A patient who is suffering from the Covid-19 disease caused by the novel coronavirus is treated at the intensive care unit of…
لبنان إلى اليوم ليس على جدول الشركات التي أنتجت اللقاح.

لا شيء يضمن ألا يكون أفراد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان قد تلقوا اللقاح هم وأفراد عائلاتهم خارج لبنان، أو استقدموا كميات منه إلى منازلهم، في وقت لا يشعرون فيه أن البلد المنكوب بالجائحة يحتاج إلى خطوات لتسريع استقدام اللقاح. لا بل أن الريبة بهم واجبة هنا، ذاك أنهم فعلوا ما هو أسوأ من دون أن يشعروا بالمسؤولية.

نعم علينا أن نرتاب بهم، لا بل علينا أن نصدق أنهم فعلوا ذلك، وأن عدم شعورهم بحجم الكارثة ناجم عن نجاتهم هم وعائلاتهم من احتمالات العدوى. لا ينطوي هذا الكلام على تجنٍ، لا بل يجب دفعه خطوة أبعد. ففي لبنان يموت كل يوم نحو 20 مواطنا جراء إصابتهم بالفيروس. يجب ضم هؤلاء إلى ضحايا انفجار المرفأ وتثبيت حقيقة أن السلطة هي من قتلهم، وهي فعلا أقدمت على ذلك. 

لبنان إلى اليوم ليس على جدول الشركات التي أنتجت اللقاح، في وقت باشرت كل الدول التلقيح أو حددت موعدا للمباشرة به. لبنان بلا حكومة، لأن حزب الله ينتظر انتقال الإدارة الأميركية من دونالد ترامب إلى جو بايدن. لبنان من أسرع دول العالم في انتشار الوباء ورئيسه منشغل بتسريب فيديو يصف به رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بأنه كاذب. يموت الناس على أبواب المستشفيات، ووزير الصحة فيه يصف الناس بأنها غير مسؤولة!

كل هذا يدفعنا إلى التخفيف من الشعور بالتجني إذا ما اعتقدنا أن أفراد الطبقة السياسية نجوا بأنفسهم وبعائلاتهم من الوباء. فهم نجوا بودائعهم من المصارف عندما أقدمت الأخيرة على الإطباق على مدخرات اللبنانيين، ومن يفعل هذه يفعل تلك. الوقائع في الحالة الأولى مثبتة، وهي كافية لتجعلنا نعتقد بالثانية.

لبنان من أسرع دول العالم في انتشار الوباء ورئيسه منشغل بتسريب فيديو يصف به رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بأنه كاذب

حقيقة أن لبنان من أسرع دول العالم في تفشي الفيروس لم تمل على رئيسه شعوراً بالمسؤولية حيال هذه الكارثة، فهو استمر في ظلها بأداء دوره البائس في مناكفة شركائه في السلطة وفي الفضيحة وفي الكارثة. الجائحة والكارثة التي ألمت بالناس آخر همومه، وهي لم تبدل أولوياته. يعيش في قصره بعيداً منها، وهي لم تحد من تهدج صوته المنتشي الذي سمعناه في ذلك الفيديو الرهيب الذي سربه.

وهنا يبرز عنصر جديد على مشهد الفضيحة اللبنانية، ذاك أن الرئيس هو الشريك الأصغر لحزب الله، ولدى الأخير تصوره عن اللقاح، فأمينه العام أعلن مقاطعته النسخة "الغربية" منه، وثمة كلام عن لقاح إيراني وآخر كوبي، وقد يكون التأخر في التوقيع مع شركة فايزر نوع من انتظار انتهاء المرحلة الثالثة من التجريب الذي أعلنت الشركة الكوبية أنها تجريه في إيران. لا شيء مستبعد في هذه المزرعة التي يقيم فيها حزب الله دولته ويمارس فيها سلطته. فإذا ما تذكرنا أن نحو ثلاثين ألف طن من المتفجرات كانت مركونة في مرفأ بيروت، وانفجرت ودمرت العاصمة، يصبح أي شيء آخر ممكناً.

والحال أن لبنان المترنح بالجائحة بصفتها الفضيحة الثالثة، إذا ما اعتبرنا أن الإفلاس هو الفضيحة الأولى وانفجار المرفأ هو الفضيحة الثانية، يقف على أبواب المجاعة، ذاك أن الخبز لم يعد أمراً بديهياً، وعليك لكي تعثر على دواء للأمراض المستعصية أن تطلبه من أقربائك أو أصدقائك في الخارج. الموت بدأ يصبح قدراً مقبولاً وغير مستغرب، فأن تسمع بشخص كان من الممكن ألا يموت لو توفرت له عناية أفضل، وهذا ما يحدث اليوم فعلاً، فإن ذلك لم يعد يستدرج ذهولاً. كل هذا والرئيس منشغل بمتاهته المتمثلة في حنقه على رئيس الحكومة المكلف لأن الأخير يريد وزارة الداخلية والعدل، في حين يجمع الرئيسان العظيمان على أن وزارة المالية يجب أن تكون لوزير من حركة أمل وقريب من حزب الله.

نعم يجب أن نضم ضحايا كورونا الـ20 يومياً إلى لائحة الجرائم التي ترتكبها هذه الطبقة السياسية. فنظرياً من المفترض أن يكون لبنان من أسهل دول العالم لجهة وصول اللقاح إليه وتوزيعه وإطلاق المرحلة الأولى من التصدي للجائحة. عدد سكانه القليل، ومساحته الصغيرة يجعلان من هذه المهمة ممكنة، وشريحة المسنين ممن يقضي عليهم الفيروس يومياً ليست كبيرة، مما يعني أن كمية غير كبيرة من اللقاحات تكفي للحد من الموت بسبب كورونا. لكن هذه المهمة ليست على جدول عمل المسنين في القصور الرئاسية، وهي ليست على جدول أعمالهم لأنهم لا يشعرون بخطر الفيروس على أنفسهم وعلى عائلاتهم، وهم لا يشعرون بخطر الفيروس تماماً مثلما لم يشعروا بما ارتكبت المصارف بحق الناس بعد أن هرّبوا مع عائلاتهم وشركائهم ودائعهم إلى الخارج. وهنا تصبح الريبة بأنهم هرّبوا اللقاح إلى قصورهم مشروعة، بل واجبة.        

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!