكن العناق الحار بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني أكد على أن العلاقة الشخصية بينهما قد أصبحت على ما يرام وأن الطريق مفتوح لاستكمال السير على طريق تحسين العلاقات بين البلدين.
وتظهر قراءة ما بين السطور في هذا البيان نقطتين رئيسيتين، الأولى أن بنود البيان تركّزت على التأكيد على تعزيز الوحدة وتنسيق المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي، بما يترك انطباعا بأنه جرى التقليل من أهمية مصر ضمن الحلف الرباعي المواجه لقطر، حيث تم اعتبارها دولة شقيقة كبيرة ولكنها ليست واحدة من دول مجلس التعاون حتى يتم تبنّي سياستها المتشددة تجاه قطر، وربما من أسباب ذلك أن الكويت التي لعبت دورا رئيسيا في الوساطة وصياغة هذه البنود، ليست في علاقة حسنة مع مصر، بعد أن وصل خلافها معها خلال العام الماضي إلى حملات إعلامية متبادلة ومهاترات على وسائل التواصل الاجتماعي كان موضوعها ما تتعرض له العمالة المصرية في الكويت من ضغوط نتيجة تراجع الوضع الاقتصادي وهبوط أسعار النفط.
والنقطة اللافتة الثانية التي تضمنها البيان الختامي لقمة العلا هي عبارة أن دول المجلس قد قررت "تنحية كافة الخلافات جانبا"، وهذا يعني التغاضي عن نقاط الخلاف وليس حلّها، ولكن مضامين بعض الخطابات التي ألقيت في القمة أكدت على عدم القبول بالسياسات الإيرانية التي تهدد إستقرار دول المنطقة، من البرنامج النووي والصاروخي إلى الدور الإقليمي بما يترك انطباعا بوجود مرونة قطرية حول هذا الموضوع، ومن المؤكد أن إيران غير راضية عن نجاح هذه القمة لأن مجرّد فتح الحدود والمجال الجوي السعودي أمام قطر سيحرم إيران من عائدات مرور الطائرات القطرية فوق أجوائها.
لكن في المقابل لم يتعرض البيان الختامي لتركيا، بما يعني أن هناك مرونة في الموقف السعودي تجاه العلاقة القطرية الخاصة مع تركيا، ومن المؤكد أن هذا أيضا لا يتماشى مع الموقف المصري مما يفسر التمثيل المنخفض لمصر في القمة عبر وزير الخارجية بعد أن كانت مصادر إعلامية قد قالت أن السيسي سيحضر شخصيا التوقيع على الاتفاق، وربما هذا أيضا سبب البرود الإماراتي تجاه مخرجات قمة العلا فحسب المنظور الإماراتي تعتبر تركيا تحت قيادة أردوغان أكثر خطرا على أمن المنطقة من النظام الإيراني ولكن مجريات قمّة العلا أظهرت أن السعودية لا تشاطر الإمارات رؤيتها تلك.
ونتيجة لذلك فقد قامت بعض وسائل الإعلام بتصوير الاتفاق والبيان الناتج عنه وكأنه انتصار لقطر، وتم تبرير ذلك بأن قطر لا تعاني من أزمة إقتصادية بنفس الحدّة التي تعاني منها السعودية، ولكن الحقيقة أن لقطر نفس المصلحة في تجاوز الخلافات مع محيطها، إذ رغم أن أسعار النفط قد تعرضت إلى انهيار كبير خلال الأعوام الماضية، ولكن أوضاع الغاز الذي تعتمد عليه قطر لم تكن أفضل حالا، وتقول التقديرات أن أسعار الغاز المتدنية ستستمر على الأقل حتى نهاية العام الحالي في ظل تخمة المعروض، كما أن أسواق النفط والغاز من الصعب أن تستعيد وضعها السابق نتيجة قرب انتهاء عصر الطاقة الأحفورية على حساب مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة التي تشهد حاليا تطورات تكنولوجية متسارعة ترافقت مع عودة الحماس لجهود مواجهة الاحتباس الحراري والتغير المناخي مع قدوم إدارة بايدن.
كما أن أردوغان الحليف الرئيسي الذي تعتمد عليه قطر حاليا لن يستمر في السلطة إلى الأبد، فقائمة أصدقاؤه في الداخل والخارج تتضاءل يوما بعد يوم بعد أن تخلى عنه أقرب حلفاؤه بما فيهم عبد الله غل وداوود أوغلو وليس من المستغرب أن ينضم إليهم صهره بيرات البيرق، بحيث أن انتخابات 2023 لا تبدو مضمونة لأردوغان في حال إستمرار الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة والعلاقات السيئة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي من المستبعد إصلاحها مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، وغياب أردوغان عن المشهد السياسي في تركيا نتيجة خسارته للانتخابات القادمة أو لأي سبب آخر بعدها من المرجح أن يعني نهاية حزب العدالة والتنمية نفسه بعد أن أنهكته الانشقاقات حتى لم يتبقّى لديه قيادات بديلة حقيقية ومقنعة، وبالتالي نهاية حكم الإسلام السياسي وعودة تركيا العلمانية كما كانت.
كما أن وضع حد لتمويل قطر لمنظمات وجمعيات متهمة بالإرهاب مثل حماس وحزب الله ستكون له أولوية في المرحلة المقبلة، بعد تغيّر النظرة العالمية لهذين التنظيمين مع انضمام المزيد من الدول إلى الولايات المتحدة وأغلب دول الاتحاد الأوروبي في وضعهما على قوائم الإرهاب، مما سيجعل من الصعب على قطر الاستمرار في السياسة المزدوجة التي تتبعها حاليا، وصحيح أن الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي يتبنى مواقف متشددة تجاه السعودية، ولكن مستشار الأمن القومي الجديد لإدارة بايدن جيك سوليفان له مواقف متشددة بنفس الدرجة تجاه قطر وصرّح قبل سنوات بضرورة إتخاذ موقف أكثر حزما تجاهها.
كما أن أمام قطر في العام المقبل تحدّي كبير وهو أن تنجح في تنظيم كأس العالم الذي استثمرت فيه أموالا طائلة قياسية قدّرها وزير المالية القطري علي العمادي قبل ثلاث سنوات بحدود 200 مليار دولار، خصوصا مع ما رافق فوزها بإستضافة وتنظيم هذا المونديال من اتهامات بتقديم رشاوى لأعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا حتى يتم التغاضي عن مناخ قطر الحار الذي دفع لتغيير موعد كأس العالم من الصيف كما جرت العادة دائما إلى نوفمبر وديسمبر مما أدى إلى تضارب مواعيده مع البطولات والكؤوس المحلية والقارّية مع ما سيلحقه ذلك من خسائر مالية للأندية، لذلك يعتبر فتح الحدود والمجال الجوي السعودي أمام قطر ضرورة حيوية لها حتى لا تزيد التعقيدات أمام هذا المونديال مما قد يعيد فتح ملفّه من جديد. ومن ناحية أخرى فإن بيان قمة العلا قد أكد على "توحيد المواقف السياسية وتطوير الشراكات الاستراتيجية بين مجلس التعاون والدول والمجموعات بما يخدم المصالح المشتركة"، أي من الوارد أن تدفع المصالحة الخليجية المجلس ككيان موحد للسير على خطى الإمارات والبحرين في تطبيع العلاقات العلني مع إسرائيل، خصوصا أنه لدى قطر وعمان علاقات خاصة قديمة معها وتقول بعض المؤشرات أن السعودية جاهزة لمثل هذه الخطوة لكنها بانتطار الظرف المناسب.
ورغم أن اجتماع العلا في حقيقته ليس سوى لقاء قمة سعودي قطري، ولكن هذا كاف في هذه المرحلة لأنه بدون السعودية لا يمكن أن تنجح الضغوط على قطر، ولذلك ليس أمام الأطراف الأخرى سوى السير مع السعودية ولو على مضض وانتظار قيام قطر بخطوات ملموسة باتجاه تعزيز المصالحة، ولذلك من الممكن أن تسير عملية تحسين العلاقات بين قطر وبقية الدول خلال الأشهر المقبلة بشكل تدريجي وخطوة خطوة لبناء الثقة المتبادلة.
وهذا يتطلب أن يتوقف الخطاب الإعلامي التحريضي من جميع الأطراف، مما سيلحق الضرر بمصالح الكثير من الأفراد والمجموعات التي كانت تعتاش على الخلاف الخليجي مثل الأبواق الإعلامية والكتاب والصحفيين الذين وظفوا إمكانياتهم لخدمة أحد الأطراف ومكاتب العلاقات العامة وبعض مراكز الأبحاث الممولة من هذه الدول، وليس من المستغرب أن يبذل هؤلاء جهودهم لعرقلة المصالحة وربما تشترك معهم في ذلك الدول المتضررة من هذا الصلح مثل إيران أو غير المتحمسة له مثل مصر، وستدور المعركة بشكل رئيسي خلال المرحلة المقبلة على محاولة كل طرف لكسب السعودية إلى صفه، وهذا يتطلب منه عدم استفزاز الطرف الآخر مما قد يعطي المصالحة الخليجية فرصة حقيقية للنجاح.

