يوتيوب أعلن إصلاح الخلل الذي ظهر الأربعاء.
.

عام 2007 أو شيء قريب من هذا وكان اليوتيوب قد ظهر للتو، كنت أبحث مع معهد أبحاث وإعلام الشرق الأوسط في واشنطن الذي كان يساعدني في مشروعي آفاق للإصلاح في المنطقة العربية، عن إنشاء حساب على اليوتيوب. لم أكن وقتها أدرك قوة وأهمية هذا الموقع الذي يعني بنشر الفيديو على الإنترنت.  كان الأمر أشبه باختراع جديد يمكن الاستفادة منه، لكن إلى أي مدى؟

هوامش الحرية

اليوم يتضح أن يوتيوب لم يكن مجرد اختراع عبقري فحسب، وإنما اختراع غير مجرى حياتنا إلى الأبد. فالقنوات على هذا الموقع، اخترقت جميع الحجب وباتت تشكل رافدا أساسيا في تطوير الفكر والثقافة وبالطبع الإصلاح الديني على نطاق واسع، وخاصة في منطقتنا العربية.

وأقول منطقتنا لأن الغرب ليس جديدا على المسائل التي تتناول الأديان أو تتخذ منها موقفا نقديا، وربما كان الأمر مشابها وإن بدرجات مختلفة في مناطق أخرى من العالم. أما في منطقتنا العربية فإن نقد الأديان أو منح المجال للملحدين والربوبيين واللاأدريين وغيرهم ممن لديهم موقفا مخالفا للمؤسسة الدينية يعتبر شيئا جديدا تماما. 

فعندما صدر كتاب نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم عام 1969، وقد أعيد طبعه بعد ذلك عشرات المرات، أثار ضجة كبرى وتعرض العظم بسببه إلى المحاكمة والملاحقات القانونية في بيروت آنذاك، بحجة "الحض على النزاع بين مختلف طوائف الأمة وتحقير الأديان".. وحتى في السنوات التي تلت ذلك كان يعتبر اقتناء هذا الكتاب مسألة صعبة بالنظر إلى ما احتواه وقتها من جرأة في الحديث عن الدين. 

حين يعود الإنسان إلى هذا الكتاب يجده خجولا ومتواضعا وربما تبسيطيا بالنظر إلى ما يبث اليوم عبر اليوتيوب من آراء جريئة وناقدة.

جمهرة من اليوتيوبرز

اليوم توجد جمهرة واسعة من "اليوتيوبرز" الذين لا يجاهرون بآرائهم فقط فيما يتعلق بالإسلام، وإنما ينقلون تجاربهم وتجارب غيرهم مع الدين إلى الجمهور، والأمر لا يقتصر على بلد معين، بل يشمل تقريبا معظم الدول العربية، وتتنوع التجارب والآراء على النحو الذي يتيح مساحة واسعة للنقاش. 

من هؤلاء نذكر حامد عبد الصمد ومحمد المسيّح وأحمد سامي وسراج الحيان وارنست وليام وغيرهم كثيرون.. هؤلاء جميعهم يدينون، كما ندين جميعا، لليوتيوب لأنه مكنهم ومكننا من أن نقرأ ونسمع ونشاهد صور حرية التعبير والضمير بمختلف أشكالها، من دون خوف أو رهبة، فيما تقف المؤسسة الدينية عاجزة، ليس فحسب عن الرد، وإنما عن الانتقام أو معاقبة هؤلاء على جهرهم بآرائهم وأفكارهم التي لست أشك بأن الكثيرين في السابق كانت تراودهم نفس الأفكار، لكن سلطة المؤسسة الدينية ومن ورائها سلطة الحاكم كانت تقف بالمرصاد لكل رأي أو فكر مخالف لما هو سائد.

وفي عالم اليوم لا يمكن جلد أو صلب أو تقطيع أطراف أي من هؤلاء، كما كانت تفعل المؤسسة الدينية ومن ورائها السلطة السياسية في السابق مع المخالفين أو المجاهرين بآرائهم النقدية للدين، أو من يتهمون اليوم بازدراء الأديان أو الطعن في العقيدة وما شابه من تهم تنتمي إلى محاكم التفتيش في القرون الوسطى. لقد شلت هذه الأيدي تماما، وأقصى ما تستطيع القيام به هو التشويش والإزعاج. ولا بأس في ذلك.

الزبد يذهب جفاء

نحن إذن أمام ثورة وفرها اليوتيوب (وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي)، ولست أبالغ إن قلت إن الأجيال الجديدة في المنطقة العربية سوف تخرج سريعا من عباءة القيود التي وضعتها المؤسسة الدينية وكبلت أجيالا كثيرة من البشر.

ما سوف يميز الأجيال الجديدة ليس بالضرورة هو الموقف النقدي من الأديان، وإن كان هذا من ضمن النتائج، ولكن القدرة على الاختيار والحرية في البحث والسعي نحو الإجابات. فرجل الدين لم يعد يمتلك أية إجابة مقنعة على المسائل التي يطرحها عصرنا، وقد كان وباء كورونا وتوجه الناس للأطباء والعلماء بحثا عن إجابات أوضح دليل على ذلك، وما تفعله التكنولوجيا الحديثة سوف يباعد بين الجيل الجديد والمؤسسة الدينية، بصورة بطيئة ولكن مضطردة.

أعلم بأن الأمر لن يكو سهلا، فعقلية داعش وأفكار داعش وممارسات داعش لا تزال مغروسة بقوة في المنطقة العربية، لكن المهم هو القدرة على وضع تلك الأفكار وتلك العقلية وتلك الممارسات على طاولة البحث والتشريح، لفهم جذورها ومنطلقاتها الدينية والسياسية، من دون خوف أو قيود، وهو الأمر الكفيل بإظهارها على حقيقتها.   

فمشكلة الإنسان لم تكن يوما مع الأفكار ولكن مع عدم القدرة على محاكمة هذه الأفكار وإثارة النقاش حولها واستخلاص الآراء بشأنها. إن إتاحة المجال والحرية للإنسان كي يخضع كافة المسائل التي يفكر فيها للنقاش والتعبير الحر هو الأمر الحاسم والجوهري في تطور البشرية، والمسائل الدينية هي في صلب هذ المسائل.

لقد ولى الزمن الذي يحتكر فيه رجل الدين رؤيته أو تفسيره للرواية الدينية والأحداث المرتبطة بها، تحت زعم أنه وحده المختص بذلك. هذا الاستعلاء وهذا الاستبداد يتعرضان اليوم إلى الهجوم والنقد من كل جانب.. وهو نقد متاح للجميع ومن دون استثناء. ذاك أن ما يبقى في الأرض هو الذي ينفع الناس أما الزبد فيذهب جفاء. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.