صار من المعتاد في منطقة المغرب العربي، أو المغرب الكبير، في السنوات الأخيرة، عند حلول الليلة المصادفة لـ12 و13 يناير من كل سنة، الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، التي توافق هذه السنة الميلادية 2021 حسب التقويم الأمازيغي عام 2971. وقد أتاح انتشار مواقع التواصل الاجتماعي مواكبة ما يرافق هذا العيد من احتفال ومباهج وتبادل للتهاني، أحيانا بعبارات معايدة باللغة الأمازيغية، مكتوبة بأحرف عربية أو لاتينية أو بحرف "التيفيناغ" الذي لا يستطيع تهجيه وقراءته إلا القلة حتى وسط غلاة الأمازيغيين، وأصبحت بعض تلك العبارات مألوفة لدى غير الناطقين بالأمازيغية، وأشهر هذه المعايدات: أسوگاس أمباركي: سنة مباركة. هذا مع انتشار واسع في الصفحات التواصلية لصور رموز أمازيغية، وفي مقدمتها ألوان راية الأمازيغ الملونة بالأخضر والأصفر والأزرق.
لا يتوقف الأمرعند حدود الاحتفال، بل إن صفحات الفيس بوك تشهد نقاشات متفاوتة الحدة، حول معنى المناسبة ودلالاتها، بين مؤيدين ودعاة اقرار الاحتفال بها كعطلة رسمية مؤدى عنها، كما حدث بالجزائر قبل سنتين عندما صودق على اعتبار رأس السنة الأمازيغية عيدا رسميا وعطلة مدفوعة الأجر، "تعزيزا للوحدة الوطنية" حسب الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة.
للتذكير، فقد كان المغرب أول بلد في المنطقة يعترف دستوره باللغة والثقافة الأمازيغية، وتلته الجزائر في سنة 2016. إلا أن الدعوة لجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية لم تلق الاستجابة إلى حدود اليوم في المغرب.
بدايت الاهتمام بالثقافة الأمازيغية:
يعد الزعيم الوطني علال الفاسي (1910- 1974) من السباقين إلى دحض مزاعم المؤرخين الفرنسيين في أبحاثهم حول أصول الأمازيغ، وهي اجتهادات بنيت في رأيه على مبادئ السياسة الاستعمارية الهادفة إلى تمزيق لحمة الشعب المغربي. وقد حاول الاستعمار الفرنسي استغلال المغاربة الأمازيغ في مواجهة المغاربة العرب، وشجع على أن تصبح الفرنسية هي لغتهم والمسيحية ديانتهم، وفي سنة 1930 أصدرت الحماية الفرنسية ما يعرف بـ"الظهير البربري"، المنظم لسير العدالة في القبائل ذات الأعراف الأمازيغية، فواجهته الحركة الوطنية باعتباره خطرا من شأنه أن يفرق بين العرب والأمازيغ.
في كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" (1948)، دعا علال الفاسي، إلى العناية بالثقافة الأمازيغية الوطنية، وبعد الاستقلال طالب بإحداث كرسي لها في الجامعة المغربية، في مرحلة لم يكن أحد يهتم بهذا الموضوع، تأكيدًا للمكانة التي تتبوأها المسألة الأمازيغية في فكره السياسي وفي عقيدته الوطنية.
وعرفت العقود الأخيرة صعودا للحركة الأمازيغية، التي تخلت عن الاسم القديم: "البرابرة"، كما كان ينص على ذلك أول درس في التاريخ درسته الأجيال الماضية في نهاية المرحلة الابتدائية حول "سكان المغرب الأولون هم البرابرة".
في سنة 1967، أي في وقت كان طرح المسألة الأمازيغية" يدخل في نطاق الممنوعات، تأسست الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي في الرباط، للدفاع عن الثقافة والفنون الشعبية. ثم تلا ذلك شيئا فشيئا بروز المطالب الثقافية والاجتماعية للأمازيغ، ليكتمل في سياق اندحار الإيديولوجيات الشمولية، وهزيمة القومية العربية ممثلة في سقوط بغداد وعراق البعث العربي. إضافة إلى الأحداث المتلاحقة التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد المعسكر الشرقي. ومن المصادفة أن يكون حزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي) أول حزب سياسي في المغرب اعتنى بالمسألة الأمازيغية في وقت مبكر. إذ طرح حزب علي يعتة في مؤتمره المنعقد سنة 1974، مقررا بمعالجة متقدمة لحقوق الإنسان، يعد اليوم وثيقة مرجعية مهمة من أجل النهوض بالجوانب الثقافية في المغرب المتعدد السلالات واللغات والثقافة الشعبية.
ثم جاء بعد ذلك ميثاق الجامعة الصيفية بأغادير سنة 1991، الذي نص على ضرورة نهج "سياسة لغوية ديمقراطية أساسها الاعتراف واحترام الحقـوق اللغوية والثقافية المشروعة لمختلف مكونات الشعب المغربي لإمكانية بناء ثقافة وطنية ديمقراطية".
وكثفت المبادرات التالية من مواجهتها للخطاب العربي الذي تم تقييم تعامله السلبي مع الهوية الأمازيغية، مع التركيز على تغيير الاتفاق حول "أمة عربية" بِـ " أمة " أخرى، بما يراعي مفهوم التعددية والديمقراطية ويعترف بالمواطَنة الجديدة.
ستتميز سنة 2001 ب"خطاب أجْدير" (17 أكتوبر 2001)، الذي ألقاه الملك محمد السادس في مسقط الزعيم عبد الكريم الخطابي "أجْدير" (قرب مدينة الحسيمة) ، ويعتبره المؤرخون "تصورا جديدا بخصوص الهوية المغربية"، يؤكد أن الأمازيغية تشكل مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية، وأن النهوض بالأمازيغية يعد مسؤولية وطنية، واعتبارها ملكا لكل المغاربة.
"حاگوزة" لجميع المغاربة:
من هذا المنطلق فإن رأس السنة الأمازيغية ليس عيدا يخص الأمازيغ وحدهم، بل هو عيد وطني يهم كامل الشعب المغربي بكل أصوله الاثنية. ما يفسر أن الاحتفال بهذه المناسبة كان قديما حتى لدى أهل المناطق غير الأمازيغية، وكانت له تسميات مختلفة، منها: "الحاكوزة"، و"حيدوزة"، و"ينايّر"، و"النّاير"، او "السنة الفلاحية".
وإنه بحق عيد جميع المغاربة، يحتفلون به سواء كانوا من أصول أمازيغية أو عربية أو غيرها، اقترن بالسنة الفلاحية ونهاية السنة الدراسية لتلاميذ الكتاتيب القرآنية (لعْوَاشَرْ). ويحتفل به منذ عصور في منطقة الشاوية بالمغرب، وهي غير أمازيغية مثل المنطقة التي تحمل الاسم نفسه في الجزائر، حيث تذبح الدواجن ويتم تحضير أطباق "الرفيسة" المغربية الأصيلة (الثريد) بالتوابل. ويوافق "ينّايّر" بداية ما يعرف ب"الليالي السود" التي تنخفض فيها درجات الحرارة.
يعتقد البعض أن لا صلة للاحتفال بـ"النّاير" بمزاعم ترجعه إلى روايات تاريخية متصلة بملك أمازيغي انتصر على الفراعنة في مصر. في هذا الصدد تساءل مدون: "إذا كانت هناك حضارة أمازيغية فأين هي آثارها؟ لقد تم العثور على أغلبية الآثار والمخطوطات التي تدل على وجود حضارة ما مرت في فترة من فترات التاريخ، سواء كان ذلك في العصر الحجري أو قبل الميلاد، حتى الديناصورات وجدوا العلماء الأركيولوجيا ما يثبت أنها عاشت على الأرض، إلا الحضارة الأمازيغية؟ وتابع آخر في نفس السياق: "أجدها ممارسات وثنية من دون حقيقة. كيف لم توجد لدى قدماء الأمازيغ لا حضارة، ولا كتب ولا علماء، ولا آثار؟ وهم سابقون في التاريخ كما يزعمون! هي خرافة فرنسية صهيونية بامتياز لتقسيم البلاد العربية والقضاء على الإسلام".
وفي نفس المضمون كتب آخر: "كيف لإنسان عاقل أن يتصور حضارة عمرها 2971 سنة من الوجود حسب زعمهم لا أثر لمبان عمرانية ولا آثار لها، لا مخطوطات ولا إنجازات علمية أو أدبية تبقى شاهدة عبر العصور...".
التوظيف السياسوي للمسألة الأمازيغية
أما الناقد والمترجم د. محمد البكري، فيرى أن رأس السنة الفلاحية "حاگوزة" عادة وليست تقويما تمكن مماثلته بالتقويم الهجري والغريغواري والقيصري والصيني، لارتباط التقويم بأجهزة الدولة. وأنه في الأصل ليس سوى تقويم يوليوس قيصر، الذي اقترف خطأ في الحساب الشمسي تم تصحيحه واستدراكه، لكنه ظل عادة متكلسة، ومن العبث قياسه على التقويم الغريغواري، إذ أصبح الأمازيغ يعتبرون أن تقويمهم يتجاوز التقويم الغريغوري المعترف به عالمياً بـ950 سنة. وفي الختام نبه البكري من السقوط في "التوظيف السياسوي للمسألة الأمازيغية". وقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن وظف صعود التيار الأمازيغي لمنافسة الحركة الإسلامية. رغم أنه لم يسع إلى ترجمة وعده ببرمجة اللغة الأمازيغية في سلك التعليم.
من جانبه أوضح الكاتب والإعلامي لحسن العسيبي أن عادة الإحتفال بمناسبة اسمها رأس السنة الأمازيغية أمر جديد تماما، يندرج ضمن حسابات القرن 21 الثقافية والسياسية والتواصلية. ربما يبقى في القادم من السنوات وربما يتم تجاوزه بانتفاء الأسباب الثقافية والسياسية التي بلورتها الأجيال الجديدة ببلداننا المغاربية. لأن المؤكد تاريخيا، هو أن أجدادنا وآباءنا بالمغرب والجزائر كانوا يحتفلون برأس السنة الفلاحية، التي تبتدا عندهم مع أول يناير الفلاحي، الذي يصادف ليلة 12-13 يناير بالتقويم الميلادي. والتفسير العلمي لذلك، هو أن أجدادنا ضمن ثقافتهم الفلاحية البدوية قد حافظوا منذ قرون على التقويم الجولياني الروماني القديم، ولم يتبعوا التقويم الغريغوري (البابوي في مكان ما)، الذي يرتبط بتقويم كاثوليكي ديني. حتى المسيحيون الارثوذوكس لهم تقويم أقرب للتقويم الجولياني، بدليل احتفال أقباط مصر ومسيحيي الكنيسة الروسية بالتقويم الأورثودوكسي وليس التقويم الغريغوري.هذا ما يقوله التاريخ، أما الأيديولوجيا فمنطقها مختلف".
فتوى سلفي معادٍ للفرح
وكعادته بحلول "حاكوزة"، لم ينس السلفي الحسن الكتاني إثارة الضجة من جديد هذه السنة بتدوينة نشرها على صفحته، أفتى فيها بتحريم الاحتفال بالمناسبة: "أما يسمى بالسنة الأمازيغية فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويتبع رسول الله محمدا صلى الله عليه و سلم أن يحتفل به".
في تدوينة أخرى نشر الكتاني: "جعل ما يسمى بالسنة الأمازيغية عيدا وطنيا رسميا أمر مرفوض وتقسيم لشعب واحد إلى شعوب متناحرة متباغضة بعدما وحدها الإسلام تحت رايته".
وسبق لنفس الشخص أن قال في السابق من الأعوام: "كما نوهت مراراً وتكراراً فقد نص علماء المسلمين على تحريم الاحتفال بأي عيد جاهلي قبل الإسلام لأي شعب من الشعوب، عربياً كان أو بربرياً أو فارسياً أو أوروبياً أو غير ذلك". وهو ما عرضه للهجوم ووصفه ب"المتطرف الأصولي وعدو الأمازيغ". وأنه يستخدم الدين لمعاداة فرح الناس وتفاؤلهم، وأن أمثاله من المتعصبين لايتقنون سوى لغة الموت.
راية ثقافية وليست بديلا
وخلفت تهنئة الأمازيغ في المغرب بالسنة 2971 من طرف رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، موجة من التعليقات وردود الفعل من عدد من رواد المواقع الاجتماعية.عندما نشر العثماني راية الأمازيغ مرفقة بتهنئته، لكنه عاد بعد أقل من نصف ساعة لحذف صورة الراية مكتفيا بنص التهنئة. وهو استدراك قد يكون حصل بسبب تنبيهه ربما إلى أن للمغرب راية رسمية واحدة. ما يعيد إلى الأذهان ما جرى بالأمس القريب في الجزائر خلال الحراك الشعبي، إذ صدرت أوامر بمنع رفع راية الأمازيغ. رغم أن الرد يقول إنها لا تحمل دلالات سياسية أو عرقية، بقدر ما هي رمز لانتماء ثقافي ولغوي.
وللإشارة، فرئيس الحكومة، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد العثماني أمازيغي من جهة سوس في الجنوب. يشترك معه في ذلك عدد من أمناء الأحزاب المغربية، يتقدمهم عزيز أخنوش رئيس التجمع الوطني للأحرار، ومحمد العنصر رئيس الحركة الشعبية، ومحمد ساجد رئيس الاتحاد الدستوري، وإدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، وهذه الأحزاب الخمسة هي المكونة حاليا للتحالف الحكومي.

