رغم فاعلية لقاحات كورونا والتي تصل فاعلية بعضها إلى 95 بالمئة فإن احتمالية الإصابة بالفيروس قائمة ولو بنسبة طفيفة
البعض يتكلم عن وفاة شخص أو بضعة أشخاص بعد أخذ أحد لقاحات كورونا ويستنتج البعض من ذلك أن اللقاح خطير للغاية- توفييق حميد

انتشرت عملية الخداع في مجال الصحة والطب في العقود الماضية بدرجة ملحوظة. ومما زاد من حجم المشكلة ودرجة انتشارها هو قدرة البعض ممن يروجون لمثل هذا الخداع على عمل إعلانات تليفزيونية أو مقالات مدفوعة الأجر في بعض الصحف التي لا تتوخى الحذر في نشر معلومات طبية. 

وبعد ظهور الإنترنت وإنتشار شبكات التواصل الإجتماعي أصبح موضوع نشر معلومات طبية خاطئة أكثر سهولة من ذي قبل فكل من يجلس أمام شاشات الكمبيوتر أو يحمل هاتفاً خلوياً أصبح قادراً على نشر أو إعادة نشر أي معلومة طبية بدون أي تدقيق أو تمحيص.

والأمر – أي نشر معلومات طبية خاطئة أو مضللة أو خادعة - هو أمر في غاية الخطورة حيث أنه قد يتسبب في إستخدام علاج ضار بالمريض أو يجعله يتخلى عن إستخدام علاج ناجع تمت دراسته والتأكد من تأثيره على المرض.

وهناك العديد من الأمثلة عن كيف تتم عملية "الخداع الطبي" ومن المهم أن نعرفها حتى لا نصبح أو نكون ضحايا لمثل هذا النوع من الخداع.

فعلى سبيل المثال لا الحصر قد تتم عملية الخداع الطبي من خلال وصف مادة عشبية على أنها علاج لعرض مثل الأنيميا (أي فقر الدم). فالأنيميا (فقر الدم) ليست أكثر من عرض لمشكلة أخرى. فهناك أنيميا بسبب نقص الحديد وهناك أنيميا بسبب نقص فيتامين بي 12 أو نقص حمض الفوليك.

وأنيميا نقصان الحديد قد يكون سببها نقص تناول الحديد في الغذاء وقد يكون سببها زيادة فقدان الحديد من الجسم بسبب قرحة في المعدة أو بسبب تدمير الخلايا الخاصة بإمتصاص الحديد في الجهاز الهضمي كنتيجة لأحد الأمراض التي لها علاقة بجهاز المناعة. ولذا فإن من يزعم أن هناك علاج "للأنيميا" فهو في الحقيقة يمارس درجة عالية من الخداع لأن الأنيميا ليست مرض بالمعنى الدقيق للكلمة ولكنها عرض أو أحد أعراض مرض أو أمراض أخرى. فهل هناك عشب يعالج كل هذه الأمراض التي قد تسبب الأنيميا او فقر الدم؟

وهذا لا يمنع من وجود أعشاب لها فوائد صحية عديدة في علاج أمراض بعينها ولكن لا يعني ذلك قدرتها على علاج "عرض" قد يتسبب فيه العشرات من الأمراض.

ومن الوسائل الأخرى للخداع الطبي هو إعطاء معلومة إحصائية مجردة بدون إعطاء معلومات كاملة عن باقي المعلومات الإحصائية حتى يتسنى فهم المعلومة الأولى بصورة صحيحة.

فعلى سبيل المثال نرى البعض يتكلم عن وفاة شخص أو بضعة أشخاص بعد أخذ أحد لقاحات كورونا ويستنتج البعض من ذلك أن اللقاح خطير للغاية. وقد يكون هذا صحيحاً إذا كان عدد الوفيات في الذين أخذوا اللقاح أكثر من الوفيات في الذين لم يأخذوه.

ولكن لنا أن نتخيل لو أن هناك 5 أفراد توفوا بعد أخذ لقاح كورونا في تجربة تمت على مائة ألف نسمة. وفي نفس الوقت توفى خمسون شخصا في مائة ألف نسمة أخرى بسبب عدم أخذهم للقاح وبالتالي إصابتهم بمرض كورونا. ففي هذه الحالة فإن أخذ اللقاح في هذه التجربة قد يكون أنقذ حياة 45 إنسان!

 فذكر معلومة مجردة عن اللقاح دون ذكر أرقام للمقارنة بمن لم يأخذوه هو على أقل تقدير تقصير في عرض المعلومة إن لم يوصف بأنه درجة من الخداع الطبي لسبب أو لآخر.

 ومن الأمثلة الأخرى على عملية "الخداع الطبي" هو ذكر معلومة طبية دون ذكر مصدرها العلمي. فعلى سبيل المثال نجد البعض يقول في بعض البرامج أن "العلم" أثبت أن العلاج الفلاني هو أفضل علاج لمرضى السكر.

السؤال هنا هو أين نجد هذا "العلم" للتحقق من هذه  المعلومة ومدى صحتها وهل هناك مصدر طبي أو علمي نستطيع الرجوع إليه للتاكد من هذه المعلومة والتي قد تكون محض خيال؟  

وتتم عملية الخداع الطبي لأسباب عديدة مثل محاولة زيادة معدلات البيع لبعض المنتجات أو لزيادة إنتشار بعض المجلات والصفحات الإلكترونية عبر نشر المعلومة في شبكات التواصل الإجتماعي أو لمنع الناس من قبول دواء معين لمصلحة دواء آخر. 

ومن الهام فهم كيف تتم عملية الخداع الطبي حتى لا نقع في حبائلها ونكون من ضمن ضحاياها. 
وأخيراً - وليس آخراً – فإن نشر الوعى الطبي في المجتمع والإرتقاء بالثقافة الطبية والصحية قد يساعد على زيادة وعي المجتمع مما قد يقلل من قدرة "الخداع الطبي" على إيقاع ضحايا جدد. 
وللحديث بقية!

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.